السبت 21 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 22 فبراير 2003 مع اقتراب تطبيق اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية المعروفة باسم «تريبس» والتي وقعتها حتى الآن 143 دولة من بينها دولة الامارات، بدأت المخاوف تتزايد حول مستقبل الصناعات الدوائية الوطنية بسبب المنافسة القوية التي ستدخلها مع شركات صناعة الأدوية العالمية، تحت غطاء البنود القاسية لحماية حقوق الملكية الفكرية التي تضمنتها الاتفاقية، حيث تقرر دخولها حيز التنفيذ مع مطلع عام 2005م. ودولة الامارات وقعت على اتفاقية التجارة العالمية في 10 ابريل 1996م، وتم تطبيق أحكامها اعتباراً من مطلع عام 2000، إلا فيما يتعلق بالأدوية حيث منحت مهلة لمدة 5 سنوات، أي بعد حلول يناير عام 2005 تصبح دولة الإمارات ملتزمة بتنفيذ أحكام الجزء الخامس من الاتفاقية على مجالات التكنولوجيا التي لم تكن تحظى بحماية داخل الدولة، وبالتالي ستكون ملزمة بموجب الإتفاق أن توفر الحماية المطلوبة لبراءات الاختراع الخاصة بهذه المجالات بما في ذلك المنتجات الصيدلانية. وتثير الاتفاقية قلقاً وردود أفعال بعيدة المدى بسبب الشرط الجديد بالنسبة لبعض الدول الاعضاء في الاتفاقية والذي يقضي بالتسليم بأحقية أصحاب الاختراعات العلمية الصيدلانية الجديدة في احتكار ثمارها لمدة 20 سنة الأمر الذي يجعل الدول النامية ومنها الدول العربية تخشى من أن يؤدي ذلك لزيادة كبيرة في أسعار الأدوية والتي يتوقع ان ترتفع اسعارها بنسبة تتراوح ما بين 50 و 70% قياساً بالأسعار الحالية. ويرى الخبراء والمختصون أن أجواء حرب حقيقية توشك أن تندلع على اتساع العالم بين شركات الأدوية العالمية العملاقة وبين الدول النامية التي تتمتع بصناعات دوائية ناهضة ومن بينها دولة الامارات التي بدأت تأخذ مساراً يضعها على خريطة الصناعات الدوائية الناهضة في منطقة الخليج. ولعل الخلاف الذي وقع بين شركة الخليج للصناعات الدوائية «جلفار» ومؤسسة بحوث وتصنيع المنتجات الصيدلانية الأميركية في عام 2001م حول حماية براءات الاختراع والبيانات السرية لبعض أدوية شركة فارما، ما هو إلا مقدمة لمزيد من الخلافات، كذلك الاتفاق الذي تمت عرقلته من قبل الولايات المتحدة الأميركية حول تصدير الأدوية الرخيصة لمرضى الايدز والسل والملاريا في البلدان الأفريقية الفقيرة بدعوى أن الاتفاق يشجع على تجاهل براءات الاختراع لأدوية الشركات الكبرى. وفي المنطقة العربية بلغ اجمالي استهلاك الدواء حوالي 5,2 مليار دولار، كما بلغ حجم الانتاج العربي من الدواء حوالي 2,5 مليارات دولار ويغطي نحو 46% من الاستهلاك، حيث تضاعف عدة مرات من 345 مليون دولار عام 1975 الى 815 مليون دولار عام 1987 ثم الى 1,3 مليارات دولار عام 1993م، وتعود هذه الزيادة إلى ارتفاع استهلاك الفرد خلال العقود الثلاثة الماضية من 5,6 دولارات عام 1975 الى 15 دولاراً عام 2000 مما أدى الى انخفاض نسبة تغطية الانتاج العربي من الأدوية. ويوجد حالياً حوالي 176 مصنعاً للأدوية في العالم العربي تغطي حوالي 50% من احتياجات السوق العربية للدواء وما لا يزيد على 10% من الخامات الدوائية التي تستورد اغلبها من الخارج وخلال هذا التحقيق نستعرض التحديات التي تواجه الصناعات الدوائية في الامارات ومن ثم في الدول الخليجية، والعربية كما نناقش مع الخبراء والمختصين الخطوات المطلوبة لتفادي تلك الاثار السلبية على صناعة الأدوية الوطنية أو على الأقل التقليل من حدتها. الأرباح أم الأرواح؟ في البداية.. يؤكد الدكتور عماد حمودة رئيس قسم الابحاث في منظمة المجلس الصحي الأميركي وصاحب العديد من الدراسات والابحاث في مجال الاخلاقيات الطبية، أن اتفاقية «تريبس» تتجاهل الفارق العميق بين الامكانية الاقتصادية والتكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب، فهي اشبه باداة لحماية التكنولوجيا الموجهة لتعزيز الاقتصاد القوي لصالح الشركات الأميركية والأوروبية، ولذلك فإن «تريبس» سوف تؤثر على كافة دول العالم النامي من خلال زيادة الفجوة العلمية والمعرفية عن طريق تحويل قوة المساومة نحو (المصنع للمعلومة) وحسب اللجنة الدولية لحماية حقوق الملكية الفكرية فإن عدد براءات الاختراع العربية لا تتجاوز 5,1% وهذا يعني أن 99% من براءات الاختراعات في يد الدول الكبرى والصناعية، وبما أن الاتفاقية لا تعطي الجانب الإنساني البعد المطلوب، فهنا تحدث المشكلة وتتحول براءة الاختراع الى احتكار ممقوت لاسيما إذا تعلق الأمر ببراءة اختراع دواء فعال يحتاجه ملايين الفقراء، وهنا برزت مقولة «الأرباح أم الأرواح!». ويضيف.. بأن هذا الأمر احدث هزات عالمية كبيرة على مختلف مستوى العالم وعمت المظاهرات كافة المدن حتى في الدول الغنية مطالبة بمراعاة الجوانب الإنسانية والاخلاقية في الاتفاقية مما حدا باحدى الشركات الكبرى وهي شركة بريستول مايرزسكويب بأن تتنازل عن حقوق تصنيع وتسويق بعض عقاقير علاج الايدز لصالح الدول الافريقية مما سمح لهذه الدول بانتاج عقاقير الايدز الباهظة التكاليف بتكلفة قليلة. كما دعا ذلك منظمة التجارة العالمية إلى إصدار نسخة معدلة في بعض البنود الخاصة في الاتفاقية تأخذ فيها بعين الاعتبار واقع الصحة العامة في الدول الفقيرة والنامية وتعطي لها بعض المرونة في تنفيذ البنود المتشددة الخاصة بحقوق الملكية الفكرية. ويحث الدكتور حمودة على ضرورة استغلال الفترة الانتقالية الممنوحة بموجب بنود الاتفاقية بصورة ناجحة وأن تدخل الدولة الى قوانينها الوطنية ما يقابل تلك البنود ويقول كما يجب أن يغطي قانون الدولة امكانية ترخيص الاستيراد الموازي للأدوية المرخصة المباعة بأسعار أرخص في دولة ثانية أو أن تعتمد ـ كما فعلت بعض دول الاندينر ـ إلى مصنع أي دواء موجود في لائحة الأدوية الاساسية الخاصة بمنظمة الصحة العالمية، في عداد ما هو عرضة للاجازة الاجبارية، باعتباره يستخدم من أجل الصحة العامة ضمن الشروط المذكورة في اتفاقية باريس. ويضيف.. كما يجب أيضا على واضعي قوانين وتنظيمات الأدوية الوطنية أن يقوموا بتجديد استراتيجيات وارشادات مناسبة الآن للقوانين والتنظيمات المتعلقة ببراءة الاختراع والظروف الجديدة لانتقال التكنولوجيا والتوجه الجديد نحو موضوع الاستثمار في البحث والتطوير الجديد للأدوية. الصناعات الدوائية الخليجية؟ ويؤكد الدكتور عيسى بن جكة المنصوري مدير إدارة الرقابة الدوائية بوزارة الصحة ـ في سبيل الحد من النتائج السلبية لاتفاقية «التريبس» على الصناعة الدوائية الوطنية والخليجية على أهمية توحيد الجهة المختصة بمنح براءات الاختراع الخاصة بالأدوية في دول مجلس التعاون وكذلك توحيد الأنظمة الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية للدول الخليجية إلى جانب توسيع قاعدة صناعة المواد الخام ودعمها مادياً وتأمين براءات اختراع لها لتصنيع المواد الخام الحديثة. وشدد على أهمية تبني وتنفيذ دراسات متخصصة تبحث في الاثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية للاتفاقية والتأكيد على وضع الانظمة والآليات التي تساعد على نقل تقنية الصناعات الدوائية الى المصانع الوطنية والخليجية وضع الخطط اللازمة لمواجهة زيادة الاسعار المتوقعة. ويقول .. ان هذه المرحلة تتطلب وضع استراتيجية عربية لصناعة الدواء العربي انتاجاً وتسجيلاً وتسويقاً بما يحقق التأكد من منظومة هذه الصناعات، لمواجهة القيود الفنية لاتفاقية حقوق الملكية وكذلك تتطلب السعي الى انشاء مركز عربي متخصص في مجال البحوث والتطوير للصناعات الدوائية والمنتجات المتممة لها، وكذلك التوسع في شركات دوائية عربية مشتركة في مجال تصنيع الخامات الدوائية والتعبئة والتغليف. الصناعات الدوائية العربية في دراسة لبرنامج تمويل التجارة العربية حول الصناعة الدوائية العربية في ظل النظام التجاري اكدت ان الاستجابة للضغوط التي تمارسها شركات الدواء العالمية متعددة الجنسيات من اجل التطبيق الفوري لاتفاقية التريبس سيضاعف اسعار معظم المستحضرات الدوائية في الاسواق العربية بنحو 6 مرات كما يرفع قيمة الاستهلاك من 5,5 مليارات دولار الى حوالي 33 مليار دولار سنوياً وبالتالي وضع صناعة الدواء العربية في مأزق حرج خاصة وان هذه الصناعة مازالت ناشئة في معظم الدول العربية. مؤكدة.. ان تداعيات اتفاقية منظمة التجارة العالمية خاصة اتفاقية حقوق الملكية الفكرية ستكون اكثر وطأة على الصناعات الدوائية العربية دون غيرها من القطاعات الصناعية والخدمية لأسباب عديدة في مقدمتها اهمية الدواء كسلعة اساسية لا غنى عنها، فضلاً عن مسألة براءات الاختراع الى جانب تزايد اعداد المنتجات الدوائية وتنوعها خلال السنوات الاخيرة. وطالبت الدراسة بأهمية انشاء مصنع عربي مشترك لانتاج المستحضرات الدوائية برأسمال لا يقل عن 400 مليون دولار كما اقترحت ان تتعامل الدول العربية مع اتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالادوية مثل الدول التي لها نفس ظروفها الاقتصادية كالهند والصين اللتين تعارضان التطبيق الفوري لبراءات الاختراع وتطالبان بحق الترخيص الاجباري لمستحضرات الشركات الخاصة، وكذلك المساهمة المادية والفنية في الابحاث والتطوير والاستفادة من الفترة الانتقالية التي تمنح للدول النامية وفقاً للاتفاقية، كما توقعت الدراسة ان تؤدي اتفاقية منظمة التجارة الحرة العربية التي تضم اعضاء تستحوذ على اكثر من 93 في المئة من اجمالي حجم التجارة البينية العربية الى رفع كفاءة قطاع صناعة الدواء العربية لاسيما وأن منطقة التجارة الحرة العربية لا تقف عند حدود حرية التجارة، وإنما ترتبط بما توجده هذه الحرية من ديناميكية في الاستثمار والانتاج وبالتالي ستساهم بفاعلية في توسيع نطاق مجالات الاستثمار والانتاج والتطوير. التريبس وطب الاعشاب ويشير الدكتور طارق رضا مسئول تسجيل الادوية المستخلصة من مصادر طبيعية بوزارة الصحة ان اتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالادوية ربما اتت بفائدة كبرى بشكل غير مباشر للدول النامية، وهي الاتجاه والعودة الى التداوي بالاعشاب والادوية التقليدية كما تفعل العديد من الدول الآن ومن بينها الهند والصين وكذلك بعض الدول العربية والخليج، وذلك كرد فعل تلقائي لتجنب الاسعار المرتفعة للأدوية المستوردة واوضح ان منظمة الصحة العالمية، تبنت استراتيجية لتعزيز الممارسة المأمونة والفعالة للطب الشعبي بعد تزايد الطلب على هذا النوع من العلاج نظراً لتوافره وسهولة الحصول عليه فضلاً عن قانونية استخدامه وقلة اثاره الجانبية ورخص اسعاره. ويؤكد.. ان هناك 25 دولة من بين 191 دولة اعضاء في منظمة الصحة العالمية اعدت سياسات حول الطب الشعبي، كما قامت اكثر من 70 دولة باعداد آلية لتنظيم الادوية العشبية. مؤكداً اهمية تنظيم وتفعيل المراكز البحثية في مجال الطب التقليدي وانشاء آليات تنظيمية وقانونية لتعزيز جودة الادوية الشعبية وجودة الممارسة والحفاظ عليها والعمل على حفظ المعارف المتصلة بالطب الشعبي المحلي وحفظ الموارد الطبيعية.