غرقت الخرطوم ومدن جنوب السودان في أعمال شغب طغت على الحزن والصدمة التي سادت البلاد فور إعلان مصرع النائب الأول للرئيس السوداني جون قرنق و14 من مرافقيه إثر تحطم المروحية التي كان على متنها خلال عودته من أوغندا، ومع سقوط عشرات القتلى والجرحى في أحداث الشغب أعلنت الحكومة حظر التجول في المدينة ليلاً واستعانت بالجيش الذي انتشر في الشوارع لضبط الأمن، برزت علامات استفهام حول مستقبل السلام في السودان .

رغم تأكيد الرئيس السوداني عمر البشير والحركة الشعبية تمسكهما باتفاق السلام وسمت سيلفا كير خلفاً لقرنق ما يؤهله ليصبح نائباً أول للبشير. وذكرت مصادر في الشرطة ان 24 شخصاً قتلوا خلال أعمال الشغب التي اندلعت فور إعلان مقتل قرنق حيث طالت أعمال السلب والنهب الأسواق والأحياء السكنية فضلا عن حرق السيارات ومحطات الوقود.

وأسفرت أعمال الشغب عن احتراق ما لا يقل عن عشرين سيارة تخص مواطنين عاديين أضرمت النيران في بعضها داخل الجسر الرئيسي الرابط بين مدينتي أم درمان والخرطوم. وتصدت الشرطة بالغاز المسيل للدموع ثم بالرصاص الحي بعد شروع الشبان الجنوبيين في مهاجمة المارة والمحال التجارية.

وذكرت تقارير أن عدد القتلى وصل إلى 24 بينهم لواء متقاعد في زيه المدني طعن بالسكين أثناء خروجه من صيدلية شقيقه في منطقة الكلاكلة (جنوب الخرطوم). وسادت الفوضى أحياء مدينة أم درمان الطرفية خصوصاً منطقة (أم بدة) التي انفجرت فيها الأوضاع منتصف النهار، وخلت شوارع الخرطوم من المارة والمواصلات العامة، وأغلقت المدارس أبوابها وأمرت التلاميذ بالعودة إلى منازلهم.

وحاصرت أعداد من قوات الشرطة أحياء سكنية كاملة في جنوب الخرطوم وأطرافها فيما تعالت أبواق سيارات الإسعاف التي تنقل الجرحي. واستقبلت المستشفيات أعداداً كبيرة من حالات الهستيريا والانهيار العصبي بين أنصار قرنق. وفي بعض أحياء الخرطوم الطرفية الجنوبية هرع أعداد من المواطنين الشماليين إلى مداخل الأحياء والشوارع الرئيسية مسلحين بالعصي والأسلحة البيضاء للدفاع عن أنفسهم وأسرهم في مواجهة إعتداءات أنصار الحركة الشعبية.

وفي مدينة جوبا أكبر مدن جنوب السودان والعاصمة الرسمية المرتقبة للإقليم الجنوبي استهدفت الجموع الغاضبة المواطنين الشماليين في المدينة وباشرت عمليات قتل.فيما أحرقت بصورة شبه كاملة أسواق المدينة وسط محاولات من قيادات الحركة الشعبية في المدينة تهدئة الموقف ودعوة الجنوبيين للكف عن استهداف الشماليين مستخدمة مكبرات الصوت.

وذكر عمال الإغاثة في مدينة ملكال جنوب شرق السودان أن شخصاً واحداً على الأقل قتل في أعمال الشغب التي اندلعت هناك.كما أعلن المشرف الإداري لولاية أعالي النيل حظر التجول في مدينة ملكال لمدة يومين. وناشد القيادي البارز في الحركة نيال دينق عقب مشاركته في جلسة مجلس الوزراء في الخرطوم المواطنين ضبط النفس والتعامل بهدوء وحكمة، مضيفاً في تصريحات صحافية أن مقتل زعيم الحركة «حادث ناتج عن سوء الأحوال الجوية حتى الآن».

ودخلت قيادات الحركة الشعبية في اجتماعات متصلة لبحث الموقف ومآلاته. في الأثناء أعلنت الحكومة المركزية في الخرطوم أنها تجري اتصالات مستمرة مع قيادات الحركة المجتمعين في مدينة رومبيك جنوب البلاد، بهدف متابعة الموقف وتسمية خليفة لقرنق لشغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب وفقاً لنص اتفاق السلام الموقع بين الطرفين في التاسع من يناير الماضي.

وقال وزير الخارجية السوداني في مؤتمر صحافي عاجل عقب الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء إن الحكومة السودانية تأسف للحادث وتنوي فتح تحقيق حوله بالتعاون مع الحركة الشعبية والحكومة الأوغندية التي أبلغتها بتأكد تحطم المروحية بسبب سوء الأحوال الجوية ومقتل جميع ركابها البالغ عددهم «14» منهم سبعة يمثلون الطاقم بجانب قرنق وستة من حراسه الشخصيين ومعاونيه.

وأردف الوزير قائلاً «الوفاة نتيجة حادث وليس لدينا ما يشير لغيره، لكن سيتم تحقيق بالتنسيق مع الحركة وأوغندا صاحبة الطائرة وبالتالي صندوقها الأسود». وأشار الوزير إلى التزام الخرطوم باتفاق السلام والسعي لإنفاذه مع الحركة الشعبية، لكنه استبعد أن يفلح الطرفان في الوفاء بمواقيت انطلاقة الفترة الانتقالية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المقررة بحسب الاتفاقية في التاسع من الشهر الحالي، لافتاً لإعلان الحداد لثلاثة أيام.

وأضاف إسماعيل أن قرنق أبلغ البشير بمغادرته إلى أوغندا في جولة يودع فيها الأصدقاء الذين ساندوا مسيرة السلام وأن قرنق كان يعتزم العودة إلى جنوب السودان قبل زيارة كينيا للغرض ذاته، وأوضح إسماعيل إن مراسم دفن النائب الأول ستتم وفق رؤية أسرته غير أن الحكومة السودانية تنوي تنظيم جنازة رسمية للرجل تتناسب وموقعه الدستوري.

إلى ذلك حذرت السفارة الأميركية في الخرطوم رعاياها من خطورة الأوضاع، وناشدتهم بتوخي الحذر في تحركاتهم.وفي نيويورك أعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن حزنه العميق لوفاة النائب الأول للرئيس السوداني، وأكد أهمية مواصلة عملية السلام. وأعرب البيت الأبيض عن «حزنه العميق» وشدد على أهمية تطبيق اتفاق السلام الذي وضع حداً للحرب الأهلية.

الخرطوم ـ درة قمبو والوكالات