الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 أكد سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس دائرة الأوقاف والشئون الإسلامية بدبي أن القرآن الكريم هو المخرج من كل الأزمات التي يشهدها العالم اليوم وهو النور المبين الذي يقضي على ظلمات الجهل ويقي الإنسان من التيه والضياع. جاء ذلك في كلمة سموه خلال الاحتفال الذي أقامته دائرة الأوقاف والشئون الإسلامية بدبي بالتعاون مع دار البحوث للدراسات الإسلامية واحياء التراث بتسليم النسخة الأولى من مصحف صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لسمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم. واعرب سموه في كلمته عن سعادته وامتنانه لوقوفه هذا الموقف الكبير متشرفاً بتسلم مصحف الشيخ مكتوم، مشيراً الى أن هذا المشروع يعتبر من أهم المشاريع الخيرية التي تخدم العالم الإسلامي وتنطلق من دبي. كما توجه سموه بالشكر إلى كل من شارك في الإعداد والتجهيز وطباعة هذا المصحف الشريف وجميع المشاركين في ليلة القرآن الكريم. وقد حضر الاحتفال سمو الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم مدير عام دائرة الإعلام بدبي وسعيد الكندي رئيس المجلس الوطني الاتحادي ومعالي أحمد حميد الطاير وزير المواصلات ومعالي محمد بن نخيرة الظاهري وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف وعدد من أعيان البلاد والفعاليات الإسلامية وجمع غفير من الحضور. وألقى فضيلة الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع رئيس اللجنة العليا لمصحف الشيخ مكتوم كلمة بهذه المناسبة ثمن فيها أمر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم بطبع المصحف بالرسم العثماني وطباعته الأنيقة المتميزة وخط جديد ومميز وإخراج فني متقن وعهده إلى دائرة أوقاف دبي لتقوم بهذا العمل العزيز. وفي ختام الحفل قام سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم بتكريم جميع اللجان التي شاركت في اعداد وطباعة المصحف. ويعتبر مصحف الشيخ مكتوم هدية للامة الاسلامية من صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ويتميز بخط جديد متميز وبزخرفة فنية متقنة وطباعة انيقة برواية حفص عن عاصم واسند تنفيذ المصحف إلى الدكتور عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري رئيس اللجنة العليا لمصحف سمو الشيخ مكتوم، فشكل لجنة للاشراف على خطه وطباعته، وبدأت بزيارة للمراكز الكبرى لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة والقاهرة ودمشق، واطلعت على مراحل طباعة المصحف وما انتهت اليه من تقدم، كما تم تشكيل لجنة علمية تضم علماء وخبراء في الرسم والضبط من دائرة اوقاف دبي اطلق عليها لجنة دائرة اوقاف دبي لمشروع طباعة المصحف وقامت اللجنة بوضع خطة شاملة لتنفيذ المشروع وبدأت مراقبة النص رسماً وضبطاً من قبل لجنة الاوقاف بالتعاون مع فريق عمل ثم تتابعت المراجعة مرات كثيرة بشكل جماعي وفردي، ثم عرض العمل على لجنة عليا مؤلفة من اثنى عشر عالماً من كبار علماء القراءات والرسم والضبط من مصر والمدينة المنورة وسوريا والمغرب وموريتانيا، وعقدت عدة اجتماعات وبعد مراجعتها للمصحف المخطوط انتهت إلى اقرار العمل والتصديق عليه واختيار الزخرفة الفنية ليصبح مخطوط المصحف جاهزاً للطباعة النهائية، وتم تكثيف الجهود لاخراجه بطبعة متميزة متقنة. وتمثلت مزايا المصحف في عدة نواح منها: الخط المتميز ومراعاة السجدات في المذاهب الاربعة مع التركيز على المذهب المالكي، واعتماد الرسم في المصحف الشريف على ما اعتمده العلماء وخاصة ابا عمرو الداني وسليمان بن نجاح، اضافة إلى مزايا الاخراج الفني، والزخرفة والطباعة المتميزة والاحجام التي تسهل القراءة. ومن جهة اخرى تواصلت امس الثلاثاء فعاليات المؤتمر العلمي الاول الذي تقيمه دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث بالتعاون مع دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي حول القاضي «عبدالوهاب البغدادي» حيث ناقشت الجلسات مجموعة من الابحاث التي تناولت مصنفات القاضي عبدالوهاب البغدادي وملامح وابعاد تأثر القوانين الغربية بالفقه المالكي والمقارنات التشريعية بين الفقه المالكي والقانون الفرنسي واثر القاضي عبدالوهاب على الدرس الفقهي المالكي بالغرب الاسلامي والمذهب المالكي في دراسات المستشرقين المعاصرين وجهود المالكية في مواجهة الفرق المخالفة في الغرب الاسلامي. وقد عقدت الجلسة الاولى برئاسة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الاستاذ بكلية الشريعة بجامعة دمشق وبمشاركة كل من الدكتور ادريس الخرشافي من جامعة القرويين بفاس والدكتور محمد الوثيق والدكتور محمد الامين سالم من دار البحوث بدبي والدكتور عبدالله ابراهيم الموسى من جامعة الامام محمد بن سعود بالاحساء. اما الجلسة الثانية فقد عقدت برئاسة الدكتور عبدالعزيز الخليفي من قطر وبمشاركة كل من الدكتور ادريس السفياني من جامعة محمد الخامس بالرباط والدكتور حمدي عبدالمنعم شلبي من كلية الشريعة والقانون بالازهر والدكتور حسن عزوزي من كلية الشريعة بالمغرب والدكتور عبدالسلام شقور من كلية الآداب والعلوم الانسانية بتطوان في المغرب. ويقول الدكتور محمد الامين سالم ان المذهب المالكي يعتبر من اكثر المذاهب الفقهية أثراً في القوانين الغربية وخصوصاً القانون الفرنسي الذي يجزم معظم الباحثين في مجال التشريع الاسلامي انه مستمد في اغلب مواده من الفقه المالكي. وفي ذلك يقول الباحث الفرنسي (سييديو): والمذهب المالكي هو الذي استوقف نظرنا على الخصوص لما لنا من الصلات بعرب افريقيا وقد عهدت الحكومة الفرنسية إلى الدكتور (بيرن) ان يترجم إلى الفرنسية كتاب (المختصر في الفقه) لخليل ابن اسحاق، ويقول علال الفاسي ان الذي يدرس القانون الفرنسي ومذهب الامام مالك دراسة مقارنة يجد ان الفقهين يتفقان في تسعين بالمئة من الاحكام مما يؤكد استمداد القانون الفرنسي من المذهب المالكي في تسعة اعشاره، لانه المذهب الذي كان مدونا معروفا في وقت لم يكن في فرنسا غير اعراف مختلفة. وقد اعدت دراسات مستقلة في المقارنات التشريعية تدل على الاثر الواضح للفقه المالكي في القوانين الغربية عموما والقانون الفرنسي خصوصا من اهمها كتاب (المقارنات التشريعية) للشيخ مخلوف المنياوي، وقد اثبت فيه عن طريق المقابلة استمداد القانون الفرنسي المدني والجنائي من المذهب المالكي في تسعة اعشاره، وقد كان منهجه في المقارنة ان يأتي بالمادة من القانون الفرنسي ثم يتبعها بمقابل من مسائل الفقه المالكي. ويقول الدكتور عبدالله ابراهيم الموسى ان الشريعة الاسلامية ملأت طباق الارض عدلاً وعلماً وشمل فضلها العرب والعجم فكان هناك من اعترف لها بالفضل ومنهم من انكر ذلك ولقد سادت هذه الشريعة جزءاً من اوروبا وقتاً من الزمن نعم الناس في ظلها بالخير وبنوا كثيراً من قوانينهم وتشريعاتهم على قواعدها ثم تجاهلوا فضلها وصرفوا النظر عن ذكرها، بل ناصبوها العداء واجمعوا اجماعاً على تناسيها وعدم ذكرها، ولقد نهض معظم القانون الفرنسي على اكتاف الفقه المالكي الذي انتشر في الاندلس وجزء من فرنسا، وهذه حقيقة اثبتها الباحثون المخلصون، بعد ان جهلها او تجاهلها اصحاب القانون من ابناء جلدتنا قائلين: (ان القانون الفرنسي لم يستمد احكامه لا من فقه الامام ابي حنيفة ولا من فقه الامام مالك، فالقانون المدني الفرنسي وضع سنة 1805م للفرنسيين ولاهل اوروبا، وليس فيه نص واحد مأخوذ من فقه احد الائمة). ثم تناول هؤلاء القانون بغبطة وانبهار، فألبسوه ثوباً زاهياً وقدموه لابناء جلدتهم من المسلمين، على انه الاصلح والاوفق لحال العصر ومقتضياته، دون ان يعلم هؤلاء ان بضاعتهم ردت اليهم! وبذلك ساد القانون الفرنسي وانتشر في كثير من البلاد العربية الاسلامية. وانني بتقديم هذه الدراسة الموجزة احببت التأكيد على اثر الفقه المالكي خصوصاً والشريعة الاسلامية عموماً في القانون الفرنسي، اصل القوانين الوضعية، مذكراً بأنه لا ينبغي ان يضيع تراثنا ويندثر، بعد ان ضمنه الغرب قوانينهم وكتبهم، مغمضين العين عن اصله. ولا ادعى انني مبتدع هذه الدراسة ومنشئوها، أبداً، إنما هي دراسة جاءت حصيلة جهود سنين متوالية، وبحث متصل، قام به ـ حسب اطلاعي ـ باحثان من ابناء هذه الشريعة، هما: الشيخ مخلوف المنياوي المتوفى سنة 1295 هـ ـ 1878م والشيخ سيد عبدالله علي حسين المتوفى في الستينيات من القرن الماضي. انما كان دوري القاء الضوء على هذه الدراسة، بالمقارنة والتحليل، وعرض نماذج لها، مدعماً لهذه الفكرة ما امكن، ليكون القاريء على بصيرة من الامر. وفي لقاء مع المشاركين قال الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية اصول الدين بالازهر ان الرحلات قديماً كانت للالتقاء بين العلماء وهي اساس مهم في الحوار والتلاقح العلمي ومحاولة كل طرف ان يفهم الآخر وان يستفيد مما عنده من العلم واثر ذلك كبير في الربط بين ارجاء العالم الاسلامي بفكر متكامل متعاون يساعد على ترابط الشعوب والتقارب بينها في مسالك الحياة المتنوعة. ولما كان النشاط الفردي في هذا العصر لا تتيسر معه اللقاءات العلمية التي تحقق اغراض الرحلة في القديم فإن الاجهزة الحكومية تحملت هذه المسئولية، وبقدر مساهمتها في لقاءات العلماء وتحديد مجال الحوار وتنظيمه لتتحقق النتائج المرجوة التي تعيد الارتباط العلمي والفكري والمنهجي بين اقطار العالم الاسلامي. ومن هنا كان هذا المؤتمر لا يقتصر اثره على التعريف بالقاضي عبدالوهاب البغدادي وفقه المالكية، بل هو لبنة في بناء ضخم للتعريف بالمظاهر الحضارية الاسلامية التي قامت عليها مكانة المسلمين السياسية، ولتيسير سيرهم في طريق استعادة مكانتهم، وتحولهم من التأثر إلى التأثير ومن التفرق إلى التوحد، ومن بعثرة الجهود والامكانات إلى تجميعها، ولذلك اثره الكبير في مناحي النهضة الصناعية والزراعية والتجارية وتدعيم الوضع السياسي لجميع المسلمين. واضاف ان الخلافات الفقهية بين المسلمين ينبغي أن تكون اختلافات تنوع لا اختلافات تفرق، لكن بعض المسلمين تعصب لمذهبه في كل صغيرة وكبيرة واعرض عن المذاهب الاخرى فحرم الاستفادة من الخير عند الآخرين، والعلماء في كل عصر عليهم واجب كبير وهو التركيز على المتفق عليه بين المذاهب وتجميع الناس حوله، اما المختلف فيه فقد قال الائمة حوله «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». وتجمع المسلمين لا يعني الغاء الفكر والبحث والاجتهاد وتنوع الآراء فيما يمكن التنوع وانما يتطلب تحديد اطار الفكر بحيث لا يشتط انسان عن هذا الاطار لأن الاختلاف في اطاره يدعم الوحدة واذا خرج عن هذا الاطار يفرق. وقال الدكتور عزت عطية ان التفرق بسبب الفقه لم يظهر الا في بيئات محدودة لم تدرك وجوه الاستدلال ومواطن الضعف والقوة وما ينبغي التعصب له وما يلزم التنوع فيه. ومثل هذا المؤتمر وسيلة مهمة للربط العلمي المنهجي بين الآراء المتنوعة والافكار المتعددة في اطار الفقه الاسلامي تمهيداً لانتقال ذلك بين شعوب المسلمين في كل مجالات الحياة، مشيراً إلى ان جمود الفقه لا يظهر في اطار الفتاوى المتنوعة في الفضائيات والاذاعات الا اذا اقتصر المفتي على سرد بعض ما ورد في كتب الفقه القديم مما يظنه مطابقاً للسؤال. اما اذا اجتهد في استخراج الادلة من القرآن والسنة وربط الفتوى بهذه النصوص واختار الاسلوب المناسب للعصر واحتاط لفتواه بخبرته بكلام من سبقه من العلماء فإن الناس يستشعرون تجدد الفقه وتنوعه وتناسبه مع ما يجد من احداث وما يحتاج اليه من وقائع. ويقول الدكتور احمد الكبيسي ان عقد مثل هذه المؤتمرات هو عمل من اعمال الامة فعندما تمر الامة بأزمة تستهدف وجودها وطاقاتها وتراثها، فعلى علماء الامة ان يجتمعوا من اجل ان يشد بعضهم ازر بعض كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن كثير بأخوته». والامة اليوم تمر بظرف لم يحدث لها طيلة حياتها يستهدف دينها ووجودها ومن اضعف الايمان ان يلتقي العلماء ليستمدوا من تاريخهم وتاريخ علمائهم قوة جديدة عندما يتذكرون انهم امة ضاربة في اعماق التاريخ وان جذورها تستعصي على الاستئصال. واضاف ان هذا المؤتمر الذي جمع العلماء من كل قطر في ارض الاسلام في هذا الظرف يشكل دائرة ضوء قوية في بحر من الظلمات، وقد امرنا عز وجل ان نحسن الظن بأنفسنا في الازمات. والقاضي عبدالوهاب البغدادي هو واحد من ملايين العلماء الذين لهم فضل كبير وعمق معرفي وارى ان امة يتوج تاريخها ويتوشح بملايين العلماء من امثال هذا العالم الجليل لا يمكن ان يستأصلها اميركي او اسرائيلي، فهي اشد صلابة وقوة من هذا الظرف ولكنها بحاجة إلى وحدة. ويقول الدكتور عبدالله الهلالي من جامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس ان هذا المؤتمر العلمي الناجح عقد حول شخصية علمية متكاملة عنيت بالفقه المالكي خصوصاً والفقه الاسلامي عموماً، وجمعت بين الفقه والعمل وشخصية القاضي عبدالوهاب البغدادي مثال يحتذي في هذا الزمن الذي قل فيه العلم وقل فيه العمل، وتكمن اهمية هذا المؤتمر في الجهود التي بذلتها حكومة دبي واستضافتها لنخبة علمية جاءت من مختلف الدول لتعود بالنفع على امتها، وتبادل وجهات النظر العلمية من مختلف المذاهب الفقهية لاعطاء الحلول الفقهية المعاصرة لكل ما يستجد من النوازل. تغطية: السيد الطنطاوي