«الجو رائع.. كل شيء جميل.. انظر هناك.. واو.. إنه يطير.. مدهش مدهش مدهش»، وأصوات وجمل أخرى تتناهى إلى مسامعنا، وأصحابها الكبار والصغار، الذين جاؤوا إلى مسرح مدهش، في المركز التجاري العالمي ليشاهدوا عروض نهار الاثنين، التي تتضمن الكثير من الفعاليات، ويشارك فيها بشكل خاص الأطفال المنتسبون إلى نادي أصدقاء مدهش.

«عندما أكبر سأكون مدهش ربما، لا أحد يعلم»، يقول حمد الطفل الذي لم يبلغ السادسة من العمر، في حين أن زميله محمد متأكد من المسألة، إنه في إمكان الطفل أن يغدو «مدهش».تقف طفلة عند الزاوية، وتعلق في رقبتها دمية مدهش الصغيرة، نتقدم منها لنسألها عن علاقتها بالدمية، تجيب أنها مشغولة بتناول الحلوى.

طفلة أخرى، فضلت التركيز على قيادة السيارة، كي لا تعرض نفسها ومدهش للخطر، وآثرت القيادة بدل الحديث إلينا، وزميلة إضافية لتلك الطفلتين، تأبطت «مدهش» وقالت باختصار شديد «هذا مدهش مالتي».وبناء على هذا الصمت الطفولي، فضلنا أن نلوذ الى كواليس عالم السحر والجمال، اللذين يلفان المسرح ومركز التجارة العالمي، وواكبنا الخطوات التي تسبق العروض من ألفها إلى يائها.

تتمترس في الخطوط الخلفية، مجموعة من الأجانب، الذين قدموا من دول مختلفة، أوروبية، وافريقية، وأميركية وغيرها، والجميع يقوم بحركات غريبة عجيبة، تسأل عنها، يتبين أنها للتحية، لأن العرض سيبدأ بعد قليل.شبان وشابات، ارتدوا أزياء تنكرية وتعبر عن الحيوانات، وواحد توحد مع اللون الأبيض، نقترب منه ونسأله عن دوره، فيجيب، «أنا درست في معاهد أوكرانيا للفنون المسرحية، وأقدم الفن الإيمائي.

فأنا مجرد صنم متحرك»، يدعى هذا الشاب «بوجي»، ويبلغ من العمر 27 عاماً، وعلاقته بالأطفال «أحبهم كثيراً»، لأنهم يتعاملون معي بلا مصلحة، وأشجعهم على المبادرة، فهم يتحسسونني، يلمسونني، ويريدون ان يعرفوا ما إذا كنت دمية أم آدمياً».تكمل الفرقة الأوكرانية استعداداتها، وهي تتألف من أكثر من عشرين فرداً، يشكلون سكان الغابة في أدوارهم، إضافة الى المهرجين والراقصين.

تعتلي الفرقة المسح، فتتشكل اللوحات الفنية، التي تزهو بالألوان والأشخاص، «فالتخاطب مع الطفل على مسرح ليس سهلاً، قالت لنا أدريانا قبل العرض، وهي التي تلعب دور القط في المسرحية، يتفاعل الأطفال شيئاً فشياً مع المعروض، تبدأ الأغنيات المشتركة والرقص، وتزداد حماسة الحضور بفعل تفاعل الأهالي مع المشاهد، التي لا تترك لحظة فارغة في العرض إلا وتملؤه.

نترك الأطفال والمسرح ونعود الى الكواليس، أو الخطوط الخلفية، حيث تجهز مجموعة من الشباب نفسها للعرض الثاني، يقف رجل ضخم البنية في الوسط ويتحدث الى أعضاء فرقة أوروبية وافريقية، نستمع إلى الحديث فيتبين لنا، أن الضخم إيطالي ويدعى ماركو، والافارقة جون وروي من «كيب تاون» من دولة جنوب افريقيا، أما الأوروبيون فمن بولندا وبريطانيا.

طبول وأرجل من الخشب، قال ان العرض يعيدنا الى زمن القراصنة، لكن ظننا نخطيء، فالأرجل الخشبية هدفها زيادة الطول، وسيزيدها أعضاء الفرقة الإيطالوـ بولندية على أرجلهم، وسيسيرون بها بين الجمهور المحتشد في قاعات مدينة مدهش، «أما الطبول فستعزف لتزيد من الحماسة» قال ماركو، وهو الذي أسس هذه الفرقة، وأطلق عليها اسم «سالتيمبانكو إيطاليانو»، وتضم حوالي ستين عضواً، وتتنوع عروضها، بين الحركات البهلوانية، والرقص وعروض النار.

ماركو مدير الفرقة، وشريكته في الإدارة تدعى سيلينا، وهي من أصول بولندية، «موجودة اليوم في قطر، لدينا هنالك عروض»، قال ماركو، الذي أخذ يعرفنا على أعضاء فرقته في دبي. مارك، بولندي الجنسية، وانضم إلى الفرقة عبر إعلان قرأه في صحيفة بولندية، وهو خريج أحد المعاهد المسرحية في بلده، يحب الأطفال، ولكن يخشى أن يحمل أحدهم أثناء المسير، «لأن حاجز اللغة يمنعني»، يقول مارك، أما يعقوب وآنيا فتعرفا على بعضهما هنا في دبي، وخلال فعاليات القرية العالمية، فأحبا بعضهما ووقعا في الغرام وخطبا.

آنيا ترى أن هذه العروض ممكن أن تشمل النساء، فهي ليست ذكورية فقط، أنا أيضاً أستطيع أن أسير على العصي، أما يعقوب، فلا يرى الزواج من آنيا على العصي، في حين «جمعتنا» يقول.تضم هذه الفرقة في دبي امرأتين، تحملان اسم آنيا، واحدة تسير على العصي والأخرى تعزف على الطبل، وهي تحب الأطفال كثيراً، لأنهم يذكرونها بابنتها البالغة من العمر خمس سنوات. آنيا لم تتحدث كثيراً إلينا، لأنها كانت منشغلة في التبرج، وتغيير شكل الوجه، «لأن الأطفال يحبون الألوان».

نتقدم من شاب آخر من الفرقة ذاتها، يعرفنا بنفسه فهو بارتك، نسأله عن طول العصي التي يضعها، فيقول «حوالي المتر»، ألا تخشون الوقوع منها أو التعثر أثناء المسير، سألنا، فأجاب «التدريب يعلّمنا جيداً كيف نسير» ولكن يصدف في بعض الأوقات أن يقترب الأطفال منّا، فيحاولون أن يعرفوا من أين هذا الطول، وإذا ما كنا عمالقة، فنتعثر، ولكن لم يصبنا أي مكروه حتى الآن.

تقف امرأة متحمسة جداً، فهي جاهزة للانطلاق، نكتشف أنها تلك البريطانية وتدعى جولي، «أحاول أن أسلي نفسي بهؤلاء الأطفال، ألا ترى سعادتهم؟».يلفتنا مشهد من نوع مختلف، وقفت فتاة تلعب بمربع وتمرره عبر جسدها النحيل. جلسة تحمية قبل العرض، هكذا يبدو على الأقل، فحاول الاقتراب منها فيتصدى لنا شاب جلس قريباً منها.

ووجهها باللغة الجرمانية. الشاب يدعى «شانس»، وجاء من ألمانيا ليشارك في هذه العروض، وهو مختص بالأكروباتيك، وتساعده خطيبته جانيت الألمانية أيضاً، وهي الفتاة التي كانت تتدرب، قال شانس، «نحن هنا لنقدم لوحات فنية أكروباتية، لنشجع الأطفال على الابتعاد عن المساوئ والتقرب من الرياضة الفنية، فأنا أقدم أكثر من عرض واحد، وستشاهدونني بعد قليل أطير بالشرشف، أما جانيت فلن تقدم عرضاً اليوم».

«مدهش... مدهش... مدهش... وزمامير» هتافات أطلقها أطفال ارتدوا الأبيض والأصفر، وعرفوا عن أنفسهم، إنهم أعضاء نادي أصدقاء مدهش: «نبي نشجع كل طفل يكون معانا»، قالت الطفلة سارة، «وجئنا إلى هنا لنتسلّى مع الأطفال». أضافت. يشرف على هذه المجموعة الكبيرة من الصغار عدد لا بأس به من المشرفات اللواتي حملن الزماميز وأطلقن العنان لأصواتها، وتوقفن بعد وقت قليل، لأن عرض الأطفال لن يبدأ قبل انتهاء الفرقة الروسية من عرضها المسرحي.

... وتخرج من خلف الستارة فتاة تزيّنت بالريش الأخضر، المشهد كرنفالي بامتياز. إنها «ماورة» التي جاءت من البرازيل لتمثل غابات الأمازون، هذا شيء جميل، ارتدت الأخضر لأنه على الأطفال أن يتعلموا أن البيئة والخضرة هي من أجل مستقبلهم، «ماورة» شاركت في كرنفالات «الريو» البرازيلية المعروفة، ولكن هناك لا مجال لرؤيتي أو مشاهدتي، «أما هنا، ففي إمكان الجميع أن يتعرفوا إليّ ويشاهدونني عن قرب».

«ماورة» قالت إنها تشارك للمرة الأولى في هذه الفعاليات، وهي تملك قلب طفل، كما قالت، وتستطيع أن تتحاور وإيّاهم بلا تكلّف أو تصنّع ومن غير اللجوء إلى لغة.تقطع «ماورة» الحديث معنا لتنادي أحدهم، «ماريو تعال إلى هنا»، قالت بالإنجليزية، وتقدمه لنا «ماريو جاء من كولومبيا، وهو يمثل الحقبة الارستقراطية في الزمن الغابر، وهو مثلي يحب الأطفال، ويمتلك مواهب عدة».

تتتالى الأميرات والأمراء، الذين مثلوا حقبات مختلفة من التاريخ بأزياء ملوّنة، أقل ما يُقال عنها رائعة، وأخذ الأطفال من نادي أصدقاء مدهش يتلمسونهم.تعلو صرخة مدوية «Standby» أطلقها ماركو ومعه جولي، «انتظام»، أطلقتها المشرفات على أطفال نادي أصدقاء مدهش، وعلتها الصافرات، وبدأ قرع الطبول إيذاناً ببدء العرض، أو المسير. صمت الأطفال والأهالي. شخصت الأنظار تجاه المسيرة الفنية، واللوحة الجمالية المتقدمة، أسلحة الأهالي عدسات الكاميرات.

وميض الفلاشات غطى المكان، التصفيق، والرقص والهتافات، وكل ما يمكن أن يعبّر عن البهجة والفرحة أطلق العنان لمفرقعات نفثت من داخلها أوراقاً ملونة، رقص الجميع وكان الإبهار سيد الموقف. يقف وراء هذا العرض تدريب وجهود من قبل القيمين على هذا المهرجان بكل تفرعاته وتفاصيله، إذ لا يمكن فصل أي تفصيل عن المشهد العام، الذي جعل من مركز التجارة العالمي مسرحاً واحداً للأطفال و«مدهشهم» أو «مدهشنا» جميعاً، هذه الشخصية التي يحبها الجميع، ويحاول التقرب منها والالتصاق بها وعدم مفارقتها.

أمن وأمان يسودان أجواء هذه الاحتفالية الكرنفالية، والتي لا شك يشرف عليها الكثيرون من أصحاب الاختصاص والكفاءة.«مدهش» كان في الأمس وقبله، وسيبقى غداً وبعده، فهو للأطفال وللناس جميعاً، لكن يبقى هم، لا بد أن نضعه في حسبان صديقنا «مدهش»، إذ يوجد أطفال لا يستطيعون زيارته فهل يقوم هو بزيارتهم؟ «مدهش» يمثل احتفالية كاملة بذاته، فهو أكثر من رسم أو زي، وهو أكثر من هوية وبلد.

كتب إبراهيم مشورب