بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتعليمات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، رئيس الشرطة والأمن العام بدبي، المنطلقة من أهمية حماية البيئة والمحافظة عليها.
جندت شرطة دبي تحت إشراف الفريق ضاحي خلفان تميم، قائد عام شرطة دبي مجموعة من أفرادها وعمالها لزراعة «شتلات القرم» في منطقة رأس الخور وحمايتها والمحافظة عليها بعدما نالت القيادة العامة لشرطة دبي وعلى رأسها الفريق ضاحي خلفان شرف الريادة لزراعة «شتلات القرم»، وكان ذلك ميلاداً لما نراه اليوم من انجاز يقف شاهداً على أرض الواقع بعدما يقارب العقدين من الزمن.
حيث زرعت أول هذه الشتلات بين عامي 1985 و1986م، معلنة بداية التجربة التي أشرف عليها المغفور له ـ بإذن الله ـ خلفان بن تميم والد قائد عام شرطة دبي، ليصبح المشروع تحت إشراف نجله الفريق ضاحي خلفان تميم الذي لم يأل جهدا في متابعة العمل في هذا المشروع حتى أضحى اليوم واحدا من أهم مشاريع المحافظة على البيئة، وحمايتها، ومن يزر منطقة رأس الخور اليوم يلمس على أرض الواقع ما تم انجازه.
بعد أن تحولت تلك المنطقة القاحلة، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى موئل أخضر مليء بأشجار القرم، والطيور والكائنات البحرية المختلفة التي وجدت فيها بيئة مناسبة للعيش، بعد أن كانت مجرد مستنقعات بحرية جرداء لا حياة فيها، إضافة إلى اللمسة الجمالية التي حظي بها خور دبي، الذي يعطي مدينة دبي طابعها الخلاب والمميز.
كان على يد المرحوم خلفان تميم نجاح أول محاولات لزراعة شجيرات القرم في رأس الخور، وكان اهتمامه رحمه الله نابعا من غيرته وحرصه على هذه البيئة، فزرع مجموعة من الأشجار التي تلف جزءاً كبيراً منها. وبقيت أشجار بسيطة لم يتجاوز عددها عشر شجرات، لكن مع ذلك كانت الفكرة ناجحة بحد ذاتها، وذلك لخبرة هذا الرجل الطويلة في البحر والغوص وأنواع الأشجار. وكانت شجيرات القرم أحد الأنواع التي لفتت انتباهه.
فقرر أن يعطيها اهتمامه، ويجلبها إلى الخور، وفعلا قام بالتجربة، إلا أن بعض المعوقات أدت إلى القضاء على مجموعة كبيرة منها مثل الزيوت الموجودة في خور دبي، الى جانب مخلفات السفن، وبعض الأعشاب التي كان المد والجزر يأتيان بها الى مكان استزراع هذه الأشجار، وتطويقها، وخنق البراعم في أشجار القرم.
أهمية أشجار القرم
تعتبر أشجار القرم من النباتات التي تعيش على المياه المالحة ومياه البحر، ويوجد بعض من أنواع هذه النباتات على المياه العذبة أيضا، ولأشجار القرم فوائد اقتصادية عديدة، بالإضافة الى ذلك فإنها تعطينا الجمال الأخضر الخلاب الذي يمتزج مع زرقة مياه الخليج ليشكل لوحة فنية رائعة على شواطئنا الجميلة، وهذه النظرة الجمالية مهمة جدا بالنسبة لمنطقتنا الصحراوية الجافة.
كما لها أهمية كبيرة بالنسبة للبيئة البحرية والثروة السمكية، وحماية البيئة الهوائية، وإنتاج الأكسجين وتثبيت التربة، ومساعدة الطيور المقيمة، والمهاجرة على بناء أعشاشها، واستخدامها كملجأ أمين، وقد استعمل الإنسان في الماضي القرم كغذاء للحيوانات، لان هذا النبات يحتوي على نسبة عالية جدا من البروتين في أوراقه، كما استعمل أخشاب القرم لصناعة الفحم، وبناء بيته.
شرطة دبي وحماية البيئة
حرصت حكومة دبي على حماية هذه المنطقة فأعلنتها محمية طبيعية، ووفرت لها الحراسة اللازمة التي تبقيها بعيدة عن المتطفلين على مدار الساعة، فصدرت توجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى المسؤولين بشرطة دبي لتوفير تلك الحراسة، وبالفعل تم تكليف عدد من دوريات الشرطة البرية والبحرية بمراقبة منطقة رأس الخور على مدى أربع وعشرين ساعة، كما صدر الأمر المحلي رقم 61 لسنة 1991، الذي ينظم عملية حماية هذه المنطقة.
ونصت المادة 85 منه على حظر القيام بأعمال، أو تصرفات، أو أنشطة، أو إجراءات من شأنها تدمير أو إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية، أو الإضرار بالحياة البرية، أو البحرية، أو النباتية أو المساس بمستواها الجمالي بمنطقة المحميات، ويحظر على وجه الخصوص ما يلي:
- صيد أو نقل أو قتل أو إزعاج الكائنات البحرية، أو القيام بأعمال من شأنها القضاء عليها.
-صيد أي كائنات أو مواد عضوية، مثل الصدفيات، أو الشعب المرجانية، أو الصخور لأي غرض من الأغراض.
-إتلاف أو نقل النباتات الكائنة بمنطقة المحمية.
-إتلاف أو تدمير التكوينات الجيولوجية والجغرافية.
-إدخال أجناس غريبة لمنطقة المحمية.
-تلويث تربة، أو مياه، أو هواء في منطقة المحميات.
-إقامة المباني أو المنشآت، أو شق الطرق، أو ممارسة مختلف الأنشطة...زراعية أو صناعية في منطقة المحمية إلا بتصريح من السلطة المختصة وفقا للشروط والقواعد التي يصدر بتحديدها قرار من مدير البلدية.
إن الظروف الطبيعية لم تساعد منذ قديم الزمان بذور نبات القرم على تثبيت نفسها في أي جزء أو شاطئ من شواطئ دبي، وذلك لعدم توفر التربة المناسبة، والمكان المناسب، لان جميع شواطئ دبي تسمى بالشواطئ ذات الطاقة العالية، أي أن الأمواج المرتفعة تمنع تثبيت بذور نبات القرم. ومن هنا بدأت الجهات والمؤسسات العلمية في الدولة بعمل الدراسات اللازمة للوصول الى حلول لإمكانية زراعة وإكثار القرم في إمارة دبي.
إن اختيار خور دبي لزراعته بالقرم جاء بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتعليمات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، رئيس الشرطة والأمن العام بدبي، حيث تم عمل دراسات وتجارب عديدة في هذا الموقع.
وقد اهتمت القيادة العامة لشرطة دبي وعلى رأسها الفريق ضاحي خلفان قائد عام شرطة دبي، بشكل ملحوظ بزراعة شتلات القرم في منطقة رأس الخور، حيث زرعت أول هذه الشتلات عام 1988م، إضافة إلى إرسال عاملين من القوة بصورة منتظمة لتنظيف الشجيرات مما يعلق بها، كذلك أخذت القيادة على عاتقها بناء سور مقوى لحماية أشجار القرم عام 1993م، وإزالة الشوائب والأتربة.
إن تجربة زراعة القرم في خور دبي سبقها تمهيد للشاطئ، وإنشاء خيران صناعية بواسطة المعدات البرمائية المتوفرة، وقد كان للنتائج الأولية الأثر الكبير في بدء الزراعة بشكل منظم ورسمي.يقول العميد عبدالرحمن رفيع أحد الرجال الذين كانوا يسهرون الليل على حماية شجيرات القرم في أول أيامها، بل انه لم يأل جهدا في المبادرة بزرع مساحات كبيرة من شتلات القرم بيديه «لقد كنت أجد متعة كبيرة في هذا العمل بالرغم من بعض الصعوبات التي كنا نواجهها، مثل التربة غير المستقرة، ولسعات الحشرات، إلا أن تلك لم تكن عوائق تذكر في سبيل تحقيق هدفنا الرئيسي.
ولا يفوت العميد عبدالرحمن رفيع أن يذكر حرمه التي كانت ترافقه في كثير من الأحيان إلى منطقة رأس الخور، وتشارك بيديها في زراعة شجيرات القرم، ويقول: كنت اذهب مع زوجتي أسبوعيا الى مناطق بعيدة في الدولة، ونحصل على شتلات وبذور ثم نعود لمنطقة رأس الخور مساء لنبدأ في زراعتها... في الحقيقة أتقدم بالشكر لتلك الزوجة الرائعة التي أدين لها بأشياء كثيرة وجميلة فقد تحملت معي الكثير، وفي موضوع أشجار القرم، ولا أنسى أبدا أنها تحملت عناء الطريق الطويل الذي نتكبده، ووجدنا المتعة فعلا في جلب الأشجار ثم زراعتها، ومع مرور الأيام نراها تكبر.
ويقول: إن أكثر ما كان يثلج صدورنا ويرفع معنوياتنا في ذلك الوقت هو الزيارات التي كان يقوم بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتلك المنطقة بين الحين والآخر، والتي كانت تبدو لنا مثل الطيف الذي يعطينا الدافع على الاستمرار في هذا العمل الوطني، وكنا نستشعر الرضا في عيون سموه تجاه ما نقوم به، وكان ذلك دليلاً واضحاً على اهتمام سموه الكبير بالبيئة.
وهذا النوع من النباتات ينمو في السواحل الهادئة ذات التيارات المائية البسيطة أو المعدومة، والاهم من هذا كله نوعية التربة، إذ يجب أن تكون طينية أو تحتوي على نسبة عالية جدا من الطين المخلوط بنسبة قليلة من الرمال البحرية. والسبب في ذلك ان هذا النوع من تركيبة التربة يعمل على بقائها رطبة لفترة أطول، كما يعمل على تماسكها أكثر من التربة الرملية.
وبعد عمل مسح شامل لهذه المميزات في شواطئ دبي، تم اختيار نهاية خور دبي، لأنه يمثل البيئة الحقيقية لإنبات القرم من حيث نوعية التربة وحركة المد والجزر، وبطء التيارات البحرية، ووجود كثير من الأحياء الأخرى التي تعيش تحت التربة، مما يساعد على تكسير بعض المواد العضوية إلى عناصرها الأساسية لتوفير بيئة صالحة لنمو النباتات، يضاف الى ذلك صعوبة الوصول الى منطقة التجارب من قبل مستخدمي البحر، لان السواحل طينية، والسير عليها من الأمور غير المرغوب فيها نسبيا، وهذا يضمن عدم العبث في هذه المنطقة من قبل بعض رواد البحر.
وهناك محاولات جادة وحثيثة من قبل العديد من الجهات المسؤولة لتكييف نبات القرم للعيش في المناطق الصحراوية، وباستعمال مياه اقل ملوحة من ماء البحر، والتجارب جارية في مختبر أبحاث البيئة لتكييف نبات القرم للعيش في بيئة مغايرة لبيئته الأصلية.وفي حال نجاح هذه التجربة فان نبات القرم سوف يصبح من النباتات الاقتصادية ذات المردود الجيد، بالإضافة الى زيادة الرقعة الخضراء في الدولة، ومكافحة التصحر، وزيادة أعداد الطيور التي تستخدم هذا النبات كملجأ لها لبناء أعشاشها.
محمية طبيعية
أصبحت نهاية خور دبي ضمن تطوره العام محمية طبيعية منذ عام 1985م، تأوي إليها المئات من الطيور، وبخاصة طيور«النحام» و«الفلامنجو» الكبيرة التي تقضي المئات منها فصل الشتاء بالمنطقة، بينما العديد من الأسراب تظل طوال العام مستفيدة من موارد الخليج الوفيرة التي أكدتها العديد من الدراسات وأهمها دراسة لجمعية حماية الطيور البريطانية أشارت في عام 1985م الى إمكانية خور دبي الهائلة كموقع لجذب الطيور، وتوقعاتها باستيطان مجموعات كبيرة خلال السنوات المقبلة.
وكإسهام في بناء ودعم وتطوير البيئة من قبل المؤسسات الحيوية بالدولة، فقد سبق وان تفاعلت القيادة العامة لشرطة دبي مع هذه التوجهات، فعملت منذ سنوات على زراعة بذور وخصلات نبات « القرم» في منطقة الخور، وخلقها لبيئة بحرية رحبة، وخلق محاجر سمكية وأعشاش آمنة للطيور المهاجرة، إضافة لما يضفيه هذا النبات من مناظر جمالية على المنطقة، كما أن شرطة دبي حرصت ومازالت تحرص على حماية هذه المنطقة من المتطفلين الذين يحاولون صيد وقتل هذه الطيور.
بنجاح هذه التجربة ـ بكل ما يعنيه النجاح ـ تكون شرطة دبي قد حققت معادلة بيئية صعبة، تضاف الى سجلها الحافل بالنجاحات، ولان البيئة الصالحة هي من أهم مقومات الأمن، فان اهتمام شرطة دبي بهذا المشروع منذ بدايته وحتى اليوم، لم يأت من فراغ، لان الأمن البيئي يعتبر في عالمنا اليوم من أولى المهام التي تتولاها أجهزة الأمن.
كتب سعيد الصوافي