السبت 28 ذوالحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 في يوم الأحد الموافق 16 فبراير 2003 أقامت جمعية حماية اللغة العربية بالشارقة ندوة حول اللغة العربية. وقد تحدث في البداية بلال البدور عن أهمية مثل هذه الندوات وقال توجيها صدر من اليونسكو بأن يخصص يوم 21 فبراير من كل عام للحديث عن حماية اللغات الوطنية. فقلت ولا غرابة في ذلك، فاللغة التي ضيعها أهلها سوف تحيى على يد غيرهم ولقد رأينا بالأمس كيف ماجت شوارع أميركا وبريطانيا واستراليا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وغيرها من الدول الغربية بالمتظاهرين الذين قالوا لا للحرب على العراق. ورأينا أن فرنسا وألمانيا وبلجيكا والصين ترفض بشدة التورط في الحرب ضد العراق، ما ذلك إلا لأنهم يملكون بقايا من الإنسانية التي تأبى التدخل في شئون الآخرين، والاعتداء على الناس الابرياء. اذن قرار اليونسكو بتخصيص يوم 21 فبراير للحديث عن اللغة الوطنية في كل بلد، بما فيه اللغة العربية دليل على أن العدالة لم تنزع من الأرض بعد. وليس بصحيح ما يقال إن الغرب يريد أن يقضي على كل ما هو عربي أو إسلامي. نعم قد يكون ذلك صحيحا إذا ماتت الغيرة في نفوس العرب والمسلمين انفسهم، ولم يقوموا بالدفاع عن كرامتهم وحماية موروثاتهم. والمحاضرة التي حضرناها في تلك الليلة كانت عن اللغة العربية وكيف تدهورت حالها وأصبح أهلها في منأى عن الدفاع عنها وهي تتعرض للنهش من كل صوب. إن المحاضر وهو الدكتور عبدالسميع حسونة الاستاذ بكلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية، رغم أنه لم يجد في القاعة من الحضور إلا أقل من أصابع اليدين قدم ورقته التي كان قد أعدها، وقد وفق في العرض حيث تحدث أولا عن فضل اللغة العربية التي تولى حفظها ربنا تبارك وتعالى باعتباره لغة القرآن. ثم ذكر ان في العالم أكثر من 15 ألف لغة لكن معظمها اندثرت ولم يبق إلا سبعة آلاف لغة تقريبا، ومنها اللغة العربية التي تتداعى عليها اللغات الأجنبية من جهة، وتزاحمها اللهجات العامية من جهة أخرى، وقد بلغ حال أبنائها أن يتحدثوا اليوم بلغة معظم مفرداتها أجنبية أو انجليزية، فلا هي عربية بحتة ولا هي انجليزية بحتة وإنما هي «عربليزية». ثم تطرق الى مسألة تعصب الإنسان للغته وقال انه سبب من اسباب بقائها، واستشهد برئيس دولة مثل شيراك يعرف الانجليزية لكنه عندما يجيب عن الاسئلة يجيب بالفرنسية وهكذا يفعل الألمان واليابان وغيرهم من الدول التي مازالت تدرس العلوم الطبية بلغاتهم القومية. أما نحن العرب فبكل سهولة تخلينا عن لغتنا العربية، في حين أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عندما ذهب إلى الأمم المتحدة ليلقي كلمته ألقاها باللغة العربية فاعتمدت اللغة العربية فيما بعد لغة عالمية في الأمم المتحدة. وذكر المحاضر عن فاروق الباز قوله ان أول رجل غزا الفضاء خاطب الدنيا باللغة العربية قائلا يا أهل الأرض انني اخطابكم من فوق القمر، ويقال انه حمل معه شيئا من القرآن، وعندما قيل له لماذا تحدثت بالعربية، قال لأن الاستاذ الذي درسني كان من أصل عربي فعملت ذلك تقديرا له. ذكر المحاضر ان العربية كانت لغة الصالونات الأدبية والفكرية في الغرب، بل وقبل ذلك فإن الرسائل التي وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء عن بعده كانت بالعربية، وكان لذلك وقع في نفوس الروم والفرس والفرنجة آنذاك. اذن اللغة العربية ليست اقل من اللغات العالمية الأخرى، بل اللغات الأخرى مدينة لها لأنها أخذت منها، فالانجليزية أخذت منها، والفارسية والتركية والأوردية مازالت تكتب بحروف عربية، مما يدل على ان هذه اللغة حية حتى في اللغات الأخرى فكيف تموت بين أهلها. وتحدث المحاضر عن جماليات اللغة العربية فقال إن تناغما عجيبا تجده في الكلمات العربية بين اللفظ وبين المعنى الذي اريد منها، فمثلا عندما يتحدث ربنا عن يوسف والذئب لا يقول فافترسه الذئب بل يقول فأكله الذئب ليدل على أنه لم يبق شيئا، ويقول الله تعالى «والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس» وهكذا تعبر الكلمات عن معانيها من غير شرح نظرا لانسجام اللفظ مع المعنى. ثم لفت المحاضر انظار العرب والمسلمين إلى أنهم أصبحوا اليوم هياكل فارغة يتحدثون عن الانجازات ولا إنجاز، في حين أن القرآن الكريم أراد منهم أن يكونوا أمة منتجة، فمثلا نرى أن سورة في القرآن باسم الشورى، وسورة اخرى با وطالب في النهاية الأمة العربية بأن يكونوا أكثر غيرة على لغتهم إذا أرادوا حمايتها، من الضياع، فالمطلوب إذن: 1ـ استخدام الفصحى في لغة التعليم والإعلام. 2ـ اجبار الخدم على التحدث بالعربية. 3ـ تدريس العلوم والطب باللغة العربية. وقد فعلت سوريا، وهكذا فعلت كوريا وألمانيا، واندونيسيا واسرائيل، حيث تدرس الطب بلغاتها القومية. 4ـ انشاء مؤسسة للأمن اللغوي شأنه شأن الأمن الغذائي والأمن البيئي. 5ـ ادراج حماية اللغة العربية ضمن برنامج مهرجان التسوق بدبي، كي يطلع العالم على عظمة هذه اللغة. ثم اعطى المجال للحوار فكان الملاحظ ان الموجودين انقسموا كعادتهم الى اقسام فمنهم من دافع عن العامية بأن لها أصلا في العربية، وليس بالضرورة ان نتخاطب بالفصحى. ومنهم من طالب بأن تكون هناك مسوح ميدانية لواقع الحال من اللغة العربية وكأنه في نظره لا تكفي هذه اللافتات في الشوارع، وهذه اللغات واللهجات المكسرة في البيوت والشوارع للتدليل على تردي حال اللغة القومية عندنا. ومنهم من رأى أن من حق اللغات الأخرى أن تبقى كما هي، في حين ان المحاضر قال في أثناء محاضرته نحن لا نقول بعدم تعلم اللغات الأخرى، بل بالعكس مطلوب منا أن ندرس اللغات واللهجات، لكن ينبغي ألا يكون ذلك على حساب لغتنا العربية. وفي النهاية ظهر أنه ليس لدى العرب قناعة بأن لغتهم عالمية تسع العلوم والمعارف كلها. وليس لديهم قناعة بأن اللغة القومية وعاء لكل العلوم والمعارف، وليس مادة تدرس للنجاح والرسوب فقط. اقول واذا لم تتولد هذه القناعة في نفوس العرب انفسهم فلا يلام الأجنبي اذا فرض لغته وثقافته وتقاليده على العرب، لأن المثل يقول: «كل يجر النار صوب قرصه»، وقد روى قديما ان الارنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب وأكلها، فانطلقا يتخاصمان الى الضب، فقالت الارنب يا أبا الحسن، قال الضب سميعا دعوت، قالت اتيناك لنختصم إليك، قال عادلا حكمتما، قالت فاخرج الينا، قال في بيته يؤتى الحكم، قالت اني وجدت ثمرة، قال حلوة فكليها، قالت فاختلسها الثعلب، قال لنفسه بغى الخير، قالت فلطمته، قال بحقك اخذت، قالت فلطمني، قال حر انتصر، قالت فاقض بيننا، قال قد قضيت، فذهبت أقواله كلها أمثالا. أقول وها نحن اليوم نرى المشهد نفسه يتكرر مع اللغة العربية واللغات المزاحمة لها.. أليس كذلك؟؟