بدأت طلائع المستوطنين في الرحيل عن مستوطنات قطاع غزة وسط تهديدات إسرائيلية متجددة بعدوان واسع النطاق على غرار عملية «السور الواقي» عام (2002) إذا تعرضت عملية الانسحاب إلى إطلاق نار، وأعلنت إسرائيل أن أي عامل فلسطيني سيدخلها بعد الانسحاب سيحتاج إلى تأشيرة، كما يتوجب على التجار دفع ضرائب لنقل البضائع. فيما قالت السلطة الفلسطينية إنها أعدت خطة شاملة لبسط الأمن في القطاع، لكنها شكت من نقص وضعف الأسلحة لدى قواتها.

وغادرت أولى عائلات المستوطنين الإسرائيليين قطاع غزة أمس قبل أسبوعين من الانسحاب الإسرائيلي المزمع من المنطقة. وتسلم المستوطنون مفاتيح منازلهم الجديدة المتنقلة (كرافان) بعد أن بدأوا يحزمون أمتعتهم في مستوطنة نيسانيت بشمال قطاع غزة وتسلموا مفاتيح منازل مؤقتة في مستوطنة نيتسان.وقال مستوطنون آخرون إنهم يريدون تجنب التوتر قبيل حلول موعد الانسحاب. وقالوا إنهم يخشون خطر الهجمات الصاروخية الفلسطينية، وقال المستوطن إتي بن دهان «لم نكن لنتركها لولا صواريخ القسام».

السلطة تشكو

وأعلن قائد المنطقة الجنوبية من إسرائيل الجنرال دان هيريل المكلف إجلاء المستوطنين من القطاع أن اي وجود للمستوطنين أو لمدنيين إسرائيليين في قطاع غزة ابتداء من الخامس عشر من الشهر الحالي سيعتبر «غير شرعي».وتابع قائلاً «ان فرقاً من الجيش ستلتقي السكان الذين لا يزالون في منازلهم لتحذيرهم بأنهم يملكون 48 ساعة للرحيل طبقا لقرار الحكومة» ببدء الانسحاب في السابع عشر من أغسطس.

وتعتزم سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خطة جديدة بعد إتمام خطة الانسحاب من قطاع غزة ومناطق في شمال الضفة الغربية يتعين بموجبها على كل عامل يسعى للتنقل بين غزة وإسرائيل الحصول على «فيزا».. فيما يتوجب على التجار دفع ضريبة كي ينقلوا بضائع من جانب إلى آخر.

وقالت صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية أمس بعد إتمام خطة الانسحاب يتوجب على الراغبين في دخول غزة أخذ موافقة مسبقة من الشرطة الإسرائيلية ومن ثم تسليم بطاقة الهوية كي لا تسرق وتصل الى المنظمات الفلسطينية والحصول على تأشيرة دخول خاصة «فيزا» عند المعبر الحدودي بين غزة وإسرائيل.

وأوضحت ان المسافرين الإسرائيليين والفلسطينيين لن يكونوا بحاجة إلى جوازات سفر.. مشيرة الى أن هذه الخطة جاءت في وثيقة سرية بعثها مساعد المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية مايك بلاس لوزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز. وقال بلاس إن المعابر القائمة ستصبح عملياً محطات حدودية كما لن يكون هناك أي جهة عسكرية مخولة بالسماح بدخول فلسطينيين إلى إسرائيل.

وفي سياق الاستعدادات لتسلم المناطق التي سيرحل عنها الإسرائيليون في الأسابيع المقبلة قال مسؤولون فلسطينيون إن السلطة الفلسطينية أعدت خطة شاملة لبسط سيطرتها على القطاع فور الانسحاب، لكنها شكت من ضعف إمكانات التسليح ومن انتهاء صلاحية الكثير من العتاد في ترسانتها وطالبت بأسلحة جديدة، وهي النقطة التي تثير قلقاً إسرائيلياً وستكون أحد محاور محادثات مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي دوف فايسغلاس في العاصمة الأميركية مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.

وقال مدير مكتب الإعلام في وزارة الداخلية الفلسطينية العقيد عدنان الضميري إن نسبة السلاح إلى قوات الأمن في قطاع غزة لا تتجاوز العشرين في المئة بينما تقل هذه النسبة عن عشرة في المئة في الضفة. واعترف في تصريح لـ «البيان» أن الذخائر لدى قوات الأمن منتهية الصلاحية، وأشار في هذا الصدد إلى أن ندرة ذخائر الكلاشينكوف (الذي يمثل عماد عتاد أجهزة الأمن الفلسطينية) رفعت أسعارها في السوق السوداء إلى درجة جنونية بحيث أصبح سعر الرصاصة الواحدة ثمانية دولارات،

بينما سعر رصاصة بندقية الـ «إم 16» الأميركية المتوفرة لدى الجيش الإسرائيلي لا تزيد على ربع دولار.وتشمل الخطة الأمنية الفلسطينية للسيطرة على غزة ثلاث مراحل (قبل وأثناء وبعد الانسحاب) وتشارك فيها جميع الأجهزة الأمنية، بينها قوة خاصة مؤلفة من 500 رجل أمن جرى تجنيدهم وتدريبهم بصورة خاصة لهذه المهمة.

يشار إلى أن السلطة قدمت إلى المنسق الأميركي وليام وورد قائمة باحتياجات أجهزة الأمن من سلاح وذخائر ووسائل نقل وأجهزة اتصال، وهو أقنع بدوره الإدارة الأميركية بالحاجة الملحة لها، وأنه أقنع رايس بتبنيها، ما أثار لدى الحكومة الإسرائيلية قلقا دفعها إلى إيفاد دوف فايسغلاس إلى واشنطن لمناقشة هذا الأمر مع رايس ضمن ملفات أخرى أبرزها بحث كلفة عملية الانسحاب وطرق تمويلها.

بدوره، صرح مسؤول في رئاسة الحكومة الإسرائيلية أن تل أبيب تعارض تجهيز الشرطة الفلسطينية بالأسلحة والذخيرة بكميات كبيرة «لأن هناك احتمالا كبيرا بأن تقع هذه الأسلحة بأيدي إرهابيين»، معتبرا أن بعض عناصر الأمن الفلسطيني «يلعبون دور شرطي في النهار ويتحولون إلى إرهابيين ليلا».وفي حين أقر المسؤول بأن حركة «حماس» والفصائل المسلحة الفلسطينية هي أفضلتجهيزا مجتمعة من الشرطة الفلسطينية..

علق نائب رئيس الوزراء شمعون بيريس على الأمر بقوله: «صحيح أن أسلحة السلطة الفلسطينية يمكن استخدامها ضد مدنيين إسرائيليين لكن ينبغي أيضا الأخذ بالاعتبار خطر استيلاء حماس على السلطة في غزة بعد رحيلنا». وأضاف: «إذا أردنا أن يقوم الفلسطينيون بمكافحة حماس ينبغي الأخذ بالاعتبار احتياجاتهم».

وقالت بعض المصادر الإعلامية الإسرائيلية إن إسرائيل تدرس السماح للسلطة بالتزود بالسلاح والذخائر من مصر. في غضون ذلك، قال الناطق باسم وزارة الداخلية توفيق أبوخوصة ان«قوات الأمن ستقوم بمهمتها في تأمين الانسحاب وحماية المنشآت حتى لو استخدمت العصي».

ويقول مسؤولون في السلطة إن حالة طوارئ ستعلن في صفوف قوات الأمن أثناء عملية الانسحاب من غزة، وأنها ستوفر الحماية للمنشآت وتؤمن انتقالها بسلاسة للجهات المختصة. وأوضح أبوخوصة أن قوات الأمن ستشكل ثلاثة أحزمة فاصلة بين المواطنين والمنشآت الجاري إخلاؤها.

وفي ما يتعلق بالتهديدات الإسرائيلية المصاحبة لعملية الجلاء، أعلن نائب وزير الدفاع الإسرائيلي زئيف بويم أن إسرائيل ستنفذ عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة في حال تعرض الانسحاب لإطلاق نار، وقال: «سنوقف الانسحاب ونوجه ضربة كبيرة» وأنها ستكون «في أسوأ الحالات بحجم عملية السور الواقي وتستمر ما بين عشرة أيام وأسبوعين، الوقت اللازم لتوجيه ضربة قاسية للإرهاب للقضاء عليه».

من جانبها، قابلت السلطة الفلسطينية هذه التهديدات بقلق كبير، واعتبرها الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبوردينة ذات تأثير سلبي، وأنها «لن تخدم الانسحاب الكامل والشامل والنظيف والهادئ وستؤثر سلبا على التهدئة التي التزمت بها جميع الفصائل». وحض الحكومة الإسرائيلية على «وقف التدهور والتصعيد».وطالب أبوردينة «اللجنة الرباعية بالتدخل لعدم خلق مناخ سينعكس سلبا على الجميع والتهديدات الإسرائيلية خطيرة وستؤدي إلى نتائج سلبية على المسيرة السلمية».

القدس المحتلة، غزة، رام الله

ماهر ومحمد إبراهيم و«الوكالات»