عاش العراق أمس كارثة إنسانية كبرى لا تقل ويلاتها عن أقسى أيام الحرب، حيث سقط أكثر من ألف شخص بين قتيل وجريح خلال تدافع مئات الآلاف من العراقيين الشيعة على جسر الأئمة فوق نهر دجلة في بغداد خلال زيارتهم إلى ضريح الإمام موسى الكاظم، وتعددت الروايات عن أسباب الكارثة وتحميل المسؤولية لعدة جهات.
واتهم مسؤولون حكوميون تنظيم «القاعدة» بزعامة أبومصعب الزرقاوي بإطلاق شائعة عن وجود انتحاري وسط الحشود ما تسبب بالهلع والتدافع وسقوط العشرات عن الجسر وموت آخرين اختناقاً، فيما اتهم آخرون قوات الاحتلال الأميركي وقوات الأمن العراقية بالتقصير والتسبب بالكارثة نتيجة إغلاق مداخل المنطقة، لكن وزارة الداخلية تنصلت من المسؤولية وحملتها لوزارة الدفاع. وفي أعقاب الحادث توجه رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري معزياً ومعلناً الحداد الوطني لثلاثة أيام.
ووفق عدة إحصاءات أولية تراوح عدد القتلى بين 650 قتيلاً و848 إلى جانب مئات الجرحى.وقال مصدر أمني ان 816 قتلوا غرقاً واختناقاً بعد التدافع على الجسر المؤدي إلى ضريح موسى الكاظم. وأضاف ان 323 آخرين أصيبوا بجروح مختلفة في الحادث نفسه. وأشار إلى مقتل 25 آخرين بالتسمم من مأكولات فاسدة كانت تباع في المنطقة. كما أوضح ان سبعة قتلوا
وجرح 37 اثر سقوط قذائف هاون صباحاً في المنطقة ذاتها ليرتفع عدد القتلى في سلسلة الحوادث إلى 848 قتيلاً.وبحسب الروايات فإن الكارثة بدأت بإطلاق قذائف الهاون على الحشود المتجهة إلى ضريح موسى الكاظم أعقبه إطلاق شائعة بوجود انتحاري وسط الحشود الذين سارعوا إلى التدافع للخروج من المنطقة ليفاجأوا بالحواجز الأمنية التي أقامتها قوات الاحتلال في محيط المنطقة.
وأكد وكيل وزارة الصحة العراقية جليل الشمري ان «عملية انتشال الجثث لا تزال مستمرة في نهر دجلة» مشيرا إلى إمكانية ارتفاع حصيلة القتلى.و اتهم مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي «الصداميين والزرقاويين» بالوقوف وراء الحادث.ونفى حصول أي انهيار في جزء من الجسر وأن كل ما حصل هو ان هناك بعض الصداميين والزرقاويين أطلقوا إشاعات أصابت بعض الزوار بالذعر ودفعتهم إلى إلقاء أنفسهم من فوق الجسر في نهر دجلة».
وأضاف «سبق هذا إطلاق الإرهابيين ثمانية قذائف هاون على مناطق قريبة من الضريح ما تطلب الرد عليهم وقتل بعضهم».وأعلنت مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة في العراق «تدعى الطائفة المنصورة» في بيان انها أطلقت أمس قذائف هاون قرب ضريح الإمام موسى الكاظم في الكاظمية.ومن جانبه، أكد جواد المالكي الرجل الثاني في حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري ان «المجرمين أرادوا من هذه الجريمة إثارة الفتنة الطائفية بين أبناء الشعب العراقي ليتقاتلوا في ما بينهم».
وعقب الحادث دعا وزير الصحة العراقي عبد المطلب محمد علي وزيري الدفاع سعدون الدليمي والداخلية بيان باقر صولاغ إلى تحمل مسؤولياتهما عن مأساة جسر الأئمة وان يستقيلا من منصبيهما.وقال الوزير العراقي في مؤتمر صحافي في بغداد «انا احمل زملائي في الداخلية والدفاع مسؤولية ما حدث».وأضاف «إذا أردنا ان نقيس حادثة اليوم بالحادثة التي حصلت في لندن واهتز لها ضمير الإنسانية والكرة الأرضية والمجرات الأخرى فانها لن تبلغ عشر ما حصل هنا».
وأوضح علي وهو من التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر ان «أي ضمير حي في هذا البلد بلا استثناءات سيطالب بتحميل القوات المحتلة وقوات التحالف مسؤولية الملف الأمني وسيحمل وزارتي الداخلية والدفاع اللتين لهما العلم في الوقت والموقع الذي ستتم فيه الزيارة لذلك كان لابد من وجود تحوطات أمنية في حدود 30 كيلومتراً في طريق الزوار» مشيرا إلى ان «مفارز الداخلية ومفارز الحرس الوطني كثيرة الآن لأداء مثل هذه التحوطات».
وشرح ما حصل فوق جسر الأئمة قائلاً ان «احد المغرضين من بين الزائرين هتف بأن هناك سيارة ملغومة فوق الجسر مما أدى إلى هلع الزائرين وتدافعهم فسقط منهم قتلى وجرحى».وأضاف «هذا الكلام أقوله لان المفتش العام للوزارة كان متواجدا هناك».وأشار إلى «حصول حالات اختناق شديدة بين مصابين لم يتح لهم الوقت للوصول إلى المستشفى».
وقال ان «الجثث تناثرت هنا وهناك على طول الطريق من الأعظمية إلى الكاظمية».وقدم الوزير حصيلة مختلفة لعدد القتلى معلناً ان مجموعها 650 مؤكداً حصول حالات تسمم أيضاً».واستنكر رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري في مؤتمر صحافي عقده مع السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زادة الاتهامات التي وجهها وزير الصحة العراقي إلى وزيري الدفاع والداخلية في حكومته.
وقال الجعفري «أقدر جهود الأخ وزير الصحة لكن لا يمكن ان أرضى ان تكون هناك حالة تبادل اتهامات عبر شاشات التلفاز بهذا القبيل» بين وزراء الحكومة نفسها.وأضاف «أثمن عمل كل الوزراء ولا أتقبل ان يكون هناك تراشق في الاتهامات بهذه البساطة».ومن جانبه رفض وزير الداخلية العراقي بيان باقر صولاغ تحمل أية مسؤولية عن الحادث.
وقال في تصريحات للتلفزيون العراقي الحكومي «في الواقع ان قوات وزارة الداخلية غير معنية بالمنطقة التي وقع فيها الحادث، والكاظمية امنيا من حصة وزارة الدفاع ونحن نتحمل مسؤولية مناطق الدورة ومناطق أخرى لا أود ان أشير إليها بالتحديد».وأضاف ان «وزارة الدفاع قامت بجهود مشكورة كثيرة ومنعت وصول سيارات ملغومة وحملة الأحزمة الناسفة».وقال صولاغ ان «مدينة مثل الكاظمية لا يمكنها ان تستوعب مليون ونصف المليون زائر».
وتابع «كنت على اتصال مع زميلي وزير الدفاع (سعدون الدليمي) من اجل التعرف فيما إذا تم إلقاء القبض على بعض المشتبهين».وأشار إلى «سقوط عدد من قذائف الكاتيوشا منطلقة من على بعد ستة كيلومترات من منطقة التاجي (شمال بغداد) على منطقة الكاظمية» موضحا انه «تم تحديد المكان وقامت قوات التحالف بتدميره وقتل القتلة».واعتبر الوزير العراقي ان «مثل هذه الحوادث تحصل خصوصا في أيام الزيارات».
واتهم وزير النقل العراقي سلام المالكي القوات الأميركية بأنها ساهمت في تفاقم مأساة جسر الأئمة في بغداد من خلال إعاقتها لوصول الإمدادات للمصابين.وقال ان آليات كثيرة من وزارة النقل سيرت إلى موقع الحادث إلا ان القوات الأميركية إعاقتها كما أعاقت وصول سيارات الإسعاف.
ونقل انتفاض قنبر الناطق باسم نائب رئيس الوزراء الجلبي في تصريح لقناة «العربية» الفضائية عن الجلبي، الذي زار موقع الحادث ومشى على الجسر بنفسه، تأكيده أن هناك مبالغة كبيرة في الحادث حيث لم ير انهيارا في الجسر ولا انفجارا.وقال إن التدافع هو السبب الظاهر للحادث لكثرة عدد الزوار...معربا عن أمله في أن تكف الإذاعات ووسائل الإعلام عن المبالغة في وصفها للحادث.
ومن جانبه دعا عضو المكتب السياسي في التيار الصدري عباس الربيعي إلى عدم التركيز على الجانب الطائفي، مشيرا إلى ان القذائف الثلاث التي أطلقت صباحا وإلصاق ما حدث على جسر الأئمة بها، هو من ترويجات المسؤولين الأمنيين والحزبيين الذين يحاولون إبعاد التهم عنهم بسبب تقصيرهم.وأكد ان السبب الرئيسي لما حدث هو إغلاق الطرق والجسور من قبل قوات الاحتلال، والقوات العراقية، وسوء التنظيم، إضافة إلى أجواء القلق الناجمة عن الجو السياسي المشحون.
ودعا إلى فتح تحقيق شامل في الموضوع، محملا قوات الاحتلال وأجهزة الداخلية والدفاع مسؤولية ما حدث.وطالب رئيس منظمة «شهيد المحراب» التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية عمار الحكيم بفتح تحقيق بشأن الإجراءات الأمنية، ومدى تقصير الجهات المعنية، وهل كان زخم الزائرين اكبر من الطاقة الاستيعابية للمنطقة.
وندد الناطق الرسمي باسم مجلس الحوار الوطني العراقي صالح المطلق احد المظلات السياسية السنية بالحادث وطالب العراقيين الشرفاء بإدانة هذا العمل.وقال المطلق - في تصريح لقناة «العربية» - إن الحادث إذا كان تقصيرا من وزارة الداخلية علينا أن نعاتبها، وإذا كان عملا إرهابيا علينا أن نصر على مقاتلة الإرهاب.
واصدر الحزب الإسلامي العراقي (سني) بيانا عزى فيه أهالي الضحايا وناشد أبناء الاعظمية ذات الأغلبية السنية المساعدة في عمليات الإغاثة.وفي اتصال هاتفي أجرته «البيان» مع الشيخ مؤيد الاعظمي، إمام وخطيب جامع الإمام الأعظم، أكد استنفار جميع أبناء الاعظمية، وخاصة الذين يجيدون السباحة والغوص منهم، لانتشال الغارقين وإنقاذ الأحياء منهم، حيث تحول جامع ابي حنيفة النعمان إلى مركز أولي للإسعافات.
وقال الاعظمي ان السبب الأول لحدوث الكارثة، هو الإجراءات «الأمنية» والحواجز الأسمنتية التي تغلق جسر الأئمة، ولا تسمح بمرور أكثر من شخصين، في حين كان تدفق المواطنين هائلا.وأكد، وجود تدافع متقابل من طرفي الجسر، إلا انه نفى ان يكون سبب ذلك هو سقوط قذائف هاون في منطقة «النواب» البعيدة عن الجسر، إضافة إلى ان الفاصل الزمني بين الحادثين هو أكثر من ساعتين.
بغداد ـ نصير النهر والوكالات