الاحد 6 محرم 1424 هـ الموافق 9 مارس 2003 وجه صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، رسالة خاصة لخريجات الدفعة الأولى بجامعة زايد قدم لهنَّ ولأعضاء هيئات التدريس التهنئة للنجاح والتفوق واصفاً شعوره يوم التخرج «بالفخر والفرحة». وقال صاحب السمو رئيس الدولة: «بكل الفخر، وبكل ما أشعر به من فرح أقدم إليكم اليوم تهنئتي، فرحاً بحصاد ما زرعنا، وجني ثمار ما غرسنا، وها نحن اليوم نشارك بناتنا خريجات الدفعة الأولى الاعتزاز والتقدير ونبارك لهنَّ نجاحهنَّ وتفوقهنَّ». وأضاف سموه أن إنشاء جامعة زايد جاء تلبية للرغبة في دفع مسيرة التنمية وتعميقها بتوفير الطاقات المواطنة المدربة وأنها حلقة في سلسلة طويلة من معاهد العلم والمعرفة. وأكد صاحب السمو رئيس الدولة أنه لم يعد كافياً أن يتعلم المواطن القراءة والكتابة فقط. فقد تم تجاوز هذه المرحلة منذ اليوم الأول لقيام الدولة والمجتمع يحتاج إلى الكوادر المدربة تدريباً عالياً والمؤهلة تأهيلاً عميقاً القادرة على استيعاب أساليب التقنية الحديثة في كل مجالات العمل لخوض معركة التنمية الشاملة. وطالب سموه المؤسسات العامة والخاصة ببذل الجهود لتدريب الخريجين وتأهيل قدراتهم والعمل بروح الجماعة دون الانغلاق على المصلحة الفردية الخاصة، مشيراً إلى أن التقدير سيكون عظيماً لمن عمل وأتقن وساهم في البناء والتنمية. وأوصى صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بناته من الخريجات بالحرص على بناء الأسر الصالحة وتهيئة بيئة سوية لتنشئة الأبناء وتربيتهم ومواكبة ذلك لمساهمتهنَّ في مسيرة التنمية والعمل الوطني، مؤكداً سموه على أن المرأة الإماراتية تتسم بالصلاح والتدين والأخلاق الفاضلة تشارك في كل أوجه العطاء وتتفاعل مع أحداث العصر تقف إلى جانب الرجل سواء كان زوجاً أو أخاً أو ابناً للعمل معاً على تجسيد الرؤى والطموحات». وفيما يلي نص الرسالة الكريمة: أعضاء هيئة التدريس المحترمين عزيزاتي الخريجات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بكل الفخر، وبكل ما أشعر به من فرح، أقدم إليكم اليوم تهنئتي، فرحا بحصاد ما زرعنا، وجني ثمار ما غرسنا، ففي يوم الحصاد يكرم المرء، ويفرح الجمع، وتتجدد الآمال، وتقترب الطموحات من التحقيق، وها نحن اليوم نشارك بناتنا خريجات الدفعة الأولى الاعتزاز والتقدير، ونبارك لهن نجاحهن وتفوقهن، في هذا الصرح الجامعي، الذي جاء إنشاؤه تلبية لرغبتنا في دفع مسيرة التنمية وتعميقها، بتوفير الطاقات المواطنة المدربة، التي يمكنها الإسهام في هذه التنمية، واثقة من نفسها وقدراتها، مؤمنة بمصلحة وطنها وخير مواطنيها. ولن تكون جامعة زايد هي نهاية المطاف، بل ستبقى حلقة من حلقات السلسلة الطويلة من معاهد العلم والمعرفة التي واصلنا إنشاءها منذ عام 1976، يوم أن صدر قرار إنشاء جامعة الإمارات العربية المتحدة في مدينة العين، وسنواصل هذه المسيرة الحضارية مادامت هناك حاجة ملحة في فرع من فروع العلم والتدريب والتأهيل، فلم يعد كافيا أن يتعلم المواطن ما يزيل به أميته، ويقف في صف من يقرأ ويكتب، فتلك مرحلة تجاوزناها منذ اليوم الأول لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ذلك أننا نخوض معركة تنمية شاملة وصعبة، تحتاج إلى الكوادر المدربة تدريبا عاليا، والمؤهلة تأهيلا عميقا، والقادرة على استيعاب أساليب التقنية الحديثة، في كل مجالات العمل. أضف إلى ذلك أن دخول عصر العولمة، بكل ما يعنيه من تكامل في الأسواق والتكنولوجيا والمعلومات، حيث سيتيح للأفراد والشركات والدول من التجول حول العالم، بشكل أسرع وأعمق أكثر من أي وقت مضى، يفرض علينا أن نكون مستعدين للتعامل مع معطيات هذا العصر، والتفاعل مع مكوناته، ومن هنا، فلا بد لنا من التزود بثقافة الكمبيوتر، وبصريات الألياف، والانترنت، والرقميات، والأقمار الصناعية، حتى نتمكن من تحصين أنفسنا، وحماية مكتسباتنا، والإسهام فيما يمكن أن يوفر هذا العصر من منفعة للإنسان، ومن خير للبشرية، أدواتنا في كل ذلك وعدتنا أبناؤنا وبناتنا المزودون بكل معطيات العلم، المستوعبون لأحدث أجيال التقنيات الحديثة، المتقنون لأحدث نظم العمل الإداري والفني في كل مجالات الإدارة والتشغيل الصيانة والإنتاج. ويعني هذا أن إنشاء الجامعات الأكاديمية والصروح التقنية، وتوفير الخبرات المؤهلة العالية التعليم والتأهيل التي تدير العمل في هذه الجامعات والمعاهد، لم يكن هدفا في حد ذاته، بل لتكون ركيزة من ركائز العمل التعليمي والتربوي والتدريبي الناجح، على أن هناك ركيزتين أخريين مهمتين لتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية، نجحت الدولة في توفير الأولى منهما، وهي المناهج المناسبة لاتجاهات تنميتنا ومسيرتنا الحضارية، وبقيت الثالثة المتمثلة في الطلاب والطالبات، القادرين والقادرات على التفاعل في هذه الصروح الشامخة، مع الخبرات المتوفرة والمناهج الموضوعة، وهم كثر إن شاء الله، ولكن يجب أن يعلم الأبناء أن لا مكان بيننا وفي مسيرتنا التنموية إلا للمجدين العاملين، القادرين على حمل عبء العمل الشاق في التنمية، ولن يتأتى ذلك إلا لمن يجلس على مقاعد الدراسة، وهو عاقد العزم على التفوق والتميز والنجاح، فليكن الجميع على قدر الآمال والطموحات، ولينفض الأبناء والبنات غبار الكسل والتواكل، بالجد والعمل والتفاعل. عزيزاتي الخريجات: إن الدولة لم تدخر وسعاً في العمل على تدريب المواطنين والمواطنات، بما أنشأت من صروح العلم والتقنية، بل إنها عملت على تنويع مجالات التدريب لتلبي الحاجات المتعددة للعمل أيا كان موقعه، ومع أننا راضون عما نبذله من جهود في هذا المجال، إلا أن ذلك لم يعد كافيا أمام الأفواج المتتالية، التي تخرجها مؤسساتنا الأكاديمية والتعليمية سنويا، وإن مما يدعو للأسف، أن تقف أغلب مؤسساتنا العامة، ومعظم مؤسساتنا الخاصة متفرجة، منتظرة الحصول على حاجاتها من العمالة المدربة بدون جهد يذكر، بينما نحن نعمل بجهود مستمرة على تدريب الخريجين وتأهيلهم لسوق العمل، فالأمم لا ترتقي إلا بتضامن روح الجماعة، وتكاتف جهود الجميع، وتفضيل مصلحة الجماعة الشاملة وأولوياتها، على مصلحة الفرد الخاصة الضيقة وقناعاتها، لذا فالكل مدعو للإسهام في تدريب أبنائنا وبناتنا، وتأهيل قدراتهم، ليكونوا قادرين على تلبية متطلبات السوق وحاجاتها من الخبرات والمهارات، وسيكون تقديرنا عظيماً لمن عمل وأتقن وأسهم في البناء والتنمية، ولمن ترجم أقواله إلى عمل نافع يخدم به الوطن والمواطن، «وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله». بناتي الخريجات'' إن اعتزازنا بهذا اليوم المميز في حياة الوطن، وفخرنا بما وصلتن إليه من علم وتدريب وتأهيل، لا يمنعنا من الإشارة إلى حاجة هذا الوطن لكل السواعد الفتية، تجديدا للطاقات، وشحذا للهمم، وإثراء لمسيرة التنمية، التي يشهد الجميع بأننا سرنا فيها شوطا طويلا، تجاوزنا به كثيرا من الشعوب التي بدأت فيها قبلنا، فأعلينا البناء، وحققنا الإنجازات، ولكن كل ذلك لم يلب إلا جزءا من الطموحات، التي يقع على عاتق الجيل الجديد استكمال تلبيتها، ولن يكون ذلك ألا بالإخلاص الذي تميز به عمل الآباء منذ اليوم الأول لبدء مشوار التنمية الطويل، لذا كان من المفيد أن أقدم إليكن وصية، عملت بها أمهاتكن وما زلن يعملن بها، وهي التسلح بالأخلاق الفاضلة، التي كانت عنوانا لمجتمعنا، ونوراً لأجيالنا، فالعلم لا يكفي لمواصلة المسيرة، ما لم تشد الأخلاق من أزره. ويجب أن يواكب إسهاماتكن في مسيرة التنمية والعمل الوطني حرصكن على بناء أسر صالحة، تهيئ بيئة سوية لتنشئة الأبناء وتربيتهم، على الأخلاق الفاضلة، والعادات الطيبة، والتقاليد الأصيلة لمجتمعنا، فما نفع امرأة تسهم في الواجب العام وتهمل أسرتها وبيتها وزوجها؟... وما فائدة هذا العمل إذا كان سينعكس على الأسرة والأبناء تفككاً وإهمالاً؟،...ومن هذا المنطلق عملت الدولة على سن القوانين والتشريعات، التي تراعي وضع المرأة الإماراتية كأم وزوجة، عليها واجب الاهتمام ببيتها وأولادها، دون إهمال متطلبات العمل والوظيفة، فقد وفرت هذه التشريعات الوقت الكافي للأمهات للاهتمام بأبنائهن، والتوفر على تنشئتهم تنشئة سليمة، دون الاعتماد على الغير ممن لا يتقن مثل هذا الأمر، فحِرصنا على بناء المواطن الصالح والمواطنة الصالحة كان دوماً محوراً لعمليات التنمية البشرية التي نقوم بها في كل مجال، لذا فمسئوليتكن كبيرة، لكن الآمال المعقودة عليكن أكبر. لقد تعودنا رؤية المرأة الإماراتية المنتجة في كل مجالات العمل، مع عدم إهمالها لواجباتها الزوجية ووظيفتها الأسرية، ولم يؤد خروجهن للعمل إلى تغيير أي من تصرفاتهن المحتشمة، وعاداتهن الأصيلة، فالمرأة في دولة الإمارات هي المرأة الصالحة ذات الدين والأخلاق الفاضلة، المساهمة في كل أوجه التنمية، المتفاعلة مع أحداث العصر ومستجدات الأمور، من موقعها الحصين في المجتمع، فهي صانعة الرجال والمنجزات، يدها في يد أخيها أو زوجها أو ابنها، يعملان معاً على تجسيد الرؤى والطموحات، التي رسمناها يوما، وأمضينا وقتنا في تحقيق جانب كبير منها، ولا نزال نعمل على تحقيق بقيتها، تشد المرأة من عزم إخوتها، إسهاماً وعطاءً ومشاركةً في كل شئون الوطن. بناتي الخريجات: إننا لم نبن هذا البلد، ولم نحوله إلى واحة غناء، ينعم فيها المواطنون بكل مظاهر الحضارة والتقدم، إلا بالسواعد القوية، والهمم الماضية، والعزائم الشديدة، والإصرار على أن نكون أمة متقدمة بين الأمم، شعارنا تكريم الإنسان أينما كان، وحفظ حقوقه المدنية بكل أشكالها، فليكن ذلك للأبناء والبنات قدوة، تنير لهم الطريق، وتهديهم للرشاد، ليتمكنوا من البناء على ما أنجزنا، ومواصلة المشوار الذي بدأناه، ليعلو هذا الوطن، ويصبح منارة مضيئة للعالم بإنجازاته الحضارية، في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة والعلم، وليعلم القائمون على أمر الشباب، أنهم عُدَّة المستقبل، التي يجب أن يحرصوا على صقلها وتعليمها وتدريبها وتأهيلها، لتتمكن من حمل المشعل الذي حملناه، ويقوموا بمثل العمل الذي قمنا به. وفقكم الله جميعا لخير الوطن والدين، وسدد خطاكم على طريق البناء والعمل الصالح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.