بعد يوم واحد من الكشف عن تسرب المئات من مستوطني قطاع غزة الذي أصبح خاليا وحرا من الاستيطان إلى الضفة الغربية. تحدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون المجتمع الدولي بإعلان عزمه توسيع الكتل الاستيطانية الرئيسية في الضفة وارفق هذا التحدي بقرارات تنهب مساحات شاسعة من محيط القدس في إطار خطة تهويدها، بالتزامن مع الكشف عن ميزانيات لتكريس احتلال الأغوار.
وعلى الجانب الفلسطيني أعلن الرئيس محمود عباس (أبومازن) انه يعمل على نشر ثقافة السلم بين الفلسطينيين للوصول إلى هدف الدولة منتقداً ما أسماه ثقافة «العنف». ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية أمس عن شارون قوله: «سيكون هناك بناء في التجمعات السكانية ..
فكل حكومة سواء كانت يمينية أو يسارية أو حكومة وحدة وطنية كان لديها أهمية استراتيجية في مناطق معينة». وتوقع أن تواصل مستوطنة معاليه أدوميم «نموها وأن ترتبط بالقدس». ويؤكد الفلسطينيون أن هذا الربط من شأنه أن يقسم الضفة الغربية إلى شطرين ولكن شارون قال إنه «يمكن إيجاد الحلول». مجدداً القول إن مستوطنة آرييل والمستوطنات المحيطة بها في الضفة «ستبقى جزءاً من إسرائيل إلى الأبد».
وجاءت هذه التصريحات في وقت أخلى جنود الجيش والشرطة الإسرائيليون جميع مستوطنات قطاع غزة الـ 21، لتنتقل المهمة إلى المستوطنات الأربع شمال الضفة التي تشملها خطة الفصل الأحادي حيث يتوقع أن يشارك نحو ستة آلاف جندي في إجلاء المستوطنين الموجودين في مستوطنتي سانور وحوميش وسط مخاوف من صدامات مع المتطرفين فيهما.
وأمس انتشرت الشرطة الفلسطينية في محيط المستوطنتين وعلى مقربة من مستوطنتي غانيم وكاديم اللتين أخليتا في الأيام الماضية من دون أي فوضى أو مواجهات. وقال شارون في كلمة عبر فيها عن الشكر لفرق الجيش التي أتمت المهمة في القطاع إنه لن يكون هناك المزيد من عمليات الانسحاب الأحادية من الضفة حيث تهدف إسرائيل إلى الاحتفاظ بمستوطنات اكبر كثيرا من تلك الموجودة في القطاع.
وأضاف إن أي انسحابات أخرى لن تتم إلا من خلال محادثات مع الفلسطينيين وهو ما يعتمد بالتالي على نزع سلاح النشطين بموجب خطة «خريطة الطريق» الدولية.إلى ذلك، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن مصادر في مكتب شارون أنه قدم اقتراحاً للمستوطنين الذين تم إخلاؤهم من غزة بإعادة بناء مستوطنة نافيه دوكاليم التي كانت تعتبر إحدى أكبر مستوطنات القطاع في منطقة النقب الجنوبي.
وكان شارون أعلن انه سيعمل على إعادة توطين المستوطنين في قرى زراعية أو في بيوت مستقلة، حسب ما يختارونه هم بعد مناقشات مع الحكومة.وأكد مكتب شارون أنه تم تحويل الاقتراح إلى المستوطنين لتدارسه واتخاذ القرار بإعادة بناء المستوطنة في منطقة نيتسانا جنوب النقب.
ووجه العديد من نواب اليمين المتشدد انتقادات شديدة إلى شارون بلغت حد الشتيمة خلال جلسة للجنة الدفاع والشؤون الخارجية في الكنيست (البرلمان) تمت فيها مناقشة التعويضات الممنوحة للمستوطنين الذين تم إجلاؤهم. وقال عوزي لانداو الذي يقود معارضي الانسحاب داخل تكتل الليكود مخاطبا شارون: «أنت كاذب وغشاش وفاسد»،
فيما قال آفي ايتام النائب في حزب الصهيونية الدينية: «لقد أظهرنا ضبط النفس لكننا سنثأر عبر محوك من الخارطة السياسية». وأضاف: «لا تخف، لن نمس شعرة من رأسك، لكننا سنفعل ما بوسعنا لنفنيك من السياسة، سندعك تطعم خرافك في مزرعتك». وفضل شارون تجاهل هذه الانتقادات واكتفى بقراءة الكلمة التي كان أعدها، مذكرا بان إسرائيل ستحتفظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة.
وفي السياق، أصدرت سلطات الاحتلال قرارات تعتزم من خلالها الاستيلاء على مساحات واسعة في محيط القدس وأكثر من ألف دونم من أراضي قرية قريوت جنوب نابلس. وأخطرت سلطات الاحتلال المواطنين الفلسطينيين بمصادرة نحو 1300 دونم من الأراضي في محيط القدس وما حولها.
وقالت مصادر فلسطينية إن سلطات الاحتلال سلمت أربعة إخطارات لمواطنين في جبل الزيتون،وبلدتي السواحرة الشرقية، والعيزرية شرق القدس، تتضمن وضع اليد على أراضيهم لأسباب عسكرية ولأغراض بناء جدار الفصل العنصري. وكشف العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) عزمي بشارة أن حكومة شارون اتخذت قرارات بتكثيف الاستيطان في منطقة الأغوار شرق الضفة.
وقال بشارة خلال مؤتمر صحافي نظمته مؤسسة «الإغاثة الزراعية الفلسطينية» في شأن الاستيطان في الأغوار إن «الحكومة الإسرائيلية اتخذت في الحادي والعشرين من يوليو الماضي قرارات بتخصيص نحو 19 مليون دولار لتطوير الزراعة في منطقة الأغوار وتشجيع الاستيطان الزراعي وتشجيع انتقال الأزواج من الشباب إليها».
وعلى الجانب الفلسطيني، أكد رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات أن الإعلان عن نقل المستوطنين من القطاع إلى مستوطنة ارييل في الضفة يخالف ما تعهدت به إسرائيل للإدارة الأميركية بعدم نقل أي من المستوطنين إلى الضفة، وهو أمر مرفوض فلسطينياً.
وفي غضون ذلك، قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبومازن) أمس إنه يعمل على إقناع الفلسطينيين بأن ثقافة السلام وليس ثقافة العنف هي الطريق للدولة الفلسطينية بعد إنهاء عملية إخلاء المستوطنات. وأضاف في مقابلة مع وكالة «رويترز» أن الفلسطينيين يتجاوبون بشكل كبير مع طروحاته السلمية وان التغيير بدأ نحو ثقافة السلم بدلا من ثقافة العنف التي سادت المجتمع الفلسطيني خلال فترة الانتفاضة في الأربع سنوات ونصف السنة الماضية.
وانتقد تنازع وتنافس الفصائل المختلفة على إظهار أن الانسحاب جاء نتيجة عملياتها العسكرية ضد إسرائيل واعتبر هذا الصراع «سخيفاً وصغيراً. ليس مهما من وراء الانسحاب. المهم كيف نمضي من هنا لتحقيق أهدافنا الوطنية». وشدد على أن «الجهاد الأكبر يكمن في نضالنا من أجل تحسين أوضاعنا الاقتصادية وفي عملية البناء وفي ترسيخ احترام القانون والتفاوض على استرجاع حقوقنا المشروعة وصولا الى الدولة المستقلة».
لكن عباس عاد وأكد ان «الفضل يعود للشهداء والأسرى والجرحى في خروج آخر مستوطن من مستوطنات قطاع غزة».وقال عباس أمام قرابة 200 من الجرحى والمعاقين خلال سنوات الانتفاضة الخمس «ان الفضل في خروج آخر مستوطن يعود إلى الشهداء والأسرى، وانتم الموجودون هنا أمامنا والحمدلله أنكم رأيتم بعيونكم نتائج نضالاتكم».
القدس المحتلة، غزة ـ ماهر إبراهيم والوكالات