في مجتمع الخليج بعامة، ومجتمع دولة الإمارات بخاصة، حيث يغلب عليه طابع البداوة والكرم، وساده جو من الرفاهية والترف منذ نيف وأربعين عاماً، وتحديداً في الأفراح والأعراس، التي تشهد بذخاً لا مثيل له، أخذت بعض العادات والمظاهر تخرج عن تعاليم الدين الحنيف الذي يحث على عدم الإسراف والتبذير.

ففي الأفراح تمتلئ الموائد بما لذ وطاب من الأطعمة، وبكميات هائلة تعبر من خلالها العائلة عن فخامة عُرسها، فيذهب أكثر من نصفها هدراً، ويكون مصيره بين أكوام القمامة.

حيث لا يدري صاحب الوليمة أو العرس ما يفعل بكميات هائلة من الطعام المتبقي، وبدون إدراك تُرمى هذه الأطعمة في سلة القمامة، لنجد قطط الشوارع تعاني من السمنة، بينما هناك عائلات فقيرة تنتظر لقمة من هذا الطعام تسد بها جوعها.

ولا يقتصر الأمر فقط على الأفراح إذ تُشارك المطاعم في عملية الأطعمة الفائضة المرمية خاصة عند إعداد بوفيه يحوي أطعمة كثيرة معدة لعدد من الزبائن الافتراضيين، فإن تواجدوا وهذا صعب نفد البوفيه وإن لم يأتوا فيجب التخلص منه. والملاحظ أيضا هو بذخ العائلات في شهر رمضان، شهر الصوم والعبادة حيث تزين المائدة بأطعمة كثيرة تزيد على حاجتهم ثم يُرمى الفائض منها.

ومن هذا المنطلق ارتأت جمعية الفجيرة الخيرية ضرورة إقامة مشروع حفظ النعمة، بعد أن لوحظ أن هناك أطعمة كثيرة تُهدر وهي زائدة عن حفلات الأعراس والولائم وأن هناك من هم بحاجة إلى هذه الأطعمة.

وبناء على ذلك وجه سعيد بن محمد الرقباني رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية إلى دراسة الفكرة، وتم بالفعل تبنيها لما لها من أثر طيب على المجتمع، لتحافظ من خلاله على النعمة من التبذير والإسراف وتساعد على سد جوع الفقراء والمحتاجين، كما تعزز الدور الخيري للجمعية.

مشيراَ إلى أن أهمية هذا المشروع تأتي من منطلق مبدئي وأساسي يتمثل في تجسيد أدبيات الإسلام، ويزرع في النفوس فكرة المحافظة على النعمة والاعتدال في الإنفاق.

وأضاف أنه إلى جانب ذلك فإنه يحيي في النفوس فكرة مساعدة الفقراء بتحقيق مستوى الكفاية لهم وتوفير حاجاتهم الأساسية، وأنه امتداد للصدقة من خلال وضع الفائض من الغذاء في أوقات معينة لغايات مخصصة وهو أخذ بالمبدأ النبوي القائل:

«من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له». وفي إطار هذا المشروع، تم تجهيز سيارتين تحتويان على «برّادين» خُصصا لهذا الغرض حيث تعمل واحدة في الفجيرة والأخرى في دبا، كما تم شراء الأدوات اللازمة من أطباق الألمنيوم وورق تغليف وكل ما يلزم لضمان عدم فساد الأطعمة، وتشكيل فريق عمل من بعض الموظفين والمتطوعين.

وتمت زيارة الفنادق وصالات الأفراح التي رحّب أصحابها بالفكرة وأبدوا تعاوناً تاماً وجيداً، حيث كانوا على تواصل مستمر لتزويدهم بقائمة الأفراح الأسبوعية. والمشروع حيوي يحتاج إلى دعم المحسنين والمؤسسات لكي يتسع ويتطوّر ويصل إلى مناطق أخرى، والقائمون على المشروع يرحِّبون بكل فكرة تخدمه.

وقال حسن الحمادي من دبي إن هناك كميات كبيرة من الطعام الطازج تُهدر في الولائم والمناسبات في الفنادق الكبرى والنوادي، في وقت لا تجد بعض العائلات الفقيرة ما تسد به رمقها.

والكماليات الكبيرة المتخلفة عن البوفيه المفتوح لا بد من وجود من يستوعبها بدلاً من أن تُلقى في القمامة. لذا يجب نشر الفكرة في جميع الإمارات، وأخذ مشروع حفظ النعمة في إمارة الفجيرة كنموذج ناجح، وتصميم ملصقات تحث الناس على الإبقاء على بواقي الطعام نظيفة حتى يمكن الاستفادة منها أو إعداد خطابات باللغتين العربية والإنجليزية موجهة لأصحاب الفنادق والجمعيات الخيرية وإرسالها لتبني مثل هذه الفكرة.

وتقول جوسالينا ـ آسيوية تعمل في إحدى صالات الأفراح المعروفة في دبي ـ: إنه بعد انتهاء العرس نقوم بإلقاء الطعام بكميات كبيرة في القمامة تكفي لإطعام أكثر من ثلاثمئة شخص، وغير مسموح لنا كعاملات في الفندق أخذ أي شيء منه، وأحياناً نأخذ خلسة من الطعام من دون أن يرانا أحد، خوفاً من أن نُحاسب من المسؤولين. ويقول (ح.ع) نادل في أحد مطاعم دبي:

تُرمى يومياً كميات كبيرة من الطعام من دون أن يستطيع أحد من العاملين في المطعم الحصول على أي شيء من المتبقي من هذه الوجبات. متسائلاً: لماذا لا يكون هناك مشروع للاستفادة من الأطعمة التي تُرمى يومياً من الكثير من المطاعم في دبي وتُعطى للمحتاجين والعمال من ذوي الدخل المحدود.

تحقيق خولة محمد