مع اقتراب استحقاق الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية الشهر المقبل اتجهت الساحة الداخلية الفلسطينية إلى التهدئة بعد نجاح الوفد المصري الزائر لغزة في تنفيس حالة الاحتقان والتوتر بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة،.

وقابل هذه التهدئة بدء المستوطنين أول تحرك جماعي حاشد لعرقلة الانسحاب وعصيان قرار فك الارتباط مع قطاع غزة، رافقه دعوات وزراء في حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون إلى ارتكاب مجازر في غزة لمنع إطلاق صواريخ المقاومة على المستوطنات.

وفي ظل استنفار أمني فرضته الحكومة الإسرائيلية هاجمت وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني المستوطنين المحتجين قائلة ان المسيرة التي ينظمونها ليست للاحتجاج بل تهدف الى خلق وضع فوضوي بغية نسف عملية اجلاء المستوطنين.

ورغم نشر نحو 20 ألف جندي إسرائيلي للحيلولة دون وصول المحتجين الى مستوطنات في قطاع غزة «غوش قطيف»، فإن هؤلاء أصروا على مواصلة مسيرتهم وجمع نحو مئة الف محتج وتحدي الحواجز الأمنية. وأعلنت الشرطة الإسرائيلية انها منعت المتظاهرين من الوصول الى حافلات أعدت لنقلهم، كما منعتهم من التوجه الى مدينة نتيفوت في جنوب إسرائيل والتي قرروا ان تكونمكان التجمع بعد ان كانت وافقت لهم على إقامة التجمع بهذه المدينة التي تبعد نحو 15 كم من قطاع غزة.

ولم تكن تظاهرات المستوطنين المتطرفين بعيدة كثيراً عن موقف وزراء في حكومة شارون دعوا الى ارتكاب مجازر في قطاع غزة وهز أسطح المنازل في مدينتي غزة وخانيونس قبل ان تنهار المنازل في مستوطنتي سديروت ونتيف هعسارا بالنقب في إشارة الى إطلاق صواريخ فلسطينية يدوية الصنع على تلك المستوطنات.

فلسطينيا أطلقت 15 قذيفة هاون على أهداف إسرائيلية كان لحماس اثنتان منها فيما أطلقت باقي القذائف من قبل مجموعات مقاومة مقربة من حركة فتح مما يعد نجاحا لمهمة الوفد الأمني المصري الذي يزور غزة، وتمكن من كبح جماح حركتي حماس والجهاد اللتين قبلتا العودة الى تهدئة فبراير.

ورغم ما يبدو من تمسك السلطة و«حماس»، بمواقفهما التي قادت إلى نشوب الأزمة إلا أن المراقبين في القطاع يقولون بأنهما قد تجاوزا الأزمة فعلياً. فحركة «فتح» والرئيس محمود عباس يؤكدان على ضرورة امتناع أي من الفصائل عن الرد بصورة منفردة على الخروقات الإسرائيلية فيما يحاول الوفد المصري، الذي يقوده مساعد مدير المخابرات العامة اللواء مصطفى البحيري إقناع «حماس» بتطبيق اتفاق القاهرة الذي ينص على أن الفصائل يجب أن تلتقي وتقرر أسلوب الرد في حال حدوث خرق إسرائيلي.

لكن حماس تقول أن السلطة اخترقت اتفاق القاهرة عندما أعلنت عن تأجيل الانتخابات التشريعية إلى أجل غير مسمى دون التشاور مع أي من أطراف الاتفاق الأمر الذي يعطيها هي الأخرى حقاً مماثلاً.

ويرى المراقبون في تأجيل الانتخابات دون موافقة حماس المفتاح الأساس في فهم التدهور الجاري في العلاقة بينها وبين السلطة، فهي تريد أن تقول للسلطة بأنها لا تستطيع أن تقرر لوحدها مصير الشعب الفلسطيني.

ويسعى بعض قادة «فتح» إلى إقناع الرئيس عباس بتجاهل «حماس» واستخدام أسلوب الحل الأمني معها بذريعة أنها تحاول القيام بما يسمونه «انقلاباً أخضر» على السلطة لكن عباس الذي تتسم سياسته بالرصانة والتوافق الوطني يرفض الاستجابة لهذه الدعوات.

وتوقعت مصادر في فصائل المقاومة ان يمدد الوفد الأمني المصري زيارته إلى غزة، ربما انتظاراً لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي على حد قولها، وحسب المصادر ذاتها فإن اللواء مصطفى البحيري أبدى رغبة جدية بالبقاء بكامل الوفد في الأراضي الفلسطينية وذلك لضمان ان إسرائيل لن تخرق التهدئة أو تقوم بعمليات اغتيال كبيرة.

من جانبه اتهم ناطق باسم لجان المقاومة الشعبية وزير الشؤون المدنية محمد دحلان بعرقلة مشاركة الفصائل في ملف الانسحاب وحصرها فقط في المشاركة بالقضايا الفنية، مؤكداً أن الفصائل تطالب بالمشاركة الكاملة وأن تكون بصورة واضحة وصريحة وجدية، من باب الأخوة وليس رغبة بالسيطرة أو الوصول إلى السلطة.

وفي مقابل المرونة النسبية التي ميزت مواقف حركتي حماس والجهاد في العودة الى طريق التهدئة، دعت «كتائب شهداء الأقصى» (الجناح العسكري لحركة فتح) قواعدها إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى والجهوزية التامة للرد الفوري والمباشر على كافة جرائم الاحتلال وتسديد الضربات الموجعة له في كل مكان.

وأكدت الكتائب أن «الرد الفعلي على جرائم الاحتلال يكون عبر التصعيد العسكري والكفاحي والجهادي والعمليات الاستشهادية في كل الأماكن التي يتواجد بها الإسرائيليون دون تفرقة.» وأشار البيان إلى أن استهداف قطاع غزة والفصائل الفلسطينية لن يجلب الأمن للإسرائيليين. ويؤكد البيان على أن «مشاريع وهم السلام لم تكن سوى رهان على شق وحدة الصف الفلسطيني ودفعه نحو هاوية الانقسام».

القدس، غزة ـ «البيان» والوكالات: