بعد غياب طويل ابتعد فيها الولد عن والده في دولة أخرى لظروف قاهرة تشاء الأقدار أن يلتقي عباس أبو الحسن الذي يبلغ من العمر 89 عاماً بابنه محمد في دار المسنين بالشارقة بعد جهود كبيرة بذلها الكثيرون لتحقيق هذه الغاية التي كانت أقصى ما يطمح إليه الوالد خشية أن يدركه الموت دون مشاهدة ابنه الوحيد الذي افترق عنه منذ خمسين عاماً، ولم يتمكن من رؤيته سوى مرة واحدة منذ 16 عاماً.
لحظة تأمل واحدة كانت بين الأب وابنه في اللقاء الأول الذي أتى بعد 16 عاماً ليتبادلا بعدها القبلات والذكريات التي امتزج فيها ألم الفراق مع دموع فرحة اللقاء، ورغم السنوات الطويلة التي فصلت الأب عن ابنه والآلام التي مر بها كليهما إلا أنها لم تنس الأب الابتسام عندما ذكر موقفاً طريفاً مر بهما، ولم تنس الأب أن يشكو لابنه بمجرد أن شاهده ألمه لفقدان قدمه والبقاء أسير الفراش طوال اليوم.
وعندما سألناه عن شعوره بلقاء ابنه بعد هذه السنوات أجاب وبصوت متهدج أتعبته سنوات الفراق أشكر الله أن رزقني رؤيته وأشكر كل من ساهم في هذا، فأنا أشعر الآن براحة كبيرة لم أحس بها منذ زمن، فرغم ألمي الكبير الذي انتابني منذ أشهر لفقد قدمي وفقد قدرتي على المشي أيضاً إلا أن فرحتي بلقاء ابني أنستني هذا الألم.
ويقول محمد الولد الوحيد لعباس والذي يعاني من مرض في ساقيه أفقده القدرة على المشي بصورة طبيعية: ولدت في الشارقة، وسافرت مع والدي إلى البحرين منذ خمسين عاماً تقريباً وكان عمري وقتها 11 سنة، وأقمت عند أقاربي هناك، ولم أعد أتمكن من العودة مجدداً لمشاهدة والدي نظراً لضياع جواز سفري، ولكن رغم هذا إلا أني أسأل عن صحته وحاله بالهاتف بين الحين والآخر وكنت أحاول كثيراً أن أزوره في الإمارات.
ولاسيما عندما يخبرني بأن صحته تسوء وأنه بحاجة لرؤيتي إلا أن هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل، إلى أن أتاني هاتف من الدكتورة رفيعة غباش تزف لي خبر الموافقة على سفري لمشاهدة والدي فغمرتني الفرحة ولم أعد أفكر بأي شيء سوى باللحظة التي سوف أسافر فيها لمشاهدة والدي رغم أن حالتي الصحية صعبة جداً.
أما الدكتورة رفيعة عبيد غباش رئيسة جامعة الخليج العربي والتي ساعدت في حصول هذا اللقاء فتقول لقد أخبرتني إحدى زميلاتي من الإمارات عن هذه الحالة وطلبت مني أن أبذل ما في وسعي لمساعدة محمد لزيارة والده، وبالفعل أجريت اتصالاً مع المسؤولين في هذا الموضوع وتقدمت برسالة إلى وكيل وزارة الداخلية في البحرين أشرح له فيها الطلب الإنساني الذي يطلبه عباس لمشاهدة ابنه.
وفعلاً كان هناك تجاوب كبير في هذا الخصوص، واستمرت متابعة الإجراءات لمدة شهرين حتى تمكنا قبل أسبوع تقريباً من الحصول على جواز سفر لمرة واحدة، وكانت أيضاً هناك اتصالات مع حكومة دبي التي منحته التأشيرة خلال ساعة واحدة ووصل إلى مطار دبي أمس ولم يرض أن يجلس قبل أن يشاهد والده.
وتنوه الدكتورة رفيعة إلى أن رحلة البحث عن محمد كانت في البداية صعبة إلا أنهم تمكنوا من الحصول على رقم هاتف عمله والاتصال به وإخباره بالموضوع الذي تقبله بفرح كبير ولاسيما أنه كان فاقد الأمل في رؤية والده مجدداً وتمنت أن تتاح له فرصة لقاء والده أكثر من مرة. وتعود محاولة تأمين لقاء بين الوالد وولده إلى سعي علي مال الله محمد مدير بنك الإمارات الذي نشأت علاقته مع دار المسنين عندما قام بنقل امرأة مسنة تقيم لوحدها مع خادمة لها إلى أحد المستشفيات وتكفله بإجراء العملية لها على مسؤوليته ومن ثم إحضارها إلى دار المسنين.
ويقول: بعدها أصبحت أحضر إلى هذه الدار ثلاثة أيام بالأسبوع وأعتني بالمسنين الذين نادراً ما يلتفت إليهم أحد وتعرفت على عباس الذي لم يقبل مني الحاجيات التي أحضرها له مصراً على أن له طلباً واحداً وهو رؤية ابنه الذي لم يشاهده منذ سنوات، حتى انه كثير ما كان يحدثني عنه وعن معاناته وتذرف عيناه الدموع ولاسيما أن صحة ابنه أيضاً سيئة ويحتاج إلى رعاية خاصة، وحاولت بدوري تأمين لقاء بينهما إلا أني لم استطع حتى قامت زوجتي بالاتصال بالدكتورة رفيعة وإخبارها بالموضوع والتي بذلت ما بوسعها لإتمام الموضوع على هذا النحو.
وتقول سميرة علي مسؤولة قسم الخدمة الاجتماعية في دار المسنين في الشارقة إن عباس كان أول نزيل في الدار حيث التحق بها عام 1986 بعد أن كان يعيش مع أقاربه الذين أجبرتهم الظروف على تغيير مكان إقامتهم وإلى إحضاره إلى الدار نظراً لأنه وحيد وليس لديه مصدر رزق ثابت يعيش منه.
وأضافت أن حالته كانت أحسن مما هي عليه الآن وكان دائم السؤال عن ابنه حتى خصصنا له هاتفاً ليكلم ابنه كلما احتاج إليه وهو كثيراً ما يشعر بالحاجة إليه عندما يمرض ويشعر باقتراب المنية، وعندها يسأل عنه، وهذا ما حصل عندما أجرينا له عملية بتر قدمه التي أصيبت بمرض عضال ولم يطلب وقتها إلا أن يكلم ابنه وهو يقول له قد أموت دون أن أراك، إلا أنه عندما تعافى اتصل بعدها بابنه ليقول له بأني تعافيت وأتمنى من الله أن أراك، وتحققت فعلاً دعوته التي كثيراً ما كان يذكرها عندما نجلس معه.
الشارقة ـ عمر بدران