السبت 19 محرم 1424 هـ الموافق 22 مارس 2003 تحدثنا في المقالين السابقين عن القدر المشترك بين الشرطة والتربية والشئون الاجتماعية، واقترحنا بعد ذلك عدة اقتراحات، وقلنا انه بإمكان هذه المؤسسات الثلاث ان تحقق المطلوب اذا قامت بالتنسيق فيما بينها. وكان الحديث منصباً على المواطنين باعتبارهم المستهدف الأول من انشاء هذه المؤسسات وغيرها من المؤسسات الحكومية والجمعيات ذات النفع العام. واليوم سوف أتحدث عن العمالة الوافدة، ولعل القارئ يتعجب فيقول: وما علاقة العمالة الوافدة بالشرطة والتربية والشئون الاجتماعية، وإنني سوف أقول: يفترض ألا تكون لهم علاقة مباشرة بهذه المؤسسات، لكن بما أن الوافدين في بلادنا يشكلون ثلاثة أرباع السكان، أو 85% فإننا يجب علينا أن نتحدث عنهم في كل موقع وموضع. فمن جهة نجد أن باب الزواج من الأجنبية مفتوح على مصراعيه، ومن ثم فإن نسبة كبيرة من هؤلاء الوافدات هن زوجات المواطنين، وأمهاتهم واخواتهم وخالاتهم. ومن جهة أخرى فإن نسبة أكبر من الخادمات في البيوت والمربيات والحاضنات والممرضات والطبيبات والموظفات في المكاتب والأسواق من الوافدات. وهؤلاء أو أولئك لا يمكن أن نعتبرهن مواطنات ولا أجنبيات وافدات، لماذا؟ لأنهن يعشن معك ومعي ومع أولادنا منذ عشرين سنة أو أقل أو أكثر، مما جعلهن يتركن بصماتهن علينا وعلى أولادنا. ومن جهة أخرى أيضاً نجد فئة من الأطباء والمهندسين والعمال وغيرهم يملأون أروقة المؤسسات الحكومية والخاصة، وكذلك الشوارع والمزارع والبيوت. ـ إذن عندما نقول المجتمع لا نعني به المواطنين فقط، أو العرب فقط، بل كل هذا الخليط الذي لا يمت لبعضه إلى بعض بصلة الدم، أو اللغة أو الثقافة أو التاريخ، اللهم إلا مصلحة العمل التي تجمعهم حينا وتفرقهم حينا آخر. ـ إنني لا اعترض على وجودهم، لأن الذي استقطبهم هو أدرى مني بالمصلحة، وهو المسئول عنهم أولاً وأخيراً. ـ لكن أود أن أقول بأنهم في النهاية أفراد هذا المجتمع أو الجزء الاكبر من هذا المجتمع. فإذا دخلت البيت أجدهم امامي، واذا دخلت المدرسة اجدهم امامي، وإذا دخلت المستشفى وجدتهم امامي، واذا دخلت المتاجر والاسواق وجدت البائع والمشتري منهم، واذا طلبت مقاول البناء وجدت المهندس والعامل منهم. ـ اذن هم المجتمع، ولذلك ارى من الضروري الاهتمام بهم تربويا وصحيا واجتماعيا وامنيا، لأنهم اذا لم يوجهوا ولم يلقوا عناية كافية يشكلون خطرا علينا نحن افراد المجتمع الاصليين. وكون ان مصالحنا مرتبطة بوجودهم فإننا لا غنى لنا عنهم، ولا يمكن أن نتجاهلهم ولا أن نتركهم يعيشون في جهل. ـ وأنا لا أقصد من هذا بالطبع أن نفتح مدارسنا لهم ليدرسوا مع اولادنا جنبا إلى جنب، ولا أن نبني لهم بيوتا شعبية كلا، وإنما أقول اذا كانوا هم يقومون بدور الطباخ والحاضنة والطبيب والسائق والمزارع والحداد والنجار والميكانيكي والحلاق والسماك والتاجر وغيرهم من الحرفيين فلابد ان تفتح لهم مراكز تدريب وتعليم قبل ان يباشروا في بيوتنا ومؤسساتنا واسواقنا. ـ أقول ذلك وأنا أرى البلد يعج بجنسيات شتى ولغات وثقافات شتى وديانات شتى، وأهواء شتى. ـ واننا لو تركنا كل هؤلاء ليباشر كل عمله في بلادنا حسب ما يحمله من افكار ومعتقدات وعادات وثقات لمحوا هويتنا، وقضوا على مجتمعنا العربي المسلم. ـ اذن لا نقول لا نمد ايدينا إلى العالم أو لا نفتح أبوابنا للعالم، بل نرحب بكل تجارب العالم، لكن بقليل من التنظيم والتدريب حتى يستطيع المواطن والوافد من العيش بسلام. واعتقد ان ما أطالب به هو أقل ما يمكن ان اطالب به، لانه لا يعقل أن ارى اثار «البتان» مثلا في كل مكان، في الشوارع وممرات البنايات، ويرى أولادي ذلك ثم لا يتأثرون بهم. ولا يعقل ان ارى الخادمة في البيت تستخدم طقوسا معينة او تتمسك بعادات معينة أمام أعين أولادي ثم لا يتأثرون بها. ولا يعقل ان ارى السائق او العامل الذي يعمل في المكتب مع أولادي ويلبس لباسا معينا او يستمع الى نوع معين من الاشرطة والسيديهات ثم لا يرغبون في ذلك اللباس أو في ذلك الشريط. بل حتى تجمهرهم في الميادين العامة والشوارع في المناسبات وغيرها يترك هالة على البلاد والمجتمع مما قد يجعل اولادنا يقتنعون بأن هؤلاء هم افراد المجتمع. إذن لابد ان افرض نوعا من النظام ثقافيا وتربويا واجتماعيا بحيث لا تختلط الاوراق ببعض، ويحترم الوافد ثقافة بلدي كما انني احترم ثقافة بلده. ثم ان هناك مشكلة اخرى وهي ان العمالة الوافدة عندما تقدم الى البلد ربما لا تتقن المهن التي قدمت من اجلها، فالعامل يأتي ويتعلم هنا، واذا عاد الى بلده عاد عالما. إنه ما تعلم الا من خلالي، وكأن بيوتنا ومؤسساتنا هي مدارس تعليم لهذا العامل الذي يأتي لتحقيق مصلحة مادية لنفسه. لذلك فإني اقترح على وزارة العمل والشئون الاجتماعية ان تفتح مراكز تدريب لامثال هؤلاء، وبالتنسيق مع البلدية، كما تفعل وزارة التربية مع المعلمين والموجهين الجدد عندما يأتون الينا على سبيل الاعارة. ثم ان الشرطة مسئولة عن تحركات هؤلاء اذ ربما جاءوا باسم العمل، ولكن لهم مآرب أخرى، كما ان وزارة الصحة تتحمل جانبا ايضا اذ ربما حملوا الامراض الينا. وبامكان وزارة التربية ان تتحمل جانبا اذا ارادت ان تسهم في تفعيل دورها الوطني والقومي. اذ يفترض ان يطالب كل وافد اجنبي قادم الينا للعمل ان يتعلم قليلا من العربية لا أن نتعلم نحن المواطنون اللغات الاجنبية لكي نستطيع ان نتفاهم مع الخادمة او الموظف او السائق. ـ وبالمناسبة فان الانجليزية لم تنتشر الا بفضل أهلها الذين تحمسوا لنشرها، فها هي المجالس الثقافية البريطانية في كل مكان تحتضن العشرات يوميا وتعلمهم اللغة الانجليزية. والغرب عندما تفعل ذلك لا تعتبر عملها ذاك حكرا عليها فقط، بل تدعو الاخرين ان يقتدوا بها. وها هي اليونسكو رأيناها تصدر قرارا بأن يجعل يوم 21 فبراير من كل عام يوما وطنيا للغة العربية باعتبارها اللغة القومية لنا. فلماذا اذن لا تكون هنا عندنا دورة قصيرة لهؤلاء الأجانب، تعلمهم من خلالها لغتنا ونفتح اعينهم على ثقافتنا وقيمنا. اعتقد اننا لو فعلنا ذلك خدمنا بلادنا من جانب، وخدمناهم من جانب آخر، فهم تواقون الى ان يفهموا شيئا عن الشعوب غير شعوبهم. ثم اننا بذلك ربما نقي انفسنا من مخاطرهم، لاننا كلما افهمناهم ماذا نريد منهم كانوا اقدر على انجاز ما طلب منهم، واقدر على المحافظة على ما تحت ايديهم من اموال وانفس ومصالح ونحن ضمنا بذلك الجهد والوقت والمال. هذا المطلب أقدمه كمقترح لوزارة العمل واتمنى ان تدرسه بالتنسيق مع الجهات المعنية الاخرى، لأنه في حد ذاته مطلب حضاري، ومقدور عليه من قبلها.. أليس كذلك؟