بعد جدل وصراع وجولات مفاوضات ومشاورات ماراثونية وقبل انتهاء المهلة المقررة بأربعين دقيقة فقط سلمت لجنة كتابة الدستور المسودة الى البرلمان العراقي منتصف ليلة أمس، متجاوزة النقاط الخلافية الرئيسية وخصوصاً الفيدرالية التي رحلتها الى البرلمان كي يحسمها خلال الأيام الثلاثة المقبلة، وكان العامل الحاسم في تفكيك عقدة المسودة هو التفاهم الشيعي الكردي عليها.
الأمر الذي اعتبره السنة العرب كسراً للتفاهم المتفق عليه مسبقاً، متوعدين بإسقاط الدستور في الاستفتاء المقرر في 15 اكتوبر المقبل بسبب اعتراضهم على الفيدرالية التي وردت بصورة غامضة.
ولم تغب اميركا عن خط الأزمة حيث مارس سفيرها في بغداد زلماي خليل زادة ضغوطاً متواصلة على كافة الفرقاء، كما قطع الرئيس الأميركي جورج بوش إجازته السنوية وغادر مزرعته في تكساس، بادئاً سلسلة أنشطة للدفاع عن أهداف إدارته في العراق، متعهداً بمواصلة الحرب هناك رغم اتساع المعارضة لسياسته.
وأعلن حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية «البرلمان» ان اللجنة سلمت المسودة الى البرلمان، وسيعمل اعضاؤه جاهدين خلال الأيام الثلاثة المقبلة على تسوية كل النقاط الخلافية بما يؤدي الى الوصول الى تفاهم يرضي الجميع. وانفض اجتماع البرلمان بعد خمس دقائق فقط من دون اجراء أي تصويت.وقبل الإعلان عن التسليم سرت معلومات ان حاجم الحسني وهو «سني» قد انسحب من جلسة البرلمان، لكنه عاد مرة اخرى بسرعة ليعلن انتهاء الأزمة، وتسلم المسودة.
وتنص مسودة الدستور التي حصلت البيان عليها على ان العراق جمهورية فيدرالية، وجمهورية برلمانية ديمقراطية، لكنها لا تصف على وجه التحديد مدى أو طبيعة هذه الفيدرالية، وتقر المسودة ان الإسلام هو الدين الرسمي للعراق ومصدر أساسي للتشريع، كما تنص على ان العراق بلد متعدد القوميات، وان العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان إضافة إلى إقرار ازدواج الجنسية.
وقبل الاعلان المفاجيء عن تسليم المسودة الى البرلمان فإن التطور الفعلي بشأن مسودة الدستور جاء بعد إعلان ليث كبة الناطق الرسمي باسم رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري لشبكة «سي. ان. ان» الأميركية ان المفاوضات بين الشيعة والأكراد أدت الى اتفاق حول المسودة الدستور.
واستمرت الضغوط على السنة حتى اللحظة الاخيرة لانتزاع موافقتهم بإعلان جواد المالكي الرجل الثاني في حزب رئيس الوزراء ان المسودة جاهزة وستعرض على البرلمان حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأنها مع العرب السنة الذين قال ان جزءاً منهم معنا وآخر ضد الفيدرالية، مؤكداً تصفية كل نقاط الخلاف بين الكتلتين الشيعية والكردية.
وفيما يتعلق بتقسيم ثروات البلاد قال ان «الثروات ملك لكل الشعب والأقاليم والمحافظات، وتوزيعها سيكون بين الحكومة المركزية والأقاليم».واعتبر المالكي ان «كتابة الدستور جرت بناء على مبدأ التوافق لكن هذا لا يعني موافقة الجميع فهناك حتى من الشيعة والأكراد ممن لا يتفقون عليها».
وقال نائب رئيس البرلمان العراقي حسين الشهرستاني لرويترز انه يتوقع ان يتم التصويت بالقبول «بأكثر كثيراً» من مجرد الأغلبية البسيطة المطلوبة لطرح النص على الناخبين في الاستفتاء.كردياً قال عبدالخالق زغبة العضو في اللجنة ان البند الخاص بالفيدرالية كاف للوفاء بمطالب الأكراد بشأن ضمانات بأنهم سيتمتعون بحكم ذاتي واسع.
وبسبب الضبابية فيما يتعلق بالفيدرالية فقد تمسك ممثلو السنة في اللجنة الذين أبدوا غضباً عارماً تجاه ما وصفوه بـ «انتهاك التوافق» بموقفهم الذي يقضي بعدم ذكر «الفيدرالية» في الدستور تماماً وإلا فان ذلك سيقود حسب رأيهم إلى تفتت العراق.
وأعلن قادة السنة انهم يعتزمون تعبئة أبناء طائفتهم وبقية الشعب العراقي لرفض الدستور في أكتوبر، وقالت العضوة في لجنة كتابة الدستور سها علاوي لـ «رويترز» ان السنة لن يقفوا عاجزين».
وأضاف أعضاء آخرون انهم ما زالوا يعارضون الدستور رغم تخفيف صياغته. من جهته قال صالح المطلق المفاوض السني للصحافيين خارج البرلمان ان السنة يعارضون العملية السياسية بصورتها الحالية، ومن جهته اعتبر حسين شكر الفالوجي ان كل تاريخ مشاكل العراق متضمنة في الدستور مثل العنصرية والطائفية والانفصال.
لكن مسؤولاً سنياً آخر اعتبر ان مسودة الدستور اسقطت عبارة تمنع الانفصال عن العراق، رغم مطالبة الأكراد بإبقاء هذا الخيار مفتوحاً. واشنطن لم تكن غائبة عما يجري فسفيرها في بغداد زلماي خليل زادة ودبلوماسيون أميركيون لعبوا دوراً بارزاً في المشاورات، وشكا عضو كردي في اللجنة من التنازل الذي قدمه زادة للشيعة بالسماح بدور أكبر للإسلام في دستور العراق.
ومن بغداد إلى واشنطن فقد قطع الرئيس الأميركي جورج بوش أمس إجازته السنوية وغادر مزرعته في تكساس، ليبدأ سلسلة أنشطة للدفاع عن أهداف إدارته في العراق، أمام تعاظم الانتقادات له في الكونغرس، معلقاً أملاً كبيراً على اتفاق العراقيين على مسودة الدستور.
وبدأ بوش الليلة الماضية نشاطه الدفاعي بإلقاء خطاب أمام مؤتمر قدامى المحاربين في مدينة «سولت ليك» بولاية أوتاوا.
وقال مسؤولون ان الخطاب جدد تأكيد بوش على إنجاز المهمة في العراق، لجهة حماية أمن الأميركيين. وجدد الربط بين الحرب على العراق وتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب، وما تم إنجازه من تقدم في العراق على صعيد تدريب قوات الجيش والأمن. وعلى صعيد العملية السياسية، وأهمها الاتفاق على مسودة الدستور،
حيث رأى انها الحجر الأساسي نحو بدء الاستقرار في العراق، وتمهيداً لانسحاب القوات الأميركية من هناك. وفي نطاق نشاطاته، لاحتواء الانتقاد والرفض الشعبي المتزايد للحرب، وهو ما شاهده في مظاهرة مناهضة للحرب عند إلقاء خطابه أمس من مدينة «سولت ليك» سيلقي خطاباً آخر اليوم في ولاية (ايداهو)، يكرر فيه ما قاله في المناسبات السابقة، ويلتقي أهالي جنود قتلوا في العراق. ورغم هذه النشاطات، تزداد الانتقادات الشعبية التي كان آخرها: انه لا علاقة للحرب على العراق وتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.
بغداد ـ نصير النهر
واشنطن ـ محمد صادق - الوكالات