السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 حذرت بلدية دبي من مغبة فقدان الدولة ثروتها السمكية في غضون 25 سنة المقبلة إن لم تتحرك الجهات المعنية لاتخاذ اجراءات فورية وحاسمة لوقف استنزافها، والحيلولة دون الكوارث التي تؤدي بحياة اعداد مهولة من الكائنات البحرية. جاء ذلك على ضوء النتائج التي توصلت إليها دراسة علمية قامت بها هيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها في ابوظبي بالتعاون مع المجموعة العلمية النيوزلندية، وتضمنت مسحا شاملا لمياه الدولة باستخدام سفينة الابحاث المتخصصة «فليندرز» خلال الفترة من 2 فبراير 2002 ولغاية 23 يناير 2003. ودعا المهندس حسين ناصر لوتاه مساعد مدير عام بلدية دبي لشئون البيئة والصحة العامة الجهات المعنية بالثروة السمكية إلى ضرورة أخذ النتائج التي خلص إليها مشروع مسح مخزون الموارد السمكية بالدولة على محمل الجد والعمل على اتخاذ اجراءات سريعة وكفيلة بمواجهة ما أسماه بالمشكلة الكبيرة، مؤكداً على ان السمك الذي حافظ على مكانه على مائدة أهالي المنطقة على مدى القرون الماضية ظل رغم الطفرة الهائلة في علم الجينات الوجبة الاساسية الوحيدة الخالية من المركبات العضوية والمكونات الكيميائية. إلا انه استطرد قائلا: مع ذلك فان هذه الثروة الوطنية والاقليمية أصبحت اليوم مهددة بالانقراض إن لم تدخل التشريعات والضوابط الكفيلة بالحد من استنزافها حيز التنفيذ الفعلي، ولم تفعل اللوائح البيئية في تقنين الممارسات السلبية، وحالات التلوث التي تشهدها المياه الاقليمية بين الحين والآخر. وأوضح ان الثروة السمكية رغم ما صدر بشأنها من قوانين ولوائح إلا أنها ما زالت تواجه الاختراقات ذاتها، من صيد جائر، وتلويث البيئة البحرية، وافتقار ارضيتها إلى آلية التعويض، والرقابة، وعليه فان دولة الامارات حسب الدراسة تفقد نصف طن من الاسماك لكل كيلو متر مربع كل 5 سنوات. انحدار كبير وأظهر المسح الذي اجرته هيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها، انحدارا كبيرا في وفرة الاسماك القاعية منذ المسح الاخير الذي تم في عام 1978، وذلك بالنسبة للانواع التجارية وغير التجارية على حد السواء، وبلغت كثافة الانواع القاعية 19% في الخليج العربي، و7% فقط على الساحل الشرقي من الكثافة المقدرة خلال المسح عام 1978. وحسب ما جاء في مجلة «الامارات والبيئة» فقد انتهت هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها من مشروع مسح مخزون الموارد السمكية، وفق دراسة بنيت على أسس علمية سليمة لتقدير مدى الاستنزاف الذي حصل لهذه الثروة المهمة على مستوى الدولة. ويهدف مشروع مسح مخزون الموارد السمكية إلى القيام بمسح شامل للبيئة في الدولة من اجل تقدير الموارد السمكية والبحرية في مياه الدولة عن طريق المسح الصوتي، اضافة إلى عمليات الصيد لتجميع المعلومات عن الوفرة وتوزيع الموارد السمكية والبحرية في مياه الدولة وتقدير الانتاج المحتمل. كما استهدف المشروع الحصول على تقديرات محسنة عن حجم المخزون للانواع الرئيسية من الاسماك القاعية والاسماك السطحية الصغيرة، وذلك لتحديث النتائج السابقة، وتقديم بيانات أكثر تفصيلا ودقة عن تلك الموارد، وتحديد معدلات صيد الانواع الرئيسية من الاسماك، والانواع ذات الاهمية التجارية، وذلك حسب الموقع، وعمق المياه، والموسم، وارساء حدود آمنة لمستويات استغلال الانواع الرئيسية، والقيام بدراسات بيولوجية للانواع الرئيسية، وتوفير البيانات المتعلقة بعلوم البحار، والانظمة البيئية الاساسية ذات العلاقة بوفرة وتوزيع الموارد السمكية، وبماء القدرات التقنية للمواطنين الذين يعملون في البحوث السمكية بالنسبة لتقنيات المسح وتقدير المخزون. ولتحقيق هذه الاهداف تعاقدت هيئة ابحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها في ابوظبي مع المجموعة العلمية النيوزلندية على اجراء مسح لمياه الدولة باستخدام سفينة الابحاث في الفترة من الثاني من فبراير 2002 ولغاية 23 يناير 2003. وعقب توقيع العقد تم اجراء مسح لمياه الدولة استغرق عاما كاملا تقريبا باستخدام سفينة الابحاث «فليندرز» وتم بذل جهد لتغطية المنطقة الاقتصادية الخالصة لدولة الامارات ضمن هذه المسح، والذي تم تنفيذه باستخدام تقنيات المسح الصوتي وعمليات الصيد باستخدام شباك الجر، والقراقير، وفق اسلوب منظم لاخذ العينات يضمن التغطية الشاملة. وقد بلغت عدد الرحلات البحرية التي تم القيام بها على مدى 200 يوما 12 رحلة شملت 250 محطة صيد بشباك الجر، و20 ألف كيلو متر من الخطوط المستعرضة التي تم من خلالها المسح الصوتي، كما تم ايضا اجراء دراسات علوم البحار، والانظمة البيئية الاساسية ذات العلاقة بوفرة وتوزيع الموارد السمكية، وتم جمع بعض البيانات من صور الاقمار الصناعية. الحالة البيئية ودلت الاحوال البحرية على وجود كتلتين مائيتين منفصلتين في مياه الدولة، ففيما يتمتع الساحل الشرقي بخصائص محيطية تتميز بتغيرات فصلية بسيطة بالنسبة للملوحة والحرارة، تتعرض مياه الخليج العربي إلى تقلبات اوسع بالنسبة لحوض ذي مياه ضحلة ومحصورة نسبيا. وتتعرض المياه الاقليمية في الخليج إلى ظروف بيئية قاسية مع تفاوت كبير في درجات الحرارة التي تتراوح بين 21 درجة مئوية في فصل الشتاء، و35 درجة مئوية في الصيف، كما تم تسجيل درجات ملوحة مرتفعة أكثر من 40 جزءاً في الالف خلال السنة. وبسبب ضحالة مياه حوض الخليج العربي، يحدث مزج كامل للعمود المائي، حيث تبلغ درجات الحرارة والملوحة المستويات نفسها بالنسبة للسطح والقاع، كما ان هناك عدداً أكبر من الخصائص المحيطية التي تظهر في الساحل الشرقي مع تغيرات بسيطة في درجات الحرارة والملوحة، وتحافظ المياه القاعية على درجة حرارتها نسبيا خلال السنة، أما مياه الامارات الشمالية فتتميز بتغيرات معتدلة في درجات الحرارة والملوحة مما يظهر خصائص مياه الخليج العربي، اضافة إلى الخصائص المحيطية لخليج عمان على الساحل الشرقي، فضلا عن الترابط بين وفرة وتوزيع الموارد السمكية من جهة، والاحوال البيئية من جهة اخرى. الموارد القاعية ويمثل مشروع مسح الموارد السمكية المسح الاول المنظم والشامل من حيث المساحة والوقت للموارد القاعية لمياه الدولة، وتقدم نتائج هذا المسح معلومات وافية حول وفرة الانواع، اضافة إلى معلومات حول محصول معدل الصيد والتوزيع المكاني والزمني لانواع مختلفة من الاسماك القاعية ومجموعات الاسماك. وقد تم خلال المسح تسجيل 280 نوعا، وتراوحت تقديرات مجمل الكتلة الحية للاسماك القاعية باستخدام المسح الصوتي بين 20 ألفاً، و100 ألف طن، أما باستخدام المسح بشباك الجر فتراوحت هذه النسبة بين 22 ألفاً، و 45 ألف طن، وتشمل التقديرات كافة الموارد القاعية من الانواع التجارية وغير التجارية. أما تقديرات الكتلة الحية للانواع العشرين الرئيسية والتي شكلت 86% من مجمل المحصول في مناطق انزال الاسماك، فتراوحت بين 6 آلاف طنا خلال الصيف، و16 ألف طنا خلال الشتاء. نتائج المسح وأظهر المسح انحدارا كبيرا في وفرة الاسماك القاعية منذ المسح الاخير الذي تم في عام 1978، وذلك بالنسبة للانواع التجارية وغير التجارية على حد السواء، وبلغت كثافة الانواع القاعية 19% في الخليج العربي، و7% فقط على الساحل الشرقي من الكثافة المقدرة خلال المسح عام 1978. اضافة إلى ذلك فقد اظهر المسح ان معظم الانواع القاعية تعكس تغيرات موسمية كبيرة في الوفرة، ولذلك علاقة قوية بالتغيرات الموسمية للمناخ، ويمكن تقسيم الموارد القاعية من حيث الحركة إلى نوعين رئيسيين، الاول ويشمل الانواع المستوطنة مثل الهامور والشعري والزريدي والبدح، والتي تتوزع بشكل متساو على طول ساحل الدولة، اما النوع الثاني فهو يشمل الفسكر والنيسر والصافي والكوفر والجش والقد. وتتراوح مجمل الكتلة الحية والموارد السطحية الصغيرة التي تم تقديرها خلال المسح بين 43 ألف طن خلال فصل الصيف، و200 ألف طن خلال فصل الشتاء، وتتكون معظم الكتلة الحية التي تشكل نسبة 60% من اسماك صغيرة مثل السردين واسماك الانشوجة والتي تصنف أسماك طعم. وبالمقارنة مع نتائج المسح الذي اجري عام 1978 يتبين ان هنالك تغيرا بسيطا في الكتلة الحية لهذه الانواع، ويمكن تلخيص أهم الملاحظات الخاصة بالاسماك السطحية بأن هناك تغييراً بسيطاً في الكتلة الحية لهذه الانواع منذ عام 1978، كما تظهر وفرة الانواع السطحية الصغيرة تغيرا موسميا ملحوظا يرتبط بتغيرات توزيع العوالق البحرية، وتظهر الانواع السطحية الصغيرة في مجموعات صغيرة مما يجعل استغلالها تجاريا أمرا صعبا. تقدير ونمذجة الموارد كما تم القيام بعملية النمذجة للانواع العشرين الرئيسية باستخدام البيانات البيولوجية وبيانات تقدير العمر التي تم جمعها خلال المسح، ومن خلالها فان الانتاج السنوي المتوقع والذي يمثل مجموع المخزون الذي يمكن استغلاله بطريقة مستدامة للانواع العشرين الرئيسية يبلغ 15 ألف طن في الدولة بشكل عام، منها 13 ألف طن في مياه الخليج العربي لدولة الامارات، وألفي طن في مياه الساحل الشرقي للدولة. وتفترض هذه التقديرات ان يتم المحافظة على المستويات الحالية للامداد، اما غيرها من الانواع مثل العندق، والجن ، والطرشي، والخوفا، والتي تساهم في محصول الصيج التجاري، فلم يتم ادخالها ضمن هذه التقديرات. من جهة أخرى واستنادا إلى تحليل بيانات مسح مناطق انزال الاسماك تبين انها تزيد تقدير المحصول المتوقع 15% فقط، مما يدل على ان الصورة الاخيرة للمحصول المتوقع لا يزيد على 20 ألف طن. النقاش والمقترحات وقام مشروع مسح الموارد السمكية بتأمين المجموعة الاولى من البيانات الخاصة بالموارد القاعية والموارد السطحية الصغيرة المستقلة والخاصة بالدولة منذ 25 سنة والمسح الشامل الاول لهذه الموارد، ومن النتائج الرئيسية للمسح ان مياه الخليج العربي وخاصة المياه الاقليمية للدولة، تتميز بكونها منطقة لتكاثر الاسماك القاعية المستوطنة والمتحركة، كما يلاحظ ان هناك انحدارا كبيرا في وفرة الاسماك القاعية التجارية وغير التجارية منذ عام 1978، ولا يمكن نسب هذا الانحدار إلى الصيد الجائر فقط، كما خلصت الدراسة إلى التأكيد على انه على وجه التقريب فانه يتم استغلال كافة الانواع المهمة إلى الحد الاقصى لها، وانه بالرغم من ان وفرة الاسماك السطحية الصغيرة لم يتغير نسبيا، إلا ان حجم المجموعات لهذه الانواع صغير، الامر الذي يجعل من الصعب استغلالها تجاريا. وبناء على هذه النتائج فانه يمكن التأكيد على ان مخزون الاسماك في الدولة بما فيه الاسماك القاعية يشكل جزءا من المخزون الكبير للخليج العربي وخليج عمان، وعليه من الصعب القيام بادارة هذه الانواع في كل امارة على حدة، ويجب القيام بتعاون على الصعيد الوطني والاقليمي لادارة هذه الموارد. كما تبينت الحاجة الملحة لمزيد من الدراسات مثل الترقيم وتحليلي الحمض النووي لتحديد تحركات وهيكلية المخزون للقسم المتحرك من الانواع القاعية. وان التغييرات الساحلية في الدولة وتشمل نشاطات الجرف واستصلاح الاراضي، وحفر القنوات في البحر ساهمت في انحدار موارد الاسماك القاعية، وحقيقة ان موارد الانواع التجارية وغير التجارية قد تأثرت، تشير إلى ان السبب الرئيسي لهذا الانحدار يعود إلى التغيرات البيئية وتدهور الموارد، ومن الضروري القيام بتحويل جذري لادارة موارد الاسماك من حماية الانواع إلى حماية النظم البيئية. كتب خالد درويش: