العطلة الصيفية ملاذ للطلبة في المراحل الدراسية كافة. منهم من ينعم خلالها بالراحة والاستجمام بعيداً عن أجواء الدراسة الشاقة، والتحرر من الواجبات اليومية، فيتسنى لهم الاستمتاع بأيامها في السفر والسهر والزيارات ولقاء الأصدقاء،.
أو استغلالها بما ينفعهم في حياتهم الدراسية أو العملية، من خلال انتظامهم في دورات علمية أو تدريبية في معسكرات تحرص الدولة وجمعيات النفع العام على إقامتها في فترة الصيف، أو في مراكز الفنون النسوية والمهنية وبرامج الجمعيات النسائية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم في جميع أنحاء الدولة.
ومن المراكز التي استثمرت طاقات الشباب، وصقلتها في حفظ آيات القرآن الكريم، والنهل من السنة النبوية الشريفة مركز الفاروق لتحفيظ القرآن الكريم وعلومه.
«البيان» زارت المركز الكائن في منطقة ند الحمر والتقت مديره عبدالقادر العامري الذي قال: أنشئ المركز في العام 2001 على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة، ونسعى إلى تحفيظ طلبتنا القرآن الكريم خلال شهرين، لذا فإننا نختارهم بعناية، وفق شروط معينة ترتكز على اجتيازهم لاختبارات الذكاء والنباهة والأخلاق العالية.
وأن يكون الطالب من المتفوقين دراسياً آخذين بعين الاعتبار نتيجة الطالب وسيرته الدراسية، ويشترط ألا تقل نسبة المتقدم في آخر شهادة حصل عليها عن 80%، لأن مشروع حفظ القرآن خلال شهرين فقط يتطلب قدرات عقلية عالية.
وأشار العامري إلى أن أنشطة المركز الصيفية تتضمن إضافة إلى حفظ كتاب الله وعلومه، أنشطة ترفيهية، رياضية وثقافية كل يوم جمعة لإضفاء جو من المرح والألفة من خلال تعليم الطلاب السباحة وركوب الخيل.
وتبدأ الأنشطة اليومية من الساعة التاسعة صباحاً وحتى التاسعة مساء، وتقام دورات مكثفة لتحفيظ القرآن وتشتمل على ثلاثة أفرع، الأول يرتكز على حفظ القرآن الكريم كاملاً أو نصفه، والثاني تثبيت القرآن مع حفظ كتاب بلوغ المرام الذي يحتوي على 1420 حديثاً شريفاً، والفرع الثالث حفظ الصحيحين البخاري ومسلم.
وأضاف: بلغ عدد الطلاب المقبولين بهذه الدورة 60 طالباً من أصل 550 متقدماً ينتمون إلى مختلف دول العالم، البوسنة، أفغانستان، البحرين، قطر، بالإضافة إلى المواطنين والمقيمين على أرض الوطن. وتتنوع شرائح الطلاب وأعمارهم.
حيث يشترط في المتقدم أن يتجاوز الصف الأول الإعدادي، ومنهم طلاب من كلية الطب والهندسة وإدارة الأعمال. ويضم المركز نادياً اجتماعياً مبسطاً وغرفاً تحتوي على أسرّة للنوم والراحة في فترة الظهيرة، بالإضافة إلى المطعم. ويوفر المركز خدمة نقل للطلاب القاطنين في أنحاء الدولة.
ويقيم المركز دورات للنساء يتلقين من خلالها برامج لحفظ القرآن الكريم، ويخضعن لشروط أبسط للالتحاق بالدورات.
وأكد العامري أن المركز يركز اهتمامه على تشجيع حفظة القرآن الكريم للتنافس مع بقية إخوانهم المسلمين في مسابقة القرآن الكريم، والمسابقات القرآنية المحلية، ومسابقة المواطن الحافظ، وهناك متابعة مستمرة من قبل مشروع الشيخ مكتوم لتحفيظ القرآن للطلاب في دوراتهم المتعددة، الأمر الذي يسهم في تعزيز مكانة الطالب العلمية وتشجيعه على حفظ القرآن الكريم وتثبيته.
ماذا يقول المشاركون؟
وكانت لنا لقاءات مع الطلاب الملتحقين بالمركز للوقوف على آرائهم بمستوى الخدمات ومدى استفادتهم من دورات المركز.
سلطان مال الله الزبير (14 سنة من أبوظبي) يشارك في الدورة الصيفية الثالثة للمركز يقول: يعود السبب وراء إصراري للالتحاق بهذا المركز إلى ما يوفره من جو إيماني، وتعدد في الجنسيات، فبنيت قاعدة لا بأس بها من الأصدقاء ولم تواجهني صعوبة في حفظ القرآن، بل استطعت في السنة الأولى لالتحاقي بالمركز حفظ القرآن كاملاً.
وفي السنة الثانية عملت على مراجعته ونهلت من علومه، واستطعت كذلك أن أحفظ البلوغ، وانتهيت من حفظ التفسير خلال هذه الدورة. وتأتي مشاركة سلطان في المسابقات القرآنية لتثبيت القرآن ومراجعته وليس لنيل الجوائز، وفي المستقبل يأمل أن يصبح أحد علماء الأمة، ويطمح لدراسة الشريعة الإسلامية.
ويرى محمد عبدالله الشيباني من دبي (14 عاماً) أن هذه الدورة يسرت له حفظ القرآن الكريم، وأشار إلى أهميتها في بث روح التعاون والمنافسة على نيل أعلى المراتب في حفظ كتاب الله وسنة نبيه.
ويقول: أحرص دائماً على الاستفادة من وقتي، وشجعتني أسرتي للالتحاق بهذا المركز، واستطعت من خلاله أن أتعرف على جميع الشباب، فكلنا إخوة، وتسودنا المحبة والألفة باختلاف الجنسيات وذلك بفضل ما اكتسبناه من علوم دينية وتربوية على يد المشايخ والمشرفين الأكفاء.
ويضع محمد حدوداً لصداقاته خارج المركز ليتجنب الانقياد إلى أفكارهم التي غزتها الفتن والمؤثرات الخارجية وأحاطتها بالأمور الدنيوية، فينصح الشباب باستثمار أوقاتهم التي غالباً ما تضيع هباء في العطلة الصيفية. ويفكر بدراسة تخصصات عدة تسهم في خدمة مجتمعه، ولا يزال حائراً في اختيار الطب أو التجارة أو القانون.
مشاركون دوليون
ومن ألمانيا يشارك عبدالله أحمد الشمالي (14 عاماً) الذي أحب الإقامة في بلد إسلامي يجمع مختلف الجنسيات وقال: إنه يشعر بطيبة أهل هذا البلد والمقيمين عليه، الأمر الذي ساهم في التأقلم وبصورة سريعة مع الطلاب، وذلك لما يتميزون به من طيبة وخلق قويم، وأوضح ان والده نصحه بالانضمام لهذا المركز نظراً لما تناقلته الأفواه من نجاحات كبيرة، وأهمية الدورات المقامة فيه.
ويقيم عبدالله في اليمن، ويتقن اللغة العربية والألمانية، وبسؤالنا عن الأسباب التي دفعته للالتحاق بدورة حفظ القرآن في بلد آخر، أجاب: يختلف الوضع في اليمن لحفظ القرآن، فلا توجد دورات ترتكز على حفظ كتاب الله خلال شهرين.
وهنا أقضي معظم وقتي في المسجد، وأتنافس مع إخوتي في حفظ أكبر قدر من الآيات في اليوم الواحد، الأمر الذي يشجعني على إتمام الحفظ لأصل إلى ما وصل إليه بقية الطلاب. ويحب الاستماع إلى تلاوة الشيخ المنشاوي محاولاً ان ينتهج نهجه في التلاوة.
ويحرص عبدالعزيز ضياء من أفغانستان (17 عاماً) على استثمار وقته وفق خطط مدروسة يكتسب من خلالها تعاليم ديننا الحنيف، ويقول: تهدف هذه الدورات إلى إحياء التراث الإسلامي، وتعزز من ثقافتنا الدينية. ويشارك عبدالعزيز منذ ثلاث سنوات في الدورات الصيفية، فأتم حفظ القرآن الكريم، والبلوغ والتفسير.
وبفضل البيئة الصالحة والمشرفين والمشايخ المحفظين، تمكن من اجتياز الدورات بسهولة ويسر. ويطمح لدراسة الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية، ويأمل ان يصبح أحد علماء المسلمين في المستقبل لينشر الدين الإسلامي بصورة محببة، وتصحيح الصورة المشوهة لدى الغرب عن ديننا الحنيف، دين المحبة والتعاون والرخاء، ويسعى ليعم السلام في العالم.
وأوضح ان من الصعوبات التي واجهته خلال هذه الدورة إلغاء السكن في المركز، ففي الدورات السابقة استطاع ان يتأقلم مع الشباب بصورة أفضل وذلك من خلال إقامته مع الطلبة في غرفة واحدة، فاختلف الوضع هذه السنة قال: وأجد صعوبة في المواصلات ولكني أصر على متابعة حفظي في المركز بصورة يومية.
ويصبو عبود عبدالكريم الثلاج من سوريا (15 عاماً) لإتمام حفظ القرآن خلال هذه الدورة، إذ استطاع ان يحفظ نصف القرآن منذ بدايتها، وشجعه والده معنوياً للالتحاق بهذه الدورة، إلى جانب الأهل والأصدقاء الذين التمسوا فيه أخلاقاً حميدة وذكاء.
ويقول: يخال لي ان هذا المركز هو نواة البذرة التي ستوحد المسلمين، لاحتوائه على طلاب من مختلف دول العالم، نجتمع فيه لتحقيق غايات سامية تتمثل في الالتزام بحدود الله واتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا ما يؤهلنا لنشر الدين الإسلامي النابع من منهجية صحيحة ومدروسة من قبل مشايخ أجلاء.
ويتشوق عبود ليصبح داعية وإمام مسجد في المستقبل، وينصح الشباب بالرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه، والاهتمام بالصلاة ورضا الوالدين، ويحب الاستماع إلى تلاوة الشيخ أحمد العجمي، ومشاري الراشد، وعبدالباسط عبدالصمد.
ويرغب سيف الريس من دبي (17 عاماً) بالارتقاء بالعلم والتفرغ له وهذا ما جعله يلتحق بجميع الدورات التي يحييها مركز الفاروق، واعتاد سيف على المكان والمشرفين والمحفظين والطلاب.
ويحرص على إقامته شبه الدائمة في المركز لأنه ـ وكما جاء على لسانه ـ وضع منهجاً طويلاً لمراجعة حفظ القرآن الكريم، إلى جانب حفظ البلوغ والتفسير، ولم يجد صعوبة في الحفظ، فحفظ القرآن ميسر لكل إنسان كما جاء في قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر).
وأنهى الريس المرحلة الثانوية هذا العام ويطمح لدراسة الشريعة أو إدارة الأعمال. وبسؤالنا عن كيفية التنسيق بين المذاكرة ومراجعة حفظ القرآن، قال: أقضي يومي بالمذاكرة ومراجعة الدروس، وأخصص وقتاً معيناً لمراجعة القرآن وتثبيته وذلك بعد صلاة المغرب.
ويوجه النصح لأصدقائه والشباب للالتحاق بمثل هذه الدورات لحفظ كتاب الله وحديث رسوله عليه الصلاة والسلام، والالتزام بالصلاة فهي عماد الدين حيث يلاحظ ان هناك فئة من الشباب لا تهتم بالصلاة، وقلة من يصلون في هذا الزمن، فيذكرهم بتقوى الله لأن الدنيا دار زوال، وعلى الشخص ان ينظر للأمور الدينية ولا يغلب الجانب الدنيوي على الديني.
ويشارك وللمرة الثانية من البحرين الطالب يوسف عبدالحميد النجار (16 عاماً)، والتحق بالدورة العام الماضي حيث حفظ القرآن كاملاً وحفظ البلوغ في 21 يوماً وهو الآن بصدد الانتهاء من حفظ التفسير.
ويتميز يوسف بسرعة الحفظ، وأشاد بذلك المشرفون بالمركز والطلبة، ويقول: أفضل الالتحاق بهذا المركز نظراً للجو المهيأ للحفظ، حيث أقضي معظم وقتي في المسجد، والمشايخ المحفظين يتمتعون بكفاءات عالية ومتعاونون جداً مع الطلبة، ويوجه يوسف نصيحة للشباب في الالتحاق بالمراكز القرآنية خلال العطلة الصيفية.
وعدم قضاء يومهم في الأمور الدنيوية، فعليهم الانشغال بتعاليم دينهم الحنيف، وان هذه الفترة تعد من أخصب الفترات ويجب استغلالها بكل ما هو مفيد، ويأمل ان يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية، فيحضر لدراسة الحاسب الآلي والشريعة في المستقبل.
ومن جهته قال وحيد إبراهيم المشرف على الشؤون المالية بالمركز يصب اهتمامي برعاية الطلاب والاهتمام بشؤونهم ومعالجة بعض الأمور البسيطة التي تحدث بينهم. كما أشرف على الشؤون المالية التي تصنف لرواتب المشايخ المحفظين والدورات والمواصلات والرحلات الترفيهية وغيرها.
ويدرس معالجة البرامج في كلية التقنية، وكان من أحد الطلاب المتميزين بالمركز، واكتسب وحيد خبرة ثمينة تتمثل في الأخذ بزمام المسؤولية الملقاة على عاتقه، ومراجعة حفظه للقرآن الكريم وتثبيته.
وفي نهاية جولتنا بالمركز التقينا مرة أخرى بمديره الشيخ عبدالقادر العامري الذي قال: نحاول من خلال احيائنا لهذه الدورات نشر الإسلام بصورة صحيحة، وهناك تطبيق واقعي في الدورة من خلال المخيمات الرمضانية.
حيث قمنا بتنظيم أنشطة وفعاليات عدة، ونحتاج لتطعيم الشباب بأفكار مضادة لتلك الموجودة في المجتمع والمغلفة بالأمور الدنيوية، فينبغي ان يلتزم الشباب بالإسلام وعدم التشدد والتهور بأمور الدين، فالإسلام ينهى عن ذلك، ونحرص في هذا المركز على انتهاج منهج الوسطية آخذين بعين الاعتبار إرساء مفاهيم الانتماء للوطن والمجتمع.
فغايتنا هي إخراج جيل القرآن، وندعو الجميع إلى المبادرة والالتحاق بركب القرآن والسنة، ونشكر كل من ساهم في نجاح المركز وعلى رأسهم هيئة آل مكتوم الخيرية والشركات المساهمة.
استطلاع: نادية إبراهيم