الاثنين 14 محرم 1424 هـ الموافق 17 مارس 2003 شهد سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي مساء امس افتتاح المؤتمر العلمي الاول حول «القاضي عبدالوهاب البغدادي» شيخ المالكية بالعراق الذي تنظمه دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث بدبي بالتعاون مع الدائرة ويستمر حتى يوم السبت المقبل بغرفة تجارة وصناعة دبي. حضر الافتتاح كل من عباس الجراري المستشار الخاص للملك محمد السادس عاهل المغرب والدكتور أحمد علي الامام مستشار رئيس جمهورية السودان لشئون التأصيل والدكتور عصام أحمد البشير وزير الاوقاف والارشاد بجمهورية السودان والشيخ خليفة بن حمد آل خليفة وكيل وزارة الشئون الدينية بمملكة البحرين والدكتور علي الهاشمي مستشار صاحب السمو رئيس الدولة والدكتور علي المالكي الداعية الاسلامي السعودي والشيخ علي الجفري الداعية اليمني المعروف، كما شهد الحفل عدد من الفعاليات الاسلامية المحلية والعربية. وفي كلمته اكد احمد نور سيف مدير عام دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث رئيس اللجنة العليا للمؤتمر على ضرورة تكاتف الجهود والهمم لاستيعاب مستجدات الحياة في كل جوانبها في حضور الموروث الفقهي الكبير والحاجة الماسة للناس إلى معرفة الاحكام وبيان الحلال والحرام مشيراً إلى ان هذا من الواجبات على عاتق دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث في دبي. وقال ان الفقه الاسلامي بكل مدارسه استطاع ان يبني للاسلام حضارة عظيمة تتجدد مع مرور الليالي والايام، وعلى علماء الاسلام تقع المسئولية في حمل هذا المشعل لنستضيء البشرية بنوره وهدية وتسعد بعدله، ولذا فقد نشأت فكرة هذا المؤتمر الذي اتخذ من الفيه القاضي عبدالوهاب البغدادي شيخ المالكية في العراق منطلقاً للمدارسة والمداولة في جهاده واثره في الفقه الاسلامي. وقال: «لقد كان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة اعظم حدث في تاريخ الامة الاسلامية، وكانت هجرته، منطلقاً للدعوة الاسلامية من عقالها الذي فرضته عليها قوى الكفر والوثنية. واصبحت المدينة دار السنة ودار الهجرة، ومعقل الاسلام وقاعدته الكبرى التي انطلقت منها رايات الاسلام تنشر العدل والرحمة بين الناس. ولقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد قدومه ببناء مسجده ليكون المنطلق لهذه الدعوة، وفي هذا المسجد ربى صحابته الكرام مهاجرين وانصاراً على التراحم والتآخي والبذل والعطاء والتفاني في خدمة هذا الدين. ولذا فقد اعتنى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه باصحابه اعظم عناية، ووجه كل طاقة من طاقات اصحابه الكرام إلى ما خلقت له، فكان يتفرس في كل واحد منهم، ويضعه في المقام الملائم له. واستطاع هذا النبي الكريم والطراز العظيم الذي ادبه ربه فأحسن تأديبه، واختاره وقدمه، وجعله سيد المرسلين، والرحمة المهداة إلى العالمين، والسراج الذي اشرق نوره، فأحيا به الارض بعد موتها استطاع ان يخرج اول جيل من خيار هذه الامة «خير أمة أخرجت للناس». لقد تربى على يديه اعظم نخبة من الهداة المهديين تلقوا منه الدين الحنيف، وتسامت في ساحته ملكاتهم، وتلقوا في مدرسته، اعظم الدروس، وتأسوا باقواله وافعاله وسائر احواله، واستحقوا بذلك شرف الصحبة، وعلو الرتبة. وقال: لقد هيأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكونوا امناء على هذا الدين حماة له، كما دربهم على طرق الفهم والاجتهاد في استنباط الاحكام، ليواكبوا ركب الحياة في كل زمان ومكان. وليتذكروا دائماً هم ومن بعدهم ان هذه الرسالة خالدة، وسر خلودها كامن في احكام راشدة وحلول لمشاكلهم سديدة تستظل دائماً بهدي الكتاب، والسنة النبوية. وعلى يد هؤلاء الصحب الكرام تربى التابعون، وصار كل خلف صالح يحمل الامانة عمن سبقه، بعزيمة وصدق واخلاص. وحين خرج اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يعلمون الناس ويفقهونهم في امر دينهم ودنياهم نشأت حواضر للاسلام من اولئك الصحابة الكرام وظهرت في العراق مدرسة، تضاهي مدرسة المدينة وتأسست على يد عبدالله بن مسعود، وعلي بن ابي طالب وانس بن مالك، وآخرين رضى الله عنهم اجمعين. واحتلت مدرسة المدينة مكانة عظيمة في النفوس، اذ كان بها من كبار الصحابة، ومن عرف بعدهم من كبار التابعين، من الفقهاء السبعة وغيرهم. وكان الامام مالك رحمه الله الوريث لهذه المدرسة، والقبلة التي تقصد في الحديث والفقه وصدق عليه الحديث المشهور «يوشك ان يضرب الناس اكباد الابل يطلبون العلم، فلا يجدون احداً اعلم من عالم المدينة». وصدقت فيه فراسة شيوخه واقرانه، وظهر مذهبه، وانتشر شرقاً وغرباً، ولم يهيأ لمذهب من المذاهب هذا الانتشار والاهتمام والتطبيق في حياة صاحبه الا لعالم المدينة فقد واصل مسيرته في بلاد الغرب، وعبر مضيق طارق ليستقر في بلاد الاندلس حكماً بين الناس. واستطاع هذا المذهب بما اوتي من مرونة وحيوية ان يلبي حاجات الناس بفضل مجتهديه وعلمائه الاعلام في كل الظروف والاحوال. وكما يقول المثل: «والفضل ما شهد به العلماء المنصفون من ارباب المذاهب الاخرى». واذكر هنا كلاماً للامام ابي هريرة رحمه الله ـ وهو من اتباع الامام ابي حنيفة رحمه الله ـ يقول عن سر نمو هذا المذهب وحيويته: لقد كان الاجتهاد في هذا المذهب، مفتوحاً في التخريج لم يغلق، بل لقد قرر فقهاؤه انه لا يمكن ان يغلق هذا النوع من الاجتهاد. وفتح باب التخريج وحده لم يكن كافياً لذلك النمو وتلك الحيوية التي نجدها في احكامه، حتى اننا لنقرر غير مجازفين، انه مذهب الحياة والاحياء. قد اختبره العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم، واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر، فكان مسعفاً لهم في كل ما يحتاجون اليه من علاج. لذلك فإننا نسند ذلك النمو، وتلك الحيوية إلى مجتهديه وكثرة اصوله. اما المجتهدون فقد اشرنا إلى مسالكهم «يعني في كتابه». واما كثرة اصوله، فإنه اكثر المذاهب اصولاً، حتى ان علماء الاصول من المذهب المالكي، يحاولون الدفاع عن هذه الكثرة. وقال ان الامر لا يحتاج إلى دفاع، لأن تلك الكثرة حسنة من حسنات المذهب المالكي، يجب ان يفاخر بها المالكيون، وكانت كثرة الادلة من شأنها ان تعلو بذلك المذهب، لا ان تخفضه، ومن شأنها ان تجعله مرنا في التطبيق، فلا تضيفه. ولقد استطاع الفقه الاسلامي بكل مدارسه ان يبني للإسلام حضارة عظيمة تتجدد مع مرور الليالي والايام. وعلى علماء الاسلام تقع المسئولية في حمل هذا المشعل لتستضي البشرية بنوره وهدية وتسعد بعدله. ومن هنا نشأت فكرة هذا المؤتمر الذي اتخذ من ألفية القاضي عبدالوهاب البغدادي شيخ المالكية في العراق منطلقاً للمدارسة والمداولة والمباحثة في جهاد هذا الامام الجليل وجهوده واثره في الفقه الاسلامي عامة، والفقه المالكي وتناول موضوعات اخرى مهمة في المذهب، من قبل القاضي ومن بعده، له بها وثيق الصلة. وشعارنا في هذا المؤتمر قول القاضي عبدالوهاب: «ان التقليد لا يضر علماً ولا يفضي إلى معرفة». ونطمح ان تكاتف الجهود وتعاضد الهمم لاستيعاب مستجدات الحياة في كل جوانبها في ضوء موروثنا الفقهي الكبير، وفي الناس اليوم حاجة ماسة إلى معرفة الاحكام، وبيان الحلال والحرام وهذا واجب من الواجبات على عاتق دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث في دبي التي ترجو ان يزيدها الله توفيقاً في النهوض بها. وان اجتزنا البحر في مضيقه حيث ربض طارق بن زياد، وجدنا المذهب المالكي رابضاً في بلاد المغرب لا ينازعه فيها منازع. وهو فيها مترعرع خصب، يسن الاحكام للبادية وللجبال، كما سنها في الاندلس، حيث الحضارة وحيث الخصب، وهو يسن للبرابرة حيث كانت بعض الجفوة البدوية، كما سن لاهل الاندلس، حيث كانت النفوس ترق وتعطف. ولئن قطعنا الصحراء حتى وصلنا إلى الوادي الخصيب لنجدن مصر بريفها الجميل، ونيلها الوادع، وهناك نجد المذهب المالكي ايضاً، يصاقب المذهب الشافعي، ويكون له الغلب احياناً، ولمذهب الشافعي مثله، فالسلطان بينهما بتداول، ولكن المذهب المالكي في الريف اغلب، والشافعي في المدائن اظهر، ثم هناك في الحجاز نجد المذهب الجليل مقاماً، وكان له في العراق اتباع، وان لم يكن لهم غلب. ونرجو بذلك ان تكون قد حققت ما يراد منها، شاكرة في الوقت نفسه راعي الحفل سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة حفظه الله على ما بذله في خدمة الاسلام والمسلمين. واشار الدكتور محمد الروكي رئيس قسم الدراسات الاسلامية بجامعة محمد الخامس في كلمته التي القاها نيابة عن ضيوف المؤتمر إلى ان دبي اخذت على عاتقها ان تدفع بالمسيرة العلمية إلى الامام وتتجه بها نحو نهج رشيد يدفع من مستوى البحث العلمي والدراسات الاسلامية من خلال العديد من الهيئات والمؤسسات الثقافية وفي طليعتها دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث التي تجد السير في القيام برسالتها العلمية الجليلة إلى عامة الباحثين والمشتغلين بالعلم الشرعي والمعرفة الاسلامية في انحاء العالم الاسلامي واستطاعت في فترة وجيزة ان تحقق انجازات علمية كثيرة العدد عميقة المحتوى. وقد أكد الشيخ خليفة بن حمد آل خليفة وكيل وزارة الشئون الدينية بالبحرين ان أهمية المؤتمر تبنع من أهمية موضوعه ودراسته لجوانب هامة لأبرز شخصيات المذهب المالكي وهو القاضي عبدالوهاب البغدادي مشيراً الى ان هذا الحرص من دولة الامارات ليس بمستغرب حيث قدمت خدمات جليلة للاسلام بصفة عامة وللفقه المالكي بصفة خاصة، وكان لها السبق في خدمة هذا المذهب والذي يستحق كل تقدير واهتمام لتحقيق أكبر استفادة منه والتي بناها امامه على القرآن والسنة وعمل أهل المدينة. ويتناول المؤتمر ثلاثة محاور حول المذهب المالكي بين ملامح مدرسته الأولى وخصائص المدرسة العراقية والدراسات الشخصية والعلمية للقاضي عبدالوهاب البغدادي والمتأخرين من المالكية ومظاهر تأثرهم بين المدرسة العراقية والمدارس المالكية الأخرى. كما يضم القسم الأول: المدرسة المالكية الأولى في عصر الإمام مالك والمدارس المالكية المتعاقبة ومظاهر تأثرها أو استمدادها من المدرسة الأولى والعوامل التاريخية والاقليمية لظهور هذه المدارس المختلفة وتنوع وسائلها ومضارعتها لغيرها، والفروق والأشباه بين المدارس المالكية فيما بينها ومدارس المذاهب الأخرى والتصانيف والمؤلفات المالكية وتفاوتها في المناهج بتفاوت المدارس الأولى، وتبني المدارس المالكية المتعاقبة ومذهب أهل السنة والجماعة وجهود رجالات المذهب في نشر قواعده ودحض مفتريات خصومه والمصادر الاصولية عند المالكية واسباب تأخر بروز التصنيف فيها، أما القسم الثاني فيتناول الظروف التاريخية والاقليمية لنشأة المدرسة العراقية، والسمات الأساسية للمدرسة ومظاهر الالتقاء والافتراق بينها وبين المدارس المالكية الاخرى والتصانيف التي تميزت بها وأبرز الفروق والأشباه بينها وبين غيرها وملامح الطبقات التأسيسية وخصائصها وآثارها في المذهب، ومنهجية المشيخات والتلقي من الحلقات العلمية بالمدرسة العراقية ومظاهر توافقها أو تباينها مع المدرسة المالكية الأولى خاصة والاخريات عامة، والمراتب العلمية والادارية لمؤسسي المدرسة وأثر ذلك على انتشار المذهب المالكي بالعراق، والصراع والتحولات السياسية والعقدية بالعراق ودور المدرسة العراقية فيه. ويتطرق المحور الثاني الى الدراسات الشخصية والعلمية للقاضي عبدالوهاب البغدادي ويتضمن عصر القاضي عبدالوهاب وأحواله السياسية والاقتصادية والعلمية ومدى تأثيرها في بناء شخصيته العلمية والدور الذي قام به في ارساء قواعد المذهب المالكي بالعراق ومظاهر الاستمداد العلمي أو التأثر والتأثير في شخصيته العلمية وصلاته العلمية الوثيقة بمدرسة القيروان وجهوده في خدمتها من خلال شرحه لرسالة ابن أبي زيد القيرواني ومصنفاته وتآليفه العلمية وأبرز معالمها وسماتها، ومعالم التأسيس الأصولي في فكره من خلال كتبه ومقدماته الأصولية، ودراسات منهجه الاستدلالي من خلال كتابيه الاشراف على مسائل الخلاف والمعونة ومدى دلالته على أخذه بخاصية التدليل المعاكسة للتجريد الشهير في المذهب ومظاهر التأثر بمعالم الأصولية والفقهية ودراسة ارتحاله إلى مصر. ويتضمن المحور الثالث المتأخرين من المالكية ومظاهر تأثرهم بين المدرسة العراقية خاصة والمدارس المالكية الأخرى وفيه: مظاهر الاتباع والتقليد عند المتأخرين من المالكين والمتأخرين بين التجريد والاستدلال ومظاهر ارتباط التصنيف العقدي والسلوكي بالمنهج الفقهي عند المتأخرين ودواعي ذلك ومظاهر تأثر المتأخرين بالمدرسة العراقية وانتشار المذهب المالكي في دول الخليج العربية وفي دولة الامارات ومعالم ذلك في الافتاء والنظام القضائي، والجهود المعاصرة في خدمة المذهب المالكي ونشر تصانيفه وذلك من خلال المؤسسات العلمية الحكومية والخاصة واستمداد القوانين الغربية المعاصرة من الفقه المالكي. وتبدأ جلسات المؤتمر اليوم الاثنين الساعة التاسعة صباحا ويستمر لمدة خمسة أيام وتنتهي يوم السبت الموافق 22 مارس الجاري كما يقام حفل تسليم مصحف الشيخ مكتوم يوم الثلاثاء الساعة السابعة والنصف مساء.