السبت 10صفر 1424 هـ الموافق 12 ابريل 2003 عندما يصدر قرار صائب من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع لا يستغرب منه ذلك، فهو ابن بجدتها، كيف لا وهو خريج مدرسة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، تتلمذ على يديه فأخذ منه أخلاق الشرق، ثم تصفح الدنيا فتعلم منها علم الغرب. ـ إذن قراراته نابعة عن علم عميق، وفكر ثاقب، وايمان راسخ بأن الدنيا لا تبنى إلا بالعلم، والآخرة لا تعمر الا بالتقوى. من هنا فإنه يلتفت إلى دنياه تارة فيؤسس اركانها على ثوابت يؤمن بها بأنها منتجة ان شاء الله. ويلتفت إلى آخرته تارة اخرى فيعمل لها من خلال علم ينتفع به، او صدقة جارية او ولد صالح يدعو له. ـ وسموه عندما يفعل ذلك لا ينتظر من الناس ثناء ولا شكوراً، لانه يشعر بشعور الراعي الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والحاكم راع ومسئول عن رعيته، وصدق من قال: لا ينزل المجد إلا في منازلهم كالنوم ليس له مأوى سوى المقل ـ نعم هو يريد ان يقدم كل ما عنده لكي يبرأ ذمته امام الله رب العالمين لكن مع ذلك فإننا من واجبنا ان نشكره، ونفرح بانجازاته، لاننا في النهاية يشملنا الحديث الذي يقول: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. هذا اذا كان فرداً عادياً، فكيف بالحاكم الذي به تصلح الرعية؟ ـ ان قرار انشاء مجلس التعليم في دبي الصادر يوم 2/4/2003 ان لم يكن اول قرار اصلاحي صدر فإنه من غير شك يأتي على رأس الاولويات. ذلك ان التعليم يعني اعداد النشء للحياة، والتعليم هو تأمين المستقبل، ومستقبلنا نحن ابناء القرن الواحد والعشرين غير مستقبل ابناء القرن العاشر من الميلاد. الا ترى ان الحروب اليوم تدار الكترونياً، وعقود المعاملات تبرم عبر الانترنت بل وعقود الزواج والطلاق تتم عبر الانترنت ايضاً، ضاربين بذلك الاساليب والوسائل البدائية عرض الحائط. ـ واكثر من ذلك فإن الكثير من القضايا التي تحلها الحواسيب وشبكة الانترنت تحلها بعيداً عن الشرع والعرف. ما ذلك الا لأن اموراً استجدت، وقضايا استحدثت، لم تعرفها الشرائع السابقة. ـ واننا ازاء ذلك إما ان نقف منكرين لها، واما ان نستقبلها بعجرها وبجرها، وكلتا الحالتين محفوفة بالمخاطر. اذ لا يعقل ان ندير عصرنا الحاضر بعقلية ما قبل قرون، ولا يعقل ايضاً ان نتقبل كل ما ينتجه العصر الحديث من غير ان نعرضه على الدين والعقل والعرف. ـ ان الحل الوسط والمعقول ان نمنح انفسنا مرونة لتدارس المستجدات، ثم نلبس لباس التقوى فنبتعد عن المهلكات التي تكاد تكون محصورة فيما يسمى بالكليات الخمس: حفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ العرض. ـ لكي نكون قادرين على حفظ هذه الكليات الخمس يجب ان نتسلح بالعلم والايمان، ولن ينتفع الانسان بالعلم والايمان اذا لم يتشربهما منذ الصغر. ـ الا ان الحياة سلوك وممارسة، والطفل هو المرشح لتقبل كل السلوكات في طفولته، لانه يظل ناصعاً كالمرآة، بريئاً كماء المزن، صافياً كصفاء اللبن. ـ وهذا الطفل بحكم طفولته يحمل مع صفائه وبراءته الكثير من الشقاء والانانية والعنف وحب التمرد، لذلك فإنه قد يغلب مربيه ومدربه، فيجعله يرضخ لمطالبه، وكلما رضخ اكثر ازداد هو تحكماً في مربيه. من هنا فإن الاسكندر الاكبر قال ذات يوم لطفله الصغير: يا بني انا احكم العالم وامك تحكمني وانت تحكم امك، اذن انت تحكم العالم. ـ من هنا اقول بأن الاهتمام بالطفل اهتمام بالعالم ومستقبل الامة باكملها، ولكي يصلح هذا الطفل ان يقود العالم لابد ان تغذي طفولته بما يهيئه معرفياً ووجدانياً ومهارياً، ونأخذه بين الترغيب والترهيب. ـ ثم نقدم له الجرعات المفيدة على طبق يشتهيه، ونحترم افكاره ونستثمر قدراته، ونوجهه نحو تحقيق الاهداف، وبلوغ الغايات، وقبل ان نطالبه بما نريد نحقق مطالبه المعقولة، ولا نرهقه بما لا يطيق. ـ نعم ومجلس التعليم لا يبدأ عمله من الصفر، بل يجد نفسه امام هيكل تعليمي قائم، له سلبيات وله ايجابيات، وينتظر من المجلس ان يعزز الايجابيات ويعالج السلبيات. ـ ولعل من اكبر السلبيات ان ابناءنا يدرسون ولا يدرون لماذا يدرسون، ثم انهم يدرسون ما لا يطبقونه في حياتهم اليومية، او يدرسون ما لا يرغبون فيه، والسبب ان العلم يقدم لهم بطريقة غير ملائمة. ـ وانني الاحظ ان هناك سلسلة من المنغصات، فالمناهج والقرارات لا يشارك في صنعها الطالب ولا ولي امره ولا المعلم ولا الموجه. والوسائل التعليمية لا تتوافر في الوقت المناسب وللمادة المناسبة، وبالقدر المناسب، والمبنى لا يلبي احتياجات المادة والمعلم والمتعلم. ـ نعم عندنا مناهج وكتب وعندنا تقويم وامتحانات، وعندنا الوسائل والمباني والمرافق لكنها مازالت بالاسم. وعلى سبيل المثال اذا كانت المدارس النموذجية قد اثبتت جدارتها فلابد ان تكون كل المدارس كذلك، والا فما ذنب اولئك الذين لم ينالوا التعليم بالكم والكيف اللذين نالهما هؤلاء؟ واذا كان خريجونا في الثانوية العامة يحصلون على معدلات فوق 95%، فلماذا تشكو الجامعات منهم عندما يلتحقون بها، او لماذا لا يستطيعون ان يكتبوا رسالة موجهة إلى عميد الكلية يطلبون فيها الالتحاق بالجامعة؟ ـ من هنا فإن المنتظر من هذا المجلس ان يكون قلب التعليم النابض بدم الحياة في شرايين ابنائنا، ويكون الدماغ الذي يجدد خلايا المناهج والامتحانات والوسائل في جسم المدارس. ويكون الخيال الواسع الذي يتسع للعلوم والمعارف والمهارات التي يتطلبها عصرنا الحاضر ويتنبأ باحتياجات المستقبل. ـ وفي اعتقادي ان ذلك ممكن مادام قد تبناه رجل لا يعرف المستحيل، الا وهو سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله، وقد وضع سموه على رأس هذا المجلس مخضرما عايش التربية وعاصرها، الا وهو الدكتور خليفة محمد أحمد رئيس ديوان سمو حاكم دبي. ـ أما اعضاء المجلس ففي اعتقادي انهم الخوافي والقوادم التي بهم يستطيع ان يحلق في آفاق التعليم فيطور ما يريد التطوير، ويستحدث ما يريد الاستحداث، وقد كفى ثلاثون عاماً مضت من عمر الاتحاد ان يشخص اللبيب مواطن الخلل من خلاله، أليس كذلك؟