يتراقص جميل أمام سيل السيارات التي تتحرك بصورة فوضوية في شارع جامعة الدول العربية وكأنه في ديسكو. ولو نظرت إلى الموقف من الأدوار العليا في البنايات المطلة على الشارع الشهير الذي يعد أحد أهم الشرايين المرورية في القاهرة لاختالت كل الأوهام والتصورات في رأسك.

ولأشفقت على هذا الشاب في كل الأحوال حتى لو قادك خيالك إلى الاعتقاد أنه إرهابي من أتباع الزرقاوي أو أسامة بن لادن. فقد يكون جميل عابر سبيل يمارس حقه الطبيعي في المرور من جانب من الشارع إلى الجانب الآخر، وهو ما يعد مغامرة يضطر الناس لخوضها، رجالاً ونساء، كل لحظة بسبب غياب إشارات مرورية حتى في هذا الطريق الحيوي لكل المشاة، ولكن جميل لا يعبر إلى الجانب الآخر من الطريق.

بل يظل يحتل وسطه تماماً ويصر على مراقصة السيارات، فتتصور أنه يحيي لعبة الموت التي درج الشباب البريطانيون على لعبها على الطرق السريعة في عقد الستينات. عندما تهبط من الأدوار العليا وتصبح ملامساً للطريق، سواء مشياً على الأقدام أو بالسيارة، تكتشف أن المسألة أبسط من ذلك كثيراً، ذلك أن جميل لا يلعب لعبة الموت كهواية أو كاحتجاج ضد العبث الوجودي أو ضد سياسات فاسدة وحروب لا مبرر لها.. إنه يمارس لعبة البحث عن لقمة العيش في بلاد لم تعد ترحم حتى الحاصلين على الشهادات العليا ولا تنقذهم جدياً من البطالة.

للمسألة جانب آخر تماماً. فما يقوم به «جميل» يعد أمراً مثيراً تماماً من وجهة نظر «البيزنس». كل ما يفعله ويكاد يخاطر بحياته من أجله هو «تقنية» أخرى للإعلان، حيث يقوم جميل وثلاثة آخرون في الحيز نفسه من الشارع العريض والطويل بإلقاء إعلان صغير داخل السيارات أثناء عبورها، بسرعة معتدلة إجبارياً، نتيجة لمرور المشاة والفوضى الضاربة في الطريق، التي تعود في جانب منها إلى أسلوب القيادة المستهتر بصورة مجانية.

تستعيد هذه الطريقة في الإعلان ما كان يحدث في الماضي عندما كان يفضل المعلنون القيام بطباعة إعلاناتهم بأنفسهم وتوزيعها يدوياً على المشاة أو رواد المقاهي والمحلات العامة، عندما كانت القاهرة والمدن المصرية الأخرى متحررة من فيضان دائم للسيارات أطاح بالسكينة والهدوء الذي تمتعت به طوال العصر الحديث. وكان الإعلان بهذه الطريقة اليدوية قد تحول إلى أحد المشاهد المبهجة نسبياً في الفضاء العام الذي كان ينبثق بصورة مدهشة طوال القرن العشرين.

وتتذكر الأجيال القديمة كيف كان الإعلان عن الأفلام المصرية الجديدة التي تعرضها دور السينما حدثاً احتفالياً يبعث السرور في قلوب الأطفال والمراهقين، حيث كان الإعلان يتم بعربة تجرها الخيول وتعرض «أفيشات» الأفلام الملصقة على جانبي هيكل خشبي مخصص لهذا الغرض وأحياناً يعرض الهيكل الخشبي الأفيشات في جانب واحد بينما يحمل مرآة مشطوفة بعناية في الجانب الآخر حتى يستطيع المراهقون «تسريح» أو تلميع شعورهم و«الاستمتاع» أو «الشعور بخيبة الأمل» بصورتهم في المرآة.

وكانت هناك أساليب لا تقل إثارة للإعلان عن أشياء أخرى غير الأفلام السينمائية الجديدة. «من أين أتيت يا جميل؟» و«لماذا تعرض حياتك للخطر على هذا النحو؟» لا يزعم جميل أنه يستمتع دائماً بالمراقصة الخطرة للسيارات في إحدى أكثر مناطق القاهرة ثراء. لقد جاء من حي «الكيت كات» القريب والفقير، حيث لا إمكانية حقيقة للمرح وسط الغبار الكثيف والأسواق الشعبية المرتبكة والحافلة بالبشر والبضائع الرخيصة والزاعقة بكل أنواع النداء بدءاً من نداءات الباعة وحتى النداء على أطفال يتوهون وسط الزحام.

جميل جاء إلى «المهندسين» للقيام بهذا «العمل» مع أخيه الأصغر وثلاثة من أصدقائه. وهو يعتقد أن الأجر الذي يحصل عليه قليل ولكنه عادل، فهو بالنهاية «لا يبني السد العالي» كما يقول: أى لا يقوم بعمل جبار أو شديد الإرهاق. «ماذا عن المخاطرة بالحياة؟» سألته. فابتسم لأن المسألة في تقديره بسيطة. لكنه اندهش وضحك ساخراً عندما قلت له إن تلك المهنة تعرض حياته للخطر.

مفسراً الأمر بوجود اتفاق غير مكتوب يتم توقيعه بالأعين بين قادة السيارات وبينه هو وزملاؤه، وهو يختلف قليلاً فقط عن الاتفاق نفسه بين المارة على جانبي الشارع وأصحاب السيارات الذين يظن البعض أنهم تأخروا عن حفلات زواجهم بما يبرر السرعة والاستهانة العجيبة في قيادة سياراتهم وسط المارة. فإذا كنت تبدو مصراً على المشي حتى قبل أن تدهمك السيارات ببوصات قليلة فإن أصحاب السيارات سوف يتوقفون مجبرين. أما إذا نجح أصحاب السيارات في إخافتك فسوف يسبقونك إلى المرور بسياراتهم قبل أن تنجح في إجبارهم على التوقف.

والفارق أن جميل وأصدقاءه «يخطفون لقمة عيشهم» وليسوا مثل المشاة، وان عليهم إلقاء الإعلان من نافذة مفتوحة بالسيارة. وجميل لا يسعه سوى أن يشاهد الكراهية له في عيون أصحاب السيارات الذين لا يفتحون نوافذهم أو الذين يسرعون إلى إغلاقها قبل أن يتلقوا إعلاناً مطبوعاً ليس لهم أي اهتمام بتلقيه. والعلاقة في هذه الحالة تصل إلى درجة الكراهية المتبادلة ولو لثوان معدودة قبل أن يمضي كل في سبيله ويعود جميل ورفاقه إلى حيهم الشعبي بعد أن يحاسبهم المقاول أو صاحب الإعلان على جهد اليوم.

تمثل العودة إلى الإعلان اليدوي اليوم ظاهرة جماهيرية. فأنت تجد أمثال جميل في معظم ميادين وشوارع القاهرة الرئيسية يمارسون الرقص وسط طوفان السيارات وإلقاء الإعلانات ببراعة من نوافذها المفتوحة. وهناك طرق مبدعة أخرى لتوزيع الإعلانات بالطريقة اليدوية. ولكن السؤال هو لماذا يلجأ بعض المعلنين إلى هذا الأسلوب بالرغم من اكتساح طرق الإعلان الحديثة سواء في الصحافة المطبوعة أو التلفاز والإذاعة.

يقدر حجم سوق الإعلان الحديث في العالم العربي بنحو ملياري دولار. ورغم أن هذه القيمة هزيلة للغاية بالمقارنة بحجم السكان في العالم العربي إلا أنها أثبتت ضرورتها لإعاشة عشرات من الصحف والمجلات والفضائيات، واليوم أيضا الصحف الالكترونية، فأي امتياز هذا في التوزيع اليدوي للإعلان هو الذي يغري المعلنين باللجوء إليه وسط فيض الإعلان الحديث؟

يعتقد أن الدافع هو قلة التكلفة أساساً بالمقارنة بالإعلان الحديث، فأكثر المعلنين بالأسلوب اليدوي في القاهرة على الأقل من المستثمرين الصغار وغالبيتهم يعلن عن مخبز أو مطعم شعبي أو منسف شعبي. غير أنه لابد أنهم اكتشفوا ميزات أخرى، قد يكون منها بقاء الإعلان الصغير بعيداً عن الصحف والمجلات المزدحمة بالإعلانات بيد الأشخاص لفترة طويلة. وقد يكون من بين تلك المزايا أيضاً الطابع الشخصي.

ومع ذلك فإن التساؤل لا يزال قائماً، فلا شك أن الإعلان اليدوي يمثل محاولة مستميتة لاستعادة هذه الصلة الشخصية التي انزوت مع مظاهر الحداثة المصطنعة والمجردة من المعنى والتواصل الإنساني. وعلينا أن ننتظر فترة إضافية لنرى ما اذا كان جميل وأمثاله سوف ينجحون في صنع «بيزنس» صغير قابل للحياة أم أن الحداثة السوقية التي نلناها أو نالت منا سوف تلقى به من جديد إلى عرض الطريق في حيه الشعبي بعيداً عن الأحياء الراقية المتحدية والتي تجردت من إيحاءاتها الإنسانية.

القاهرة ـ د. محمد السيد سعيد