في اليوم التالي للتفجيرات التي ضربت لندن، أطلقت السلطات البريطانية عملية أمنية واسعة تركزت على خطين، الأول: العمل على كشف الجهات التي تقف وراء التفجيرات في ظل الافتقار إلى أدلة ملموسة يمكن تعقبها، والثاني البحث عن مفقودين تردد أن جثثهم محتجزة داخل عربات قطار مدمرة، ما يفتح الباب أمام ارتفاع حصيلة ضحايا التفجيرات، التي أفادت أحدث الإحصاءات الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية أنها وصلت إلى 50 قتيلاً و700 جريح.
وترافقت التحقيقات التي مازالت تائهة أمام الكثير من الاسئلة التي أقر المسؤولون البريطانيون أنها ستكون «طويلة ومعقدة»، مع استبعاد الشرطة فكرة قيام انتحاريين بتنفيذ العملية، ومع جدل عن تقصير أجهزة الاستخبارات.
أما المسلمون الذين يخشون الانتقام فبدأوا يتعرضون لتهديدات عنصرية وسط دعوات من أئمة مساجد الجاليات المسلمة تحث على التعاون مع السلطات الأمنية حتى لو كانوا يعارضون السياسة الخارجية البريطانية. وفي أوروبا بات الخوف والحذر مسيطرين على القارة بعد تهديدات بتنفيذ تفجيرات مماثلة.
وفي وقت كانت العاصمة البريطانية تحاول العودة إلى حياتها الطبيعية، أعلن رئيس الشرطة البريطانية (سكوتلانديارد) ايان بلير ان الاعتداءات الأربعة التي استهدفت ثلاثة قطارات وحافلة مؤلفة من طابقين «تحمل بصمات القاعدة». معتبرا أن «توقيت» هذه الهجمات التي زرعت الرعب والأسى خلال 56 دقيقة، يدل على «انها لا يمكن ان تكون من صنع شخص واحد».
وأكد بلير «تصميم وعناد» الشرطة على توقيف المنفذين الذين قال ان أجهزة الأمن لا تعرف «إن كانوا فارين داخل بريطانيا او في مكان آخر او قتلوا».. ما يعكس ضآلة المعلومات المتوافرة لدى السلطات الأمنية. وكان هذا «المأزق» واضحا في إشارة بلير خلال مؤتمر صحافي عقده صباحا إلى «احتمال ان تكون هناك خلية إرهابية» لا تزال ناشطة في بريطانيا.
وامتنع بلير عن الإجابة على سؤال حول معلومات تفيد بأن الشرطة تبحث عن شخص اسمه محمد زيدي لم تعرف جنسيته بعد، وأنها اتصلت بأجهزة الشرطة الأوروبية والأميركية للبحث عنه، نظرا لاحتمال مغادرته الأراضي البريطانية، وأشار إلى أن «هناك خلية إرهابية لاتزال نشطة على ما يبدو، ويجري تعقبها».
في هذه الأثناء، استبعدت الشرطة فكرة إقدام انتحاري على تنفيذ العملية. وقال رئيس قسم مكافحة الإرهاب في سكوتلانديارد اندي هايمان إن«هذه الفرضية لا تستند الى اي إثبات إطلاقاً»، موضحاً ان الانفجار الذي وقع في الحافلة قرب محطة راسل سكوير لقطارات الأنفاق قد يكون نتج عن «قنبلة تركت على أحد المقاعد أو على الأرض» وفجرت عن بعد.
وستكون العناصر الأساسية في التحقيق تحديد نوع ومصدر المتفجرات المستخدمة وكيفية تفجير القنابل.. في حين أشارت التحقيقات إلى أن كلا من العبوات الأربع كانت تحتوي على خمسة كيلوغرامات من المتفجرات تقريباً، وهي أصغر بشكل واضح من التي استخدمت في تفجيرات مدريد في مارس 2004.
من جهة ثانية، رفض رئيس سكوتلانديارد الانتقادات التي تعرضت لها أجهزة الاستخبارات. وقال «لا شيء يوحي بأن هناك تقصيراً من الاستخبارات البريطانية»، على الرغم من اعتراف وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك بخفض مستوى التأهب لمواجهة التهديد الإرهابي في يونيو بعد الانتخابات التشريعية.
وقال مساعد مفوض الشرطة اندي هايمان إن خبراء الطب الشرعي لم يستطيعوا بعد الوصول الى احد أماكن الانفجارات بين محطتي كينغز كروس وميدان راسل سكوير لقطارات الأنفاق (المترو) بسبب خطر احتمال انهيار النفق، وأوضح أنهم سيواجهون مخاطر أخرى بينها وجود حشرات وهوام واحتمال وجود مواد خطرة في الهواء. وشوهد خبراء من الشرطة الجنائية بملابس سوداء للوقاية من المواد الكيميائية، يعملون في كينغز كروس حيث وقع أكثر الاعتداءات دموية.
كما انتشرت الشرطة بكثافة في كل أنحاء لندن تقريبا لاسيما في الأحياء التي تقيم فيها غالبية من المسلمين.وإلى جانب مهام خبراء الطب الشرعي الصعبة باشرت الشرطة فحص مئات الساعات من تسجيلات الدوائر التلفزيونية المغلقة لآلات تصوير الأمن المنتشرة في شبكة النقل في لندن. وطوال ساعات الأمس عملت القوى الأمنية جاهدة في أنفاق المترو لجمع الأدلة وانتشال الجثث، لكن أيا من المهمتين لم تنجز على الوجه المطلوب، فيما كانت حوالي عشر عائلات تبحث عن أفراد منها مفقودين ما يعني احتمال ارتفاع عدد القتلى.
واعترفت الشرطة أنها لا تعرف عدد الجثث التي لا تزال موجودة في القطار الذي حطمه الانفجار.وأكدت شرطة سكوتلانديارد مقتل سبعة أشخاص في التفجير الذي وقع بليفربول ستريت، في حين قتل 21 شخصاً في تفجير كينغز كروس وسبعة في انفجار ادجوار رود. وأبدى خبراء أمن حيرتهم في شأن أسباب انفجار إحدى قنابل لندن فقط في مؤخرة حافلة على ما يبدو ما أثار تكهنات بأنها ربما تكون قد انفجرت خطأ أثناء نقلها.
ومن بين المشاكل المرجح ان تواجهها الشرطة خلال الأيام المقبلة تزايد الإنذارات الكاذبة وهي مشكلة أيضا جرت مواجهتها في مدريد، إذ أعلنت الشرطة أنها تلقت ما يتراوح بين 30 و40 إنذارا كاذبا بوجود قنابل.
في هذه الأجواء العصيبة التي لم تمر على بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية، حاولت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية ، التي زارت بعض الجرحى في المستشفى، شد أزر شعبها والتهوين من وقع الصدمة بقولها إن «الإرهابيين لن يبدلوا نمط حياتنا». وشددت على أن مثل هذه الأعمال الوحشية «تعزز ببساطة شعورنا بالمشاركة وإنسانيتنا وثقتنا في حكم القانون. وهذه الرسالة الواضحة لنا جميعاً».
وأكدت الملكة أن الهجمات ستعمل على جعل الامة أكثر قوة. وفي إشارتها للمعاناة السابقة للندن من غارات ألمانيا النازية بالقنابل على المدينة وإرهاب الجيش الجمهوري الايرلندي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي قالت إنه «من المحزن إننا في بريطانيا معتادون على الهجمات الإرهابية كما يعرف أفراد من جيلي وخاصة في هذا الطرف من لندن إننا عانينا من ذلك من قبل».
من جانبه، شدد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ان الإرهابيين وحدهم مسؤولون عن اعتداءات لندن رافضاً ضمناً احتمال أن تكون أجهزة الأمن والاستخبارات قد ارتكبت أخطاء.وأعلن في المؤتمر الصحافي الختامي لمجموعة الثماني في اسكتلندا والتي انتهت على عجل: «اعتقد ان هؤلاء الذين يقتلون الأبرياء ويتسببون في حمام من الدماء هم المسؤولون وهم فقط المسؤولون».
ولمواجهة حالة الغضب التي قد تنشر بين البريطانيين، ندد أئمة المساجد في لندن في خطب الجمعة بالاعتداءات الدامية ودعوا المسلمين إلى التعاون مع السلطات حتى ولو كانوا يعارضون السياسة الخارجية البريطانية.
وقال الشيخ اشرف صلاح في خطبته التي ألقاها في مسجد ريجنتس بارك المركزي «إن أفكارنا وصلواتنا وتعازينا تتوجه الى جميع ضحايا الاعتداء الرهيب الذي حصل الخميس»، مضيفا «أن أي اعتداء هو اعتداء علينا جميعا».وتابع «ان الإسلام يندد بهذا العمل الكافر»، داعياً «الجالية الإسلامية إلى التعاون بشكل كامل في هذه الظروف».
وفي مسجد فينسبوري بارك، الذي كان يؤمه حتى مايو 2004 أبو حمزة المصري، دعا الشيخ محمد كزبري المؤمنين الى «مساعدة السلطات بكل الوسائل والتبرع بالدم ومساعدة الضحايا» كما ندد الشيخ محمد عبد الباري أمام مسجد شرق لندن بالاعتداءات ودعا الى التعبير بشكل سلمي عن معارضتهم لسياسة الحكومة، كما دعا البريطانيين الى عدم تحميل الجالية الإسلامية مسؤولية الاعتداءات التي وصفها بالمجزرة.
وسجلت ردود فعل داعمة للندن من كل أنحاء العالم. وأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ان الحلف لم يتبن اي طلب مساعدة، إلا انه «سيبقى مستعداً» للمساعدة في حال دعت الحاجة.. في حين سيناقش وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي الذين سيجتمعون الأربعاء في بروكسل انعكاسات اعتداءات لندن.
أما على المستوى الأوروبي، فبات الحذر مسيطراً على سكان القارة الأوروبية وخاصة إيطاليا، التي تلقت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية تحذيرين من جماعتين مختلفتين تزعمان أن لهما صلة بتنظيم القاعدة، ووصفت جماعة تطلق على نفسها اسم تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية روما بأنها «عاصمة الكفار» في رسالة تهديد على شبكة الانترنت.
وقامت ايطاليا، مثلها مثل العديد من العواصم الغربية، بنشر المزيد من رجال الشرطة السرية لحراسة وسائل النقل العام وزادت من الأمن في المطارات وقالت انها فرضت حراسة خاصة على أكثر من 13 ألف «موقع حساس». لكن شن هجوم ما يبدو محتوماً بالنسبة لكثير من سكان روما.