تعد العطلة الصيفية ملاذاً للطلاب، ينعم بعضهم خلالها في الشعور بالراحة والسعادة، بعيداً عن أجواء الدراسة الشاقة، والتحرر من الواجبات اليومية، فيتسنى لهم الاستمتاع بأيامها في السفر والسهر والزيارات ولقاء الأصدقاء.
أو استغلالها بما ينفعهم في حياتهم الدراسية أو العملية، من خلال انتظامهم في دورات علمية أو تدريبية في معسكرات تحرص الدولة وجمعيات النفع العام على إقامتها في فترة الصيف، أو في مراكز تحفيظ القرآن الكريم، والفنون النسوية والمهنية، التي انتشرت في عرض البلاد وطولها.
ويأتي في مقدمة مراكز تحفيظ القرآن الكريم في دبي مشروع صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم الذي صدر مرسوم سامٍ بإنشائه في يونيو 1993 تحت إشراف دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية (سابقاً) ـ اسمها الحالي دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري ـ، ليكون نواة خير تستمد منه الإمارة العطاء المتدفق لتنشئة أبناء المسلمين على التخلق بأخلاق القرآن الكريم.
ولقد تم إقرار نظامه ووضع حيثياته وفق النماذج القرآنية الناجحة على الساحة الإسلامية، ويزداد عطاءً وترسخاً عاماً بعد عام لوجود جهات متعددة تعمل على تنفيذ خطط المشروع وتطورها تتمثل في لجان فنية متخصصة متنقلة حول المراكز القرآنية مهمتها التوجيه والمتابعة اليومية بالإضافة إلى لجان إدارية ومالية مهمتها الجدولة ورصد المكافآت والرواتب وما يتعلق بها.
ولتسليط مزيد من الضوء على المشروع وأهدافه وخططه ووسائله المستخدمة ومنهجه وسير عمل أنشطته التقت «البيان» الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني المدير العام لدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري رئيس اللجنة العليا لمشروع صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم في هذا الحوار:
أئمة وخطباء
* هل لك أن توضح لنا الأهداف التي أنشئ لأجلها المشروع؟
ـ لقد وضع مشروع صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم أمام عينيه أهدافاً يرمي إليها تتلخص في خدمة القرآن الكريم وتخريج حفظة لكتاب الله المجيد، وحماية الشباب من براثن الغزو الفكري وتحصينهم بالقرآن العظيم وإحياء دور المسجد في العالم المعاصر كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان مركزاً لتعليم القرآن الكريم وينبغي أن تكون مساجد إمارة دبي مراكز إشعاع حضاري يشع منها نور القرآن الكريم.
إلى جانب استقطاب أبناء هذا الوطن بجمعهم على حفظ كتاب الله تعالى وتدبره ومعرفة المقادير المهمة من أحكامه، وتصحيح قراءة القرآن الكريم حتى يخلو اللسان من اللحنة واللكنة التي طرأت على الألسن من جراء غفلتهم عن القرآن الكريم، وكذلك حفظ الأوقات على الطلاب فيما يعود عليهم بالأجر والثواب.
وإيجاد الشباب القادر على قيادة آمنة في مجال القرآن الكريم وعلومه لإثراء الساحة الوطنية بالنماذج القرآنية الفذة التي تمثله في شتى المجالات وتمكينها للإسهام في تمثيل البلاد في المسابقات القرآنية على المستويين الداخلي والخارجي، وأيضاً إثراء الساحة المعرفية وخاصة في نواحي علوم القرآن الكريم.
ومجال القراءات والفقه، وتغذية البلاد مستقبلاً بشباب يتصدر المحاريب للإمامة والخطابة لأن هنالك هدفاً استراتيجياً نسعى للوصول إليه يتمثل في تفعيل دور قراء القرآن الكريم من خلال التواجد لأبناء هذه الأمة في جميع المجالات المعنية بالعلوم القرآنية كالمنافسات القرآنية والمسابقات الدولية والمشاركات المحلية.
* كيف ترون مستقبل المشروع؟
ـ لا شك أن لكل مشروع أراد لنفسه النجاح والاستمرار نظرة مستقبلية يجتهد في الوصول إليها، ومشروع صاحب السمو الشيخ مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم ينظر إلى المستقبل بأنه تاج فخار يجب أن يتوج به عمل اليوم، فهو يحث خطاه ليظهر له في المستقبل وجود معهد متخصص للقرآن الكريم والقراءات يحفظ لأولئك الشباب مقادير حفظهم ويؤهلهم للقيام بواجب التدريس لغيرهم ويمكنهم من معرفة الوجوه والروايات إلى جانب وجود الكادر المعد لخوض المسابقات والمشاركات القرآنية.
؟ وماذا عن الخطة التطويرية والتنظيمية الجديدة في المشروع؟
ـ في إطار الخطة الرامية إلى تطوير المشروع لتشمل الجانب التكنولوجي في العملية التعليمية وإبراز الجانب الإعلامي وتعميق الجانب التربوي في مراكز المشروع وأنشطتها ونتاجها، وبعد إجراء دراسة شاملة تم فيه مسح كامل لمراكز المشروع وأنشطتها ونتاجها ظهرت العديد من الرؤى والأفكار لتلافي بعض السلبيات السابقة وتعميق الإيجابيات .
وعقدت اللجنة المشرفة عدداً من الاجتماعات المركزة نجم عنها العديد من القرارات أهمها إعادة اختبار واختيار المحفظين الذين يتميزون بالكفاءة والجدية وروح العمل والإبداع، وتحديد عدد طلبة المراكز بعشرة طلاب كحد أدنى وعشرين كحد أعلى لكل مركز، وذلك لتمكين المحفظ من إعطاء كل طالب حقه من العناية والرعاية.
وكذلك تحديد سن طلبة المشروع بحيث لا يقل عن ست سنوات ولا يزيد على ثماني عشرة سنة وتترك الاستثناءات في حدود ضيقة تعرض على اللجنة لدراستها باستثناء مراكز الإناث، وتم تحديد أيام الدراسة بخمسة أيام وتكون الدراسة فيها بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، أما في الفصل الصيفي فتكون الدراسة في الفترة الصباحية من الساعة التاسعة إلى الساعة الحادية عشرة والنصف.
كما تم فتح أربعة مراكز نموذجية في المكتبات العامة منها اثنان للذكور واثنان للإناث في إمارة دبي وهكذا دخل المشروع مرحلة جديدة من البذل والعطاء والتميز لخدمة القرآن الكريم ليشكل بذلك بؤرة إشعاع متجدد ودفق عطاء لا ينضب وصرحاً تعليميا متميزاً يأخذ بيد الأجيال القادمة على طريق الخير والإيمان والصلاح.
مكافآت وحوافز
* هل لك أن تبين لنا الوسائل المستخدمة والمنهج المتبع لتحقيق هذه الأهداف؟
ـ بما أن المشروع مهتم أولاً وأخيراً بالقرآن الكريم فإن الوسيلة التي تخدمه هي الحيثيات التي يوفرها لمن تقدم إليه وتتمثل في إيجاد الحوافز المادية والعينية لكل الطلاب الذين يحفظون القرآن الكريم.
وهي مكافآت تقدم للطالب عند حفظه جزءاً من القرآن الكريم بل ونصف جزء، ويتضاعف بتضاعف المحفوظ وكذلك الشهادات المعتمدة عند نجاحه في أي من مسابقات المشروع بالإضافة إلى إقامة المسابقة الكبرى السنوية بين المراكز يحصل فيها الفائزون على مكافآت مالية وهدايا تشجيعية عند حفظ خمسة أجزاء أو عشرة أو عشرين أو ختم القرآن الكريم.
وتتمثل أيضاً في توفير الأجواء المرغبة للطلاب في الحفظ كافتتاح مراكز للذكور والإناث موزعة على أنحاء إمارة دبي حسب التوزيع الجغرافي، واختيار المحفظين والمحفظات من أصحاب الكفاءة والخبرة في تحفيظ القرآن الكريم وإيجاد المحفظ الذي يقتطع جزءاً من وقته لخدمة الطلاب إلى جانب توفير الطرق الميسورة لمتابعة الحفظ وتوفير المتابعات الدقيقة لمقادير الحفظ.
؟ حدثنا عن أنشطة المراكز النموذجية لمشروع الشيخ مكتوم لتحفيظ القرآن الكريم الخاصة بهذا العام؟
ـ بدأت المراكز النموذجية عملها في أوائل شهر أبريل المنصرم وذلك وفق الخطة الإستراتيجية للدائرة وتهدف إلى مشاركة العناصر المواطنة الحافظة للقرآن الكريم في المسابقات المحلية والدولية لأن لديها القدرة على المنافسة على المراكز الأولى ولقد تم وضع مجموعة من الشروط للقبول في هذه المراكز ومنها أن يكون الطالب من مواطني الدولة وأن يكون عمره ما بين 6 - 12 سنة ويصل تقديره في عامه الدراسي إلى نسبة 90% .
بالإضافة إلى تعهد ولي أمر الطالب باستمرار ابنه في المركز حتى يكمل حفظ القرآن الكريم كاملاً، وتقدم إدارة المشروع حوافز ومكافآت تشجيعية للطلاب في المراكز النموذجية حيث يتم منح الطالب المتميز 100 درهم شهرياً إذا بلغت نسبة حضوره 90% وقام بتنفيذ الخطة المقررة عليه من الحفظ في ذلك الشهر .
ونمنحه مكافأة قدرها 300 درهم بعد حفظه جزءاً من القرآن الكريم إلى جانب مكافآت أخرى حال النجاح في المسابقة السنوية كما أن الدائرة تسعى إلى تزويد هذه المراكز بالموجهين والمحفظين ذوي الخبرة في مجال التحفيظ منذ بداية طرحها في العام الماضي للوصول إلى توفير الحفظة المواطنين القادرين على المشاركة الفعالة في جميع المسابقات التي تقام على مستوى العالم الإسلامي.
*وماذا عن الدورات الصيفية الخاصة بطلاب وطالبات المدارس؟
ـ بدأت الدورة الصيفية الحالية في شهر يونيو الماضي وتستمر حتى العاشر من أغسطس المقبل مستهدفة طلبة وطالبات مدارس دبي وتتضمن حفظ القرآن الكريم ويتمثل الغرض منها في حث الطلاب والطالبات على الارتباط بكتاب الله المجيد.
وتربية الأجيال عليه حفظاً وتلاوة وتجويداً وتخريج حفظة للقرآن الكريم وتنمية روح الاعتزاز لدى النشء بدينه الإسلامي الحنيف ولغته العربية، إضافة إلى فتح آفاق جديدة وواسعة أمام الشباب لإحياء رسالة المسجد كما كان على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم.
المنهج والأساسيات
* في إطار هذا الحوار التقينا محمد سليمان الأهدل المشرف الفني للمشروع فسألناه بداية عن ماهية المنهج المعتمد لديهم؟
ـ فقال بما أن المجال قرآني فإن الالتزام بمجال المستويات غير وارد ذلك لاختلاف المقدرات لدى الطلاب ومن هنا نجد لدى المحفظ الواحد تفاوتاً ملحوظاً في مقادير الحفظ فهذا يحفظ جزءاً وذاك جزءين وذاك أربعة .
وهكذا حسب همة الطالب بيد أنه يوجد القدر المشترك في المنهج فعلى سبيل المثال: نخصص للطالب ربع صفحة حفظ في كل يوم مع ورقة مراجعة مبدئياً، فإن استطاع حفظها وطلب من المحفظ الزيادة ووثق المحفظ بمقدرته فيبدأ في الزيادة إلى القدر الذي يستطيعه الطالب وإذا لم يستطع ذلك يبدأ بالتخفيف حسب خطة كل محفظ في رعاية طلابه وكذلك المراجعة.
وهكذا يختلف المنهج من محفظ لآخر حسب الخطة التي تلقى بها الحفظ. وتحدث الأهدل عن أساسيات المدارس القرآنية فقال: إنها تتضمن رغبة طالب ـ وتعني إصرار الطالب على الحفظ والبدء بمباشرة الأسباب من حضور إلى التحفيظ وحفظ للواجب وغيرها وكفاءة المحفظ .
ـ وتعني المقدرة العلمية والمعنوية للمحفظ، ففي المجال العلمي يكون حافظاً مجوداً خالياً من الموانع مثل اللحن واللكنة وغيرها، وفي المجال المعنوي يكون قادراً على ضبط الطلاب والتركيز الصحيح على تقويم القراءة وحسن إدارة مركزة. كما تتضمن صحة منهج ـ وتعني معاملة الطلاب حسب قواهم الحفظية وبالمقادير التي يستطيعون السلوك بها إلى خير الحفظ والمراجعة.
حوار: خولة محمد