السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 تحدثنا في المقال السابق عن مهام وزارة العمل والشئون الاجتماعية وعرفنا ان هناك قدرا مشتركا بين الشرطة والشئون الاجتماعية والتربية. فالتربية مطلوب منها اعداد الاسوياء للحياة، والشئون الاجتماعية مطلوب منها اعداد الاسوياء والمعاقين للحياة، والشرطة مطلوب منها حماية الاسوياء واعداد المنحرفين للحياة. لكن بما ان التربية صفة مشتركة بين الجهات الثلاثة، ولكل منها اسلوب في التربية، وتستفيد منها شرائح مجتمعية معينة فانه لابد ان يحصل اشتباك بين هذه الثلاثة احيانا وعندئذ تنتفي الفائدة المرجوة منها، ويكون الضحية هم ابناء الوطن او الذين يعيشون على ارض الدولة. من هنا فانني لاحظت ان هناك فئات لم تستفد من الامكانات التي وفرتها الدولة لهم، وعلى سبيل المثال فان وزارة التربية لم تستطع ان تستوعب حتى الآن ذوي القدرات الخاصة ولا الموهوبين ولا المعاقين بالقدر المطلوب، بل لم تستطع ان توفر التعليم النوعي لكافة ابناء الدولة بالكم والكيف المطلوبين. نعم.. ان محاولات تبذل، لكن طوابير الراسبين رسوبا متكررا من الذين يحالون الى تعليم الكبار والدراسة المنزلية لا تتوقف. ومن المعلوم ان تعليم الكبار غير مستعد ان يستوعبهم لانه يشكو من قلة الفصول والمعلمين. والدراسة المنزلية ليست حلا لطلاب يتسربون او يفصلون بحكم الرسوب المتكرر وهم في المرحلة الابتدائية او الاعدادية. ثم ان التعليم الفني لا يقبل الراسبين الذي يفوق سنهم السن القانوني ولا توجد في التعليم الفني دراسة منزلية ولا مراكز مسائية في المناطق المختلفة، ولا يوجد تعليم فني للبنات. كما ان التربية الخاصة تبدأ من الاول الابتدائي وتنتهي مع الثالث او الرابع، في حين ان الحاجة تقتضي ان تستمر حتى الثانوية كما هي في دولة الكويت على سبيل المثال. لذا فانه كان من الضروري ان توجد مدارس اخرى لليافعين، اي تعلم هؤلاء الذين ترفضهم المدارس العادية، سواء في الصباح ام في المساء. اما المعاقون فانهم ليس لهم نصيب في وزارة التربية بحكم ان مجلس الوزراء اسند تلك المهمة الى وزارة العمل ووزارة العمل قامت مشكورة بفتح مراكز لتأهيل المعاقين، لكن ليس بالعدد المطلوب. اذن ليس من حقنا ان نطالب وزارة التربية بتعليم المعاقين، لان المهمة ليست ضمن نطاق اختصاصاتها. ثم ان الاعاقات انواع والمعاقون يحتاجون الى مناهج خاصة ووسائل خاصة، وطريقة تدريس خاصة ومعاهد خاصة، ورعاية خاصة منذ الاول الابتدائي حتى التخرج في الثانوية العامة والا ما الفائدة من تعلم مرحلة لا تؤهله لمواصلة الدراسة ولا للانخراط في العمل. ويلاحظ ان الجمعيات النسائية تقوم بدور تثقيفي وتوعوي في المجتمع وبعض الفتيات يتركن الدراسة الصباحية بحكم العمل او الرسوب او الزواج، ليواصلن دراستهن في المساء في الجمعيات لكن ذلك لا يحصل من الكثيرات منهن، لان الدراسة فيها لكبار السن وليست للفتيات ثم ان جو الجمعيات غير جو المدارس. ومن هنا فان الدولة قد تنفق مبالغ على التعليم هنا وهناك لكن لا تستثمر بالشكل المطلوب. وعلى مدى ثلاثين سنة الماضية من عمر الاتحاد لم نجد تقدما ملحوظا في التعليم الفني والمهنى ولا في مجال تأهيل المعاقين وذوي القدرات الخاصة، اللهم الا ما كان من قبيل اسمع جعجعة ولا ارى طحنا. اقول هذا وانا اعذر الوزارتين، التربية والعمل، لان الوضع لن يتغير اذا لم يكن هناك تخطيط واضح وجاد. لذا فانني بعد ان رأيت بان وزارة التربية ليست من مهامها تأهيل المعاقين اقترح على وزارة العمل ان تفعل دورها اكثر كما وكيفا فتنشيء عددا كافيا من المراكز وتضع المناهج المطلوبة وتوفر التعليم والتقويم للمعاقين وتتبناهم حتى التخرج كل حسب نوع اعاقته واعتقد ان هذا من حقهم علينا بحكم الدستور. واقترح على وزارة العمل ايضا تنشيط الجمعيات النسائية ومراكز تأهيل الاحداث التابعة لها، بالتنسيق مع وزارة التربية لتستوعب كبار السن والمفصولات من الطالبات من اجل ايجاد فرص لهم لمواصلة الدراسة اسوة بالتعليم الصباحي وبالمراحل والتخصصات نفسها. واتمنى ان تنال هؤلاء النسوة اللاتي يدرسن من خلال الجمعيات حظهن من التعليم والتقويم اذ لا يكفي ان يحصلن على الشهادة من اجل الوظيفة، لانهن محسوبات ضمن احصاءات التعليم، فلا يكفي ان يتخطين مرحلة محو الامية فقط. اما الشرطة وهي تمتلك الامكانات ولها القدرة على الجذب والتشجيع فانني اقترح عليها الاسهام في التعليم المهني وذلك بايجاد مركز او اكثر لضم فئة الراسبين او كبار السن الذين فصلوا من المدارس، او تركوا الدراسة لانهم لا يرغبون في الدراسة في التعليم العام، او الاحداث الذين يدخلون السجن ثم يفرج عنهم وهؤلاء الاحداث في اعتقادي انهم لا يصلحون للعودة الى المدارس. واقترح على وزارتي التربية والعمل والشئون الاجتماعية معا ان يتم التنسيق بينهما بشأن الاستفادة من النساء صاحبات الخبرة اللاتي لهن اهتمام بالتراث والصناعات التقليدية او الرجال الذين لهم الاهتمام نفسه، كأن يكون لاولئك حصة على الاقل اسبوعيا في المدارس ليمارسوا هوايتهم وفنهم التقليدي امام الطلبة او الطالبات، ولا ينتهي دورهم في عرض التراث في المهرجانات والمعارض والجمعيات فقط. وبالمناسبة فان المدرسات او المدرسين الذين يدرسون التربية الوطنية او الاسرية ليسوا باقدر من اولئك في تجسيد تراث الاجداد والجدات. فاباؤنا وامهاتنا مارسوا تلك الفنون التقليدية بأيديهم وشاهدوا بعيونهم، اما المدرسون الشباب فانهم قرأوا في الكتب وربما سمعوا، والمثل يقول: ليس الخبر كالعيان، او ما راء كمن سمع. وبالمناسبة اذكر طرفة سمعتها من معالي احمد حميد الطاير عندما كان وزيرا للتربية بالانابة وهي: ان احدهم سمع احد المطاوعة يقرأ شيئا مثل المالد فأعجب به عندما سمعه، فسأله اين يباع هذا الشيء؟ فقال له يباع في بلد اظنه البصرة، فذهب الرجل الى البصرة واشتراه وجلس يقرأه مرارا لكن لم يقتنع به ووجده من غير طعم، فرجع الى صاحبه الذي دله عليه وقال اشتريته وقرأته لكني لم اجده في سمعي لذيدا، اظنه شيئا آخر. فقال له المطوع: انك اعجبت به عندما سمعته بصوتي والا فان الكتاب هو نفسه، بمعنى ان اداء الخبير المتمرس غير اداء المقلد المتكلف، ولذلك فان الشاعر يقول: وجلجلة الاذان بكل أرض ولكن اين صوت من بلال؟ وعند الناس فلسفة وفكر ولكن اين تلقين الغزالي؟ وقديما قالوا: الطبع يغلب التطبع، وليس التكحل في العينين كالكحل.. اليس كذلك؟