الثلاثاء 15 محرم 1424 هـ الموافق 18 مارس 2003 بدأت صباح امس الاثنين فعاليات المؤتمر العلمي الأول حول «القاضي عبدالوهاب البغدادي» شيخ المالكية بالعراق الذي تنظمه دار البحوث للدراسات الاسلامية، واحياء التراث بالتعاون مع دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي والذي يستمر لمدة 5 أيام من الاثنين وحتى يوم السبت المقبل. وقد ناقش العلماء أمس 16 ورقة عمل مقدمة من باحثين وعلماء من الدول العربية والاسلامية تركزت حول منهجية الامام مالك الأصولية، الخصائص والآثار والسمات الأساسية للمدرسة المالكية بالعراق ومظاهر الالتقاء والافتراق بينها وبين المدارس المالكية الاخرى ونشأة المدرسة المالكية في العراق ومميزاتها والمدرسة الفقهية المالكية بالعراق وابرز اعلامها والتأثير المتبادل بين المدرسة المالكية بالعراق والقيروان والاحوال السياسية والاقتصادية والعلمية للقاضي عبدالوهاب البغدادي ومدى تأثيرها في بناء شخصيته العلمية والتصنيف الاصولي عند المالكية وملامح الحوار المذهبي في الفكر الفقهي والاصولي عند فقهاء مدرسة مالكية العراق والجدل الفقهي عند مالكية بغداد اضافة الى ذلك تمت مناقشة ورقة عمل حول جهود المغرب في بعث التراث المالكي ونحو تعاون علمي لانجاز مشروع متكامل لاحياء هذا التراث ودعائم الفكر الأصولي عند القاضي عبدالوهاب البغدادي. وحول منهجية الامام مالك الاصولية قال الدكتور محمد بن حمادي التمسماني الاستاذ بكلية اصول الدين بجامعة القيروان ان النبي صلى الله عليه وسلم ارسى قواعد الاجتهاد واصوله لأمته في حياته ورسم لهم المنهج القويم لسلوكه، وبعد انتقاله الى الرفيق الاعلى ورث اصحابه الكرام طريقته التي اخذها عنهم تلامذتهم من التابعين الى ان من الله على الأمة بظهور امام عظيم ورث فقه المدينة وأصولها وطريقتها ومناهجها وزادها تقعيداً وتأصيلاً وابرز خصائصها وبين معالمها. واضاف ان طبيعة الموضوع اقتضت ان يكون البحث في خطة معينة تتضمن الدوافع والمدخل ثم المبحث الاول والمبحث الثالث واهم النتائج مشيراً الى ان دوافع البحث جاءت بسبب الجهل التام بالمنهجية حيث ان معظم الكتب التعليمية في مجال الاصول والتي تلقن للطلبة في جميع مؤسساتنا التعليمية من دور قرآن ومعاهد اصيلة وفي شعب الدراسات الاسلامية في الجامعات الاخرى ولا علاقة لها بأصول المذهب ولا تمت الى المنهجية المالكية الاصولية بصلة، والخلط الكبير عند الباحثين المعاصرين في حديثهم عن اصول الامام مالك وتناقضهم احياناً بسبب المنقولات والنصوص غير المحررة او عدم مراعاة نظرات الامام في الاصول وخصائصه في المنهج تأصيلاً او تطبيقاً، والغفلة المطلقة عن خصائص المنهجية وبعض نظرات الامام ومسالك ائمة المذهب في الاستدلال والاستنباط. وقال ان اثر منهجية الامام مالك رحمه الله تجاوز المدينة في حياته الى مناطق شتى من العالم الاسلامي مشرقاً ومغرباً والمراكز التي عرفت سيطرة منهجية الامام بقيت محافظة عليها ولم تتأثر الا بالمؤثرات الخارجية. وحول السمات الاساسية للمدرسة المالكية بالعراق ومظاهر الافتراق والالتقاء بينها وبين المدارس المالكية الاخرى قال الدكتور محمد حسين قنديل الاستاذ بكلية الشريعة في جامعة الكويت ان البحث الذي قدمته بينت فيه اهمية المدرسة المالكية في بغداد والتي كانت من اهم المراكز العلمية في البلاد الاسلامية لاحتوائها على كل جديد من انواع العلوم والمعرفة كما تميزت المدرسة المالكية العراقية بالعديد من الخصائص وقد قام تلاميذ الامام بملازمته آخذين عنه الحديث والفقه وحملوا ما تعلموه معهم من امامهم الى بلدانهم واخذوا ينشرون كل ذلك عن طريق التدريس والافتاء ورواية السنة وتولى بعضهم القضاء فانتشر المذهب المالكي في شتى بلاد العالم الاسلامي، ومنها بلاد العراق. ويرجع الفضل في ذلك لعدد كبير من علماء المالكية: أصحاب مالك، منهم: سليمان بن بلال، عبدالرحمن بن مهدي، محمد بن عمر الواقدي، وتلاميذ اصحاب مالك، منهم: احمد بن المعذل، محمد بن مسلمة، عبدالملك بن الماجشون، الحارث بن مسكين المصري، اسرة ابن حماد، واشهرها القاضي اسماعيل بن حماد الذي تولى القضاء ببغداد مدة تزيد على ثلاثين سنة، وكان هو المؤسس الحقيقي للمدرسة المالكية ببغداد، وصاحب كتاب (المبسوط) الذي ذاع صيته في العراق وخارجها. ثم جاء بعده كوكبة من علماء المالكية عملوا على نشر المذهب ومواصلة الطريق التي ابتدأه العلماء السابقون لهم، منهم: ابن الجلاب، وابن القصار، والباقلاني، والقاضي عبدالوهاب البغدادي، فساهموا وغيرهم من علماء المالكية في الحجاز، ومصر، والمغرب، وافريقيا، والاندلس، في نشر المذهب وتعزيزه بعلمهم ومؤلفاتهم. وفي القرن الخامس الهجري وقع النزاع بين المذاهب الفقهية في العراق، واضطر القاضي عبدالوهاب لترك العراق والارتحال الى مصر، وبدأ المذهب المالكي يضعف في العراق، وانتقلت الريادة الى الشافعية والحنابلة والحنفية. وعن المطلب الاول قال تكلمت فيه عن السمات الأساسية للمدرسة المالكية بالعراق، وقلت: ان للمدرسة المالكية بالعراق بعض السمات التي ميزتها عن غيرها من المدارس المالكية اهمها: امتاز علماء المذهب المالكي بالعراق عن غيرهم من علماء المدارس المالكية الاخرى بسعة الاطلاع على نتاج ومؤلفات وكتب المذاهب الاخرى والاقتباس من طرقها واساليبها، كما انهم نشروا قواعد المذهب على غرار الاصوليين الاحناف والشافعية، ودرسوا المذهب دراسة مقارنة بالمذاهب الاخرى، ولهم في هذا فضل السبق والابتكار. ويتضح هذا فيما خلفوه من تراث فقهي كبير، ظل تأثيره المنهجي في الابتكار والتأليف متوارثاً لدى علماء المالكية جيلاً بعد جيل. كما ان اهتمامهم بأصول وقواعد المذهب دفعهم الى التأليف في اصول الفقه المالكي، وانتصروا للاصول التي يختلفون فيها مع غيرهم من المذاهب. وقد تطور منهج التأليف ووصل الى اقصى مداه بعد ذلك على يد الطبقة التي سيكون اعلامها اساتذة وشيوخاً للقاضي عبدالوهاب البغدادي، والذي سيكون هو ايضاً ممثلاً له احسن تمثيل، وذلك من خلال مؤلفاته التي تعد بحق قمة في منهج التأليف والابتكار، وتدل على مدى التميز للمدرسة المالكية بالعراق، وان الحركة العلمية بلغت ذروتها في عهد القاضي عبدالوهاب، واستمرت بعد ذلك، ومن السمات الأساسية ايضاً ازدهار فن القواعد الفقهية في العراق على ايدي فقهاء الاحناف والشافعية والمالكية. ويظهر ذلك جلياً من خلال مؤلفات القاضي عبدالوهاب والتي نثرت فيها القواعد التي يدور عليها الفقه، وتندرج تحتها جميع مسائله وخاصة كتابيه (المعونة)، و(الاشراف). وقد تميزت المدرسة المالكية العراقية عن غيرها بأنه قد تأسس على ايديهم علم اصول الفقه المالكي، فألفوا فيه، وانتصروا للأصول التي يختلفون فيها مع غيرهم من المذاهب. وقد بدأ ذلك واضحاً مع بداية نشأة المذهب، وزاد الاهتمام بتأصيل الاصول وتقعيد القواعد بداية من القاضي اسماعيل، ومروراً بالشيخ الابهري واصحابه، وانتهاء بالقاضي عبدالوهاب. وكان منهجهم في تأليف كتب الاصول قائماً على دراسة فتاوى الامام مالك واقواله، والبحث عن ادلتها ومصادرها التي يظن انها استقيت منها، ثم مقارنتها وتنظيرها، ثم استخلاص قاعدة عامة يقع تقريرها بأنها اصل من اصول المذهب المعتبرة في اجتهاد الامام: ثم يقومون بالاحتجاج لكل هذه القواعد، وبيان مشروعية العمل بها بما يقفون عليه من الادلة النقلية والعقلية. وقد كان لعلماء المدارس المالكية الاخرى اهتمام بأصول الفقه كأشهب، وأصبغ بن الفرج، الا ان هذا الاهتمام كان محدوداً، ولم يتواصل، ولم يتطور، ومما تميزت به المدرسة المالكية العراقية ايضاً ان علماءها استطاعوا ان يجمعوا بين الأثر والنظر في دراسة المذهب والتأليف فيه والاحتجاج له. وقد تأتى لهم ذلك لنبوغهم في علمي الجدل والخلاف، ودخولهم ميدان المناظرة مع المذاهب الاخرى بأسلحة عقلية مستندين في ذلك الى الادلة النقلية، ويتضح ذلك من خلال مؤلفاته في (علم الخلاف). ويتأكد هذا التفوق ويبرز حينما نقارن بين منهج المدرسة المالكية ببغداد مع غيرها من المدارس المالكية الاخرى في منهجهم الدراسي للفقه المالكي. فغير البغداديين اهتموا بجمع اقوال الامام مالك واصحابه وتصحيح الروايات عنهم، وضبط ألفاظها، وشرحها، وبيان وجوه احتمالاتها. اما البغداديون فاهتموا بالاستدلال والتعليل، وتحليل النصوص الدينية، وتوجيهها، واقامة الأقيسة العقلية. واضاف ان المطلب الثاني ذكرت فيه تأثر المدرسة المالكية العراقية بثقافة المدارس المالكية الاخرى، في جانبين: الجانب الاول: تأثر اصحاب مالك وتلاميذهم الذين قاموا بنشر المذهب المالكي بالعراق بالمدرسة المدنية اكثر من غيرها، لأنهم في رحلاتهم العلمية اتصلوا بأصحاب مالك بالمدينة المنورة، واخذوا عنهم اقوال مالك ورواياته للحديث اضافة لما لديهم، كما اخذوا فتاواهم ورواياتهم، ورجعوا الى بلادهم يحملون ثروة علمية مدنية لم يكونوا يعرفونها من قبل، ولم يكن اصحاب مالك الذين استوطنوا العراق ايضاً يعرفونها. واتصل البغداديون بالمدرسة المالكية المصرية عن طريق الحارث ابن مسكين المصري، ويعقوب بن شيبة واطلعوا من خلالهما على اقوال كبار اصحاب مالك فيها. ويعتبر كتاب المبسوط، للقاضي اسماعيل بن اسحاق واحداً من المراجع المعتمدة لدى مالكية بغداد قبل ان تبرز لديهم قيمة مختصرات ابن عبدالحكم، ومدونة سحنون. كما يتحول ايضاً الى مرجع اساسي من مراجع المدارس المالكية الاخرى، وذلك عندما تنفتح المدارس على بعضها ويطلع علماؤها على الانتاج العلمي لبعضهم. ويعتبر المختصران الكبير والصغير لعبدالله بن الحكم المصري من اول واهم ما تأثر به البغداديون من الكتب التي دونها أعلام المدارس المالكية الاخرى. وظل الاعتماد على روايات ابن عبدالحكم واقواله حتى جاءت الأسدية، ثم المدونة، فأخذت مكاناً بارزاً من اهتمام البغداديين وزاحمت مختصرات ابن عبدالحكم الى ان قام القاضي عبدالوهاب البغدادي بترجيح المدونة على غيرها. وترتب على هذا الترجيح التقاء المدرسة البغدادية مع المدارس المالكية الاخرى (المصرية، والافريقية، والأندلسية) في اعتماد ابن القاسم مرجعاً لأقوال مالك. كتب السيد الطنطاوي: