الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 نظم قسم اللغة العربية بجامعة زايد مساء أمس الاول امسية ثقافية قدمها المفكر العربي الدكتور جابر عصفور امين المجلس الاعلى للثقافة بجمهورية مصر العربية بعنوان «العولمة والهوية الثقافية» بحضور الدكتور حنيف حسن مدير جامعة زايد والسفير عبدالعزيز داوود قنصل مصر العام بدبي والامارات الشمالية وحاتم قابيل المستشار الثقافي المصري وعدد من الشخصيات المهمة والفعاليات الثقافية بالدولة. وأوضح الدكتور حنيف حسن مدير الجامعة ان جامعة زايد تنظم الامسيات والندوات الثقافية على مدار العام الجامعي بفرعيها بأبوظبي ودبي وذلك في اطار برنامجها الثقافي والعلمي الذي يستقطب كبار العلماء والمفكرين والادباء العرب الذين يساهمون باعمالهم في تأكيد الهوية الثقافية العربية ودعم ارتباط وانتماء طالباتها لتاريخهن العربي والاسلامي وتطوير مفاهيمهن الثقافية وهو ما ينعكس ايجابا في تميزهن في دراساتهن العلمية والاكاديمية الى جانب تعزيز دور الجامعة كمركز اشعاع علمي وثقافي في المجتمع، مشيراً الى الامسيات الدينية والثقافية التي نظمتها الجامعة في المناسبات الدينية والقومية الوطنية المختلفة مما يؤكد على تجسيدها لرسالتها العلمية والتعليمية وارتباطها الوثيق ببيئتها المحيطة وقضايا مجتمعها على مختلف الاصعدة الى جانب انفتاحها على العالم واستقطابها الخبراء الدوليين في مختلف التخصصات لاثراء العمل الاكاديمي وتقديم الخدمة العلمية للمجتمعة وهو ما يشكل جوهر فلسفة العمل بالجامعة والتي يتابع تنفيذها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، رئيس جامعة زايد. ومن جانبه تناول الدكتور جابر عصفور في محاضرته تفسير العولمة التي فرضت على العالم كله واقعاً نوعياً ملموسا على مختلف المستويات، وتسببت في تحرك جذري عصف بالحدود التقليدية بين الاقطار في مجالات رأس المال والتقنية المتقدمة والمعلومات المرتبطة بادوات اتصال جديدة وتبادل السلع التي غدت المعلومات نفسها جانبا منها. واوضح ان شيوع لفظ العولمة دون غيرها في اللغة العربية يدل على حال من التوجس الذي يشير الى تعميم منظومة العولمة التي لا يخلو معناها من عنصر قسر يفرض به طرف اقوى ما يريده على بقية الاقطار وذلك على نحو تغدو به العولمة العملية التي تدخل بها اقطار العالم في نظام واحد يعولمها داخل اطاره الشامل الذي لا يفارق مركزا بعينه فلا يفارق دلالة الهيمنة لاكثر من سبب حيث تكون النتيجة واحدة في مستوياتها المتعددة من منظور تجاوب المصالح الاقتصادية للشركات متعددة ومتعدية الجنسية أو بواسطة التبادل المحكوم للمعلومات التي تحولت الى سلع جديدة ووسائل للهيمنة مع متغيرات قوى الانتاج الرأسمالي مؤكداً ان العولمة في كلا المعنيين تنحو الى تأكيد العام الذي يقلل من أهمية الخاص وتضع قيمتها الثقافية الكونية موضع الصدارة بالقياس الى قيم الثقافات الوطنية الامر الذي يطرح على الفور أشكال الخصوصية. واضاف الدكتور عصفور ان اتجاه التنوع الخلاق الذي تتبناه دول العالم الثالث وتدعمه داخل الامم تعميما وداخل اليونسكو تخصيصا هو الاتجاه الذي يمكن ان يواجه امكانات التوحيد القسري التي تتضمنها العولمة ويدفع بها الى منحنى انساني يعين على رفع الظلم الواقع على دول الجنوب الفقيرة وقد وجد هذا الاتجاه صياغته في تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية الذي اصدرته الامم المتحدة عام 1995 الذي يؤكد على الاخطار التي تهدد التنوع البشري الخلاق أو في ابرازه تحديات العولمة التي تتطلب خرائط عقلية جديدة. واشار أمين المجلس الاعلى للثقافة بجمهورية مصر العربية الى ابرز ما تؤكده نزعة التنوع الخلاق التي ينطوي عليها هذا الموقف هو احترام الهويات الثقافية للشعوب ومراعاة خصوصية كل تجربة تاريخية والتخلي عن مركزية النظرة أو أحادية التوجه والايمان بالحوار بين القوميات والمعتقدات والانظمة والتي تؤكد أن نزعة التنوع الخلاق تؤكد العلاقات المتكافئة بين الامم والثقافات اقتصاديا وسياسيا ومعرفيا وذلك من المنظور الذي يضفي على الاعتماد المتبادل معنى يناقض المعاني القديمة للتبعة والاتباع ويضيف دلالة جديدة الى مفاهيم الاستغلال التي تتأكد بالتفاعل بين الحضارات والثقافات والدول لمواجهة المشكلات العالمية، موضحاً ان هذه النزعة تواجه هيمنة العولمة بنوع معارض للقيم التي تنقض المركزية والتسلط بكل أشكاله وتتصدى لامكانات الامركة السياسية التي تصاحب بعض توجهات العولمة المتكافئة بين الأمم من منظور التنوع الخلاق وتسعى الى ان تستبدل بالحركة وحيدة الاتجاه لرأسمال الشركات متعددة الجنسيات حركة مغايرة من الاعتماد المتبادل الذي ترعاه منظمات دولية. واوضح الدكتور جابر عصفور ان الامر الاخير امر بالغ الاهمية في مواجهة بعض الحذرين من دعاة الثقافة الوطنية، اولئك الذين قد ينتهي بهم الافراط في الحذر الى التصلب الذي يؤدي الى رفض وضع هذه الثقافة موضع المساءلة كما لو كانت كيانا متعاليا لا يقبل النقد، والذين لا يكفون عن مهاجمة العولمة بوصفها شرا مطلقا. وازاء الاثر السلبي لافراط هؤلاء، وخوفهم البالغ على الثقافة الوطنية ينبغي ان يؤكد المرء الفارق بين فعل نقد الثقافة الوطنية واتهامها. فعل النقد هو الحركة الجسورة للعقل الذي يضع خطابات الثقافة الوطنية موضع المساءلة في تعددها وتعارضها. وعلى رأسها الخطاب الاصولي التسلطي (ايا كان مسماه) الذي ينغلق بالثقافة الوطنية على نفسها، وينظر نظرة الاعلى الى الادنى لكل ما يغايره، متوهما امتلاك اليقين المطلق: ماركسيا أو قوميا أو دينيا. والخاصية البارزة في هذا الخطاب الاصولي هي خاصية رد الفعل الدفاعي الذي ينقل الى عصاب يلوذ فورا بوهم المؤامرة التي يتخيلها تسعى الى تشويه النقاء الخالص للهوية والنيل منها، فينتهي الامر بهذا الخطاب الى الرفض المطلق لكل ما يأتي من خارج الثقافة الوطنية بزعم الدفاع عنها. واذا كان الوعي النقدي قادرا علي أن يضع نفسه موضع المساءلة. كي يحرر نفسه من اوهامه الذاتيه، فإنه قادر على نقد خطابات العولمة والتمييز بينها في الوقت الذي ينقد فيه خطابات الثقافة الوطنية ويمايز بينها، تحريرا للهوية الثقافية من احتمالات الاتباع وتحريرا للواقع من مخاطر التبعية