من بين إنجازات عديدة طالما اعتز بها قادة الاتحاد السوفييتي السابق، يبرز الاهتمام الكبير بالطفولة والشبيبة، الذي كان يُنظر إليه باعتباره استثماراً ضرورياً في المستقبل، لكن الصورة اليوم اختلفت، حيث يؤكد مسؤولو الجمعيات الخيرية الروسية أن هناك مليون طفل مشرد تتلقفهم شوارع روسيا بما تحفل به من برد وجوع وجريمة، ومن بين هؤلاء هناك 40 ألف طفل مشرد في موسكو وحدها.
الجميع يسلم بوجود هذه الظاهرة، ولكن باستثناء جهود الجمعيات الخيرية ذات القدرات المحدودة، فلا وجود لمن يحاول علاجها أو حتى التصدّي لها. والبعض يفضل الاحتماء وراء محاولة التقليل من خطورة ظاهرة الطفولة الروسية المشردة، حيث تذهب تقديرات متحفظة إلى القول إن هناك 200 ألف طفل مشرد في روسيا فقط، أي خمس تقديرات الجمعيات الخيرية المستندة إلى الواقع الميداني.
الصدفة وحدها وضعتني وجهاً لوجه مع تجسيد حي وفاجع لهذه الظاهرة، فقد كنت عائداً من زيارة أصدقاء في ضواحي موسكو، أخيراً، وقررت اختصار الطريق نحو محطة الباص، فخرجت من محطة القطار عبر الطرق الخلفية، واصطدم بي طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وهو يترنح، كان يحاول الوصول إلى حفرة في جدار عريض يحيط بمحطة القطار، وما أن حاولت الإمساك به حتى لا يقع، حتى نظر إليّ بخوف ثم انطلق يركض هاربا، إلا أنني تمكنت من الإمساك به، وأقنعته أن يروي لي ماذا به ونحن نتناول الطعام، ووافق لأنه لم يتناول الطعام منذ يومين.
بدأ (ساشا) يروي قصته، فقد بدأت المأساة بعد عودة والده ـ الذي كان جندياً ـ من الحرب الشيشانية الأولى في عام 1995 بعد فقد ساقيه، وعجزه عن العمل، واضطرت والدته للعمل كعاملة تنظيف في أحد المستوصفات، حيث كانت تتقاضي أقل من 40 دولاراً شهرياً، وبسبب إحساسه بالعجز أدمن والد ساشا المُقعد الشراب بعد فقدان الأمل في أن يكون نافعاً لأسرته، وأصبحت مشاجراته مع زوجته مسلسلاً يومياً.
وشعر (ساشا) بمأساة حياته عندما بلغ العاشرة من عمره، ولم تعد أسرته قادرة على توفير مستلزمات دراسته، وتغيرت أحلام الصبي، وتبدلت قيمه الأخلاقية، وسيطر عليه حلم أن يصبح بلطجياً، ويحصل على أموال كثيرة، مثل ابن جارهم (فاسيلي)الذي كان يعمل مع رجل من الجنوب ويجمع له الإتاوات من باعة سوق الخضروات الذي يسيطر عليه، وفي صيف العام الماضي لم يعد (ساشا) يطيق المشاجرات بين والديه، وترك المنزل وصار يحصل على طعامه من التسول أو مما يكسبه من غسيل السيارات.
وفي الشتاء القارس لم يجد المأوى الذي يحميه من برد الشتاء، واضطر أن يلجأ لـ (فاسيلي) ابن جارهم ويطلب منه المساعدة، فرحب به ووعده بعمل يحصل منه يوميا على 100 روبل (أقل من 4 دولارات) من القيام بتوزيع المخدرات، ولا داعي للخوف من الشرطة لأن ساشا قاصر ولن يذهب للسجن.لم يهتم (ساشا) بطبيعة عمله فالمهم أن يجد المأوى من البرد القارس، والطعام، وبدأ يتحول إلى مدمن للمخدرات التي يوزعها.تلك هي قصة ساشا التي تتكرر مع عشرات الألوف من الأطفال المشردين في شوارع بلاد كانت تعتز يوماً باهتمامها المفرط بالطفولة والشبيبة.
موسكو ـ مازن عباس