بدأ الفلسطينيون يتنفسون أولى نسائم الحرية في قطاع غزة منذ منتصف ليل أول من أمس، مع بدء رحيل قطعان المستوطنين الذين احتشد المئات منهم على بوابات المستوطنات لمنع إخلائها، ما أدى إلى تراخي عملية الانسحاب من القطاع الذي ستتسلمه السلطة في سبتمبر المقبل، لكن وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز حاول سرقة فرحة الفلسطينيين بالإنجاز التاريخي.
وتحرير جزء من أرضهم بعد 38 عاماً من الاحتلال، حين أعلن نية حكومته الاحتفاظ بستة تجمعات استيطانية كبرى في الضفة الغربية أياً تكن الترتيبات المبرمة، وزاد عليه ارييل شارون رئيس الوزراء بتهديد الفلسطينيين بأقصى رد إذا هاجموا إسرائيل بعد الانسحاب، معلناً انه يتفهم ما أسماه «آلام المستوطنين»، مضيفاً انه لا يمكن السيطرة على غزة إلى ما لا نهاية».
وذلك بعد ان أقرت حكومته أمس المرحلة الثانية من خطة الفصل التي تقضي بإزالة مجمع مستوطنات غوش قطيف في غزة، وأتمت إخلاء مستوطنتين شمال الضفة.
وبينما اعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبومازن» ان الانسحاب من القطاع غير كافٍ، ورحب بالمستوطنين سياحاً في غزة، كان لافتاً ان وزير خارجيته ناصر القدوة لم يستبعد استخدام القوة لوقف العمليات ضد إسرائيل، فيما عينت السلطة سبعة مسؤولين بصلاحيات وزراء لإدارة الشؤون الأمنية والمدنية في مستوطنات القطاع البالغ عددها 21 مستوطنة.
وقال عباس ان السلام الدائم لن يحل في منطقة الشرق الأوسط إلا بعد انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية أيضا. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنه قوله للإسرائيليين: «اذهبوا بسلام وعودوا لزيارتنا كسائحين وضيوف... لكن لا تعودوا كمستوطنين. ستستقبلون بكل احترام». وفي موازاة الجلاء الإسرائيلي عن غزة
التمسك باستيطان
الذي لم يكن على مستوى تطلعات المواطنين الفلسطينيين، قررت الحكومة الفلسطينية في اجتماع عقدته برئاسة عباس الليلة قبل الماضية تعيين سبعة مسؤولين فلسطينيين تمنح لهم صلاحيات الوزراء يتولون المسؤولية المدنية والأمنية لسبعة مواقع ستتسلمها السلطة بعد الانتهاء من تنفيذ خطة الفصل، وأوضح مسؤولو السلطة الفلسطينية أن التسليم لن يتم قبل شهر سبتمبر المقبل.
الإسرائيليون من جهتهم حاولوا التشويش قدر الإمكان على الفرحة الفلسطينية وذلك بإعلان موفاز ان الاحتلال سوف يواصل الاحتفاظ بالسيطرة على ستة تجمعات استيطانية كبرى في الضفة، سترسم كما قال موفاز الحدود الشرقية لإسرائيل، والتجمعات الستة هي معاليه أدوميم وافرات وغوش عتصيون وارئييل وكادوميم كارني وريهان شاكيد.
ووصفت السلطة الفلسطينية تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز حيال عزم حكومته ضم ست كتل استيطانية في الضفة بأنها تحد للسلام ولقرارات الشرعية الدولية ولإرادة المجتمع الدولي. وأكد رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات انه لا يمكن لإسرائيل أن تحصل على السلام والاستيطان معا، مشيرا إلى أن ما يحدث في قطاع غزة هو انهيار للمشروع الاستيطاني.
وطالب عريقات إسرائيل بالعودة إلى عملية سلام حقيقية بدلا من سياسة الإملاءات ومحاولات فرض الأمر الواقع.ومن جانبه أكد مستشار الرئاسة لشؤون الأمن القومي اللواء جبريل الرجوب أن تصريحات موفاز بضم كتل استيطانية تهدد الاستقرار الإقليمي وتمثل تحديا للإرادة والقرارات الدولية.
في هذا الوقت، قال وزير الخارجية الفلسطيني «إن الأجهزة الأمنية الفلسطينية بلغت درجة جيدة من التحضير» للسيطرة على قطاع غزة بعد إخلائه من المستوطنين، وأضاف القدوة أن أي هجمات على قوات الاحتلال «لن يسمح بها... لقد سعينا قدر الإمكان لوقف هذا النوع من الهجمات بالحوار ولكن أكدنا أيضا بوضوح بأنه يجب علينا أن نحاول وقف هذه الهجمات بالقوة إذا لزم الأمر».
وتابع القدوة القول: «بما أن الإسرائيليين يرحلون الآن، نعتقد بأن الشعب الفلسطيني سيحكم بقسوة على كل من يحاول إغراق السفينة أو يتصرف بطريقة لا مبرر لها إطلاقا ضد الإسرائيليين». وأضاف انه لا بد من انجاز الجلاء «كاملا بهدوء ومن دون حرب أهلية».
وكان اليوم التاريخي للفلسطينيين الذين يستعيدون للمرة الأولى منذ أربعة عقود أرضاً اغتصبت لبناء المستوطنات بدأ بعيد انتصاف ليل الأحد - الاثنين، حيث بدأ الانسحاب من قطاع غزة.
وبينما استسلم بعض المستوطنين لقدرهم وقبلوا الرحيل طواعية أبدى آخرون تحديهم لأوامر الإخلاء ما أدى إلى مواجهات وتوتر بينهم وبين الأمن الإسرائيلي الذي فضل إرجاء عملية تسليم أوامر الإخلاء لبعض الوقت بدلا من الدخول في مواجهة مع المستوطنين الذين وصفوهم بالمجرمين، وأغلقوا بوابات المستوطنات في وجوههم.
وفي خطاب متلفز الى الاسرائيليين أعلن شارون أمس ان الانسحاب من غزة يفتح عهداً جديداً «واعداً» لكنه أيضاً «مليء بالمخاطر». وقال شارون «إننا نسير في طريق ينطوي على الكثير من المخاطر لكن أيضاً على شعاع أمل لنا جميعاً».
وأضاف: «لتكن هذه المرحلة بعون الله مرحلة وحدة لا انقسام، ومرحلة احترام متبادل لا عداء بين الإخوة، وحب مطلق وليس كراهية بلا أساس».
وقال شارون ان إسرائيل لا يمكنها التمسك بقطاع غزة إلى ما لا نهاية وان الانسحاب هو الإجابة على الحقائق الموجودة حالياً على الأرض.وان إسرائيل أقدمت على هذه الخطوة من مصدر قوة وليس من ضعف.وأضاف «لا يمكننا التمسك بغزة للأبد، فأكثر من مليون فلسطيني يعيشون هناك».
وتابع «هذه الخطة مفيدة لإسرائيل في أي سيناريو مستقبلي. نحن نحد من الاحتكاكات اليومية والخسائر البشرية على الجانبين» الفلسطيني والإسرائيلي.
وأشار إلى ان عبء إثبات الاستعداد لاتخاذ خطوات سلام في المستقبل يقع على كاهل الفلسطينيين، «الذين يتعين عليهم تفكيك البنية التحتية للفصائل المسلحة». وقال «العالم في انتظار الإجابة الفلسطينية».
وحذر شارون من ان «اليد الممدودة سيرد عليها بفرع الزيتون أما النيران فستواجه بالنيران، نيران أكثف من أي قوت مضى». وسنرد بأقصى رد على الإطلاق.
من جهته أوضح أحد مستشاري شارون ان 700 إلى 800 عائلة أي ما يوازي نصف المستوطنين الذين لا يزالون في قطاع غزة سيغادرون منازلهم طوعاً في مهلة أقصاها منتصف هذا الليل، قبل ان يباشر الجيش عملية انسحابه.
وقال العميد في قوات الاحتياط ايفال جيلادي مستشار شارون للشؤون الاستراتيجية ان «230 عائلة تم نقلها إلى مساكن أخرى (منازل نقالة) في نيتزان (جنوب إسرائيل) فيما نقلت 48 عائلة إلى فنادق».
وأضاف ان «مئات من عناصر الشرطة والجنود قصدوا مستوطنات صباح أمس لتسليم سكانها أمر الإخلاء القانوني»، لافتاً إلى ان «خطة (الانسحاب) تنفذ كما هو مقرر».
وتطرق إلى المقاومة التي أبداها مستوطنون أو أشخاص أتوا من خارج المستوطنات لمساندتهم وخصوصاً في نافيه دوكاليم، داعياً معارضي الانسحاب إلى «عدم تجاوز الخط الأحمر».
ووافقت الحكومة الإسرائيلية أمس على المرحلة الثانية من خطة الانسحاب من غزة التي تشمل جميع المستوطنات في تكتل غوش قطيف بأغلبية 16 وزيرا في مقابل أربعة وزراء معارضين. ولا تزال أمام الحكومة الإسرائيلية مرحلتان إضافيتان من خطة الفصل الأحادي إحداهما تتعلق بمستوطنات شمال الضفة الغربية الأربع.
وأمس، أقر زعيم معارضي خطة الانسحاب في حزب الليكود عوزي لانداو بفشل معركة التصدي للانسحاب، وقدم «اعتذاره لسكان المستوطنات لهذا الفشل».
وفي وقت لاحق ليلة أمس أعلن ناطق باسم الجيش الإسرائيلي ان الجيش انتهى من إخلاء مستوطنتين من المستوطنات الأربع المقرر إخلاؤها شمال الضفة الغربية.وقال الناطق لوكالة فرانس برس «تم إخلاء غانيم وكاديم بنجاح»، مضيفاً «انهما أول مستوطنتين يتم إخلاؤهما تماماً وبنجاح».