أبدت الولايات المتحدة أمس للمرة الأولى بصورة رسمية رغبتها في سحب جزء أساسي من قواتها في العراق بحلول الربيع المقبل وتسليم المسؤولية الأمنية إلى العراقيين في عشر مدن، وعزز هذه الرغبة مطالبة وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد خلال زيارته العاشرة والمفاجئة لبغداد أمس العراقيين بسرعة صياغة الدستور الجديد وتبنيه قبل 15 أغسطس المقبل، بقوله «ننشر جنوداً هنا ويتعرض الناس للقتل، كلما أسرعوا.. كلما كان ذلك أفضل».
وفي ما حرض رامسفيلد الحكومة العراقية على رفض ما أسماه بالتدخل السوري والإيراني، دعا رئيس الحكومة العراقية إبراهيم الجعفري إلى الإسراع بتسليم العراقيين المسؤولية الأمنية، لكنه رفض فكرة الانسحاب المفاجئ للقوات الأميركية التي قتل خمسة من جنودها إضافة إلى عشرين عراقياً بالتزامن مع إعلان تنظيم «القاعدة» عن قتل الدبلوماسيين الجزائريين المخطوفين في العراق.
وفي زيارته العاشرة منذ الغزو الأميركي للعراق حض رامسفيلد بعد وصوله إلى بغداد أمس آتياً من طاجيكستان الحكومة العراقية على التحرك بحزم حيال سوريا وإيران. وطالب العراقيين برفض ما وصفه بأي تدخل من سوريا وإيران. وقال «من المهم بالنسبة لهم (العراقيون) أن يعملوا مع جيرانهم ليروا أن سلوكهم خاصة إيران وسوريا يتحسن. لأنه كان مضراً... عليهم أن يشتبكوا بهمة في اتصالات مع جيرانهم حتى يتوقف الإرهابيون الأجانب عن محاولة عبور حدودهم وحتى يمتنع جيرانهم عن إيواء المتمردين».
كما دعا العراقيين إلى الانتهاء من صياغة الدستور الجديد وتبنيه قبل انتهاء المهلة في 15 أغسطس المقبل، وقال «لا نريد أي تأخير. حان الوقت للمضي قدماً» في هذه المهمة، مشيراً إلى أن «كل تأخير سيكون له نتائج سلبية». وأضاف «ننشر جنوداً هنا ويتعرض الناس للقتل. كلما أسرعوا في ذلك كلما كان الأمر أفضل».وقال وزير الدفاع الأميركي أيضاً إن الولايات المتحدة تعمل على إعداد العراقيين لتسلم ما يتراوح بين 15 و16 ألف عراقي تحتجزهم القوات الأميركية في العراق.
وعقد رامسفيلد مؤتمراً صحافياً في بغداد مع كل من الرئيس العراقي جلال طالباني، ورئيس حكومته إبراهيم الجعفري. ورداً على سؤال لمعرفة كم من الوقت يلزم لتتولى القوات العراقية أمن البلاد قال رامسفيلد «عندما نكون مستعدين، لا نعرف بدقة».وأشار إلى أن واشنطن تعمل على وضع ترتيب قانوني جديد يحدد دور أكثر من 160 ألف جندي أجنبي في العراق وقد يأخذ ذلك شكل استصدار قرار جديد من مجلس الأمن أو التوصل إلى اتفاق مع العراق بشأن «وضع القوات».
ومن جانبه قال الجعفري إن الوقت حان لوضع خطة تقضي بتسليم مسؤوليات القوات الأميركية إلى الجيش العراقي، وطالب بتسريع الخطوات في هذا الصدد. وأشار إلى أن رغبة الشعب العراقي هي أن يرى قوات التحالف تخرج وأن تتحمل قوات الأمن العراقية الجديدة المزيد من المسؤولية لكنه شدد على أن ما من أحد يرغب في انسحاب مفاجئ. ورداً على سؤال عن موعد انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من العراق قال الجعفري «نحن لم نحدد وقتاً محدداً، لكننا نؤكد على سرعة تحقيق هذا الشيء».
وقال الرئيس العراقي جلال طالباني إن صياغة الدستور ستتم «بالتوافق» من قبل جميع أطراف الشعب العراقي. وأضاف «لقد ناقشنا سبل تعزيز العمل المشترك ضد الإرهاب على كل المستويات»، واصفاً الوزير الأميركي «بالصديق القديم والثابت للشعب العراقي».وأوضح طالباني «إننا متفقون مع القوات المتعددة الجنسيات بأنه كلما ازدادت جاهزية واستعداد القوات العراقية وقدرتها على مواجهة الإرهاب كلما أسرعنا في استلام مهام حفظ الأمن بالكامل من قبل تلك القوات».
وأوضح أن ذلك «أشبه بجدولة للانسحاب ولكن بشكل غير مباشر وغير محدد بزمن معين وأنها مترافقة مع بناء القوات العراقية».ورداً على سؤال يتعلق بالوضع الأمني في البلاد، أشار طالباني إلى «الخطة الأمنية الشاملة التي تقررت خلال الاجتماع الأول والثاني للحكومة العراقية والتي ستطبق قريباً في بغداد وخارجها».وأكد على «إمكانية القضاء على الإرهاب في حال تعاونت دول الجوار في هذا الشأن»، مضيفاً «نحتاج إلى تعاون دول الجوار ودعم إعلامي عربي لبيان حقائق الإرهاب في العراق».
وعلى هامش زيارة رامسفيلد، صرح قائد القوات الأميركية في العراق، الجنرال جورج كيسي، بأنه قد يبحث سحب جزء «أساسي» من القوات الأميركية بحلول ربيع العام المقبل.ولم يحدد القائد الأميركي حجم القوات التي يمكن سحبها، من إجمالي القوات الأميركية في العراق التي يبلغ عددها حالياً 135 ألف جندي.وأعرب كيسي عن قناعته بإمكانية سحب جزء كبير من القوات الأميركية حال استمرار العملية السياسية الحالية في العراق بصورة إيجابية.
وعقد انتخابات بحلول ربيع أو صيف العام المقبل في غضون ذلك أكد مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي أمس أن القوات المتعددة الجنسيات قد تنقل مسؤوليات حفظ الأمن إلى العراقيين في عشر مدن عراقية مهمة.وقال الربيعي الذي يرأس لجنة عمل تضم ممثلين عن القوات المتعددة الجنسيات ووزارتي الدفاع والداخلية «من الآن لغاية إجراء الانتخابات (في ديسمبر) نعتقد أن عشر مدن مهمة وربما أحياء في بغداد سيتم تحويل المسؤولية الأمنية فيها إلى العراقيين».
من ناحية أخرى، وتزامناً مع زيارة رامسفيلد إلى بغداد قتل نحو عشرين عراقياً وتسعة جنود وأصيب العشرات في هجمات متفرقة، فيما قال بيان عسكري أميركي أمس إن أربعة جنود أميركيين قتلوا الأحد الماضي في انفجار عبوة ناسفة بمركبتهم جنوب غرب بغداد.وأوضح أن «أربعة جنود من قوة (تاسك فورس بغداد) قتلوا الأحد الماضي في انفجار عبوة ناسفة كانت مزروعة على جانب الطريق».
وفي وقت لاحق أعلن الجيش الأميركي عن مقتل جندي أميركي آخر وجرح خمسة في انفجار عبوة ناسفة استهدفت دوريتهم صباح أمس في محافظة صلاح الدين شمال بغداد.إلى ذلك أعلنت مجموعة الأردني المتشدد أبومصعب الزرقاوي زعيم تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» عبر موقع على الانترنت أمس أنها قتلت الدبلوماسيين الجزائريين اللذين خطفا في بغداد. وهما رئيس البعثة الجزائرية علي بلعروسي والملحق الدبلوماسي عز الدين بلقاضي.
ووصف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إعدام الدبلوماسيين الجزائريين بـ «الجريمة الشنعاء». وقال بيان صدر عن رئاسة الدولة وأوردته وكالة الأنباء الجزائرية ان «رئيس الجمهورية يتقدم بأخلص تعازيه إلى عائلتي وأقارب الفقيدين ويعرب لهم عن مواساته وتضامنه في هذا المصاب الجلل الذي ألم بالشعب الجزائري كافة». وجاء في البيان «لقد ارتكب المختطفون جريمتهم الشنعاء باغتيال ممثلينا في بغداد علي بلعروسي وعزالدين بلقاضي وذلك رغم كل النداءات الملحة بإطلاق سراحهما».
وأضاف البيان «الجزائر تمر الآن من حالة الروع الذي أثاره اختطافهما بحالة من السخط والحزن اثر هذا الاعدام الشائن».وأفاد التلفزيون الجزائري الذي بث نشرة خاصة ان السلطات الجزائرية «تتابع عن كثب تطورات هذه القضية». ووصف المحلل السياسي احمد كليوة في حديث مع التلفزيون الجزائري إعدام الدبلوماسيين بأنه «صدمة عنيفة وكارثة بالنسبة للدبلوماسية الجزائرية». وأضاف بصوت متأثر «كنا نتوقع الإفراج عنهما نظراً للمواقف الجزائرية الموالية للعراق» موضحاً ان الخاطفين «ليس لهم أي علاقة بالدين ولا الأخلاق».