السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 أطلقت شرطة دبي العديد من البرامج الشرطية المجتمعية لحماية المتعاونين معها وتقوم دائما بتكريمهم، وحول هذه البرامج يقول اللواء جمعة عبيد الصايغ مدير الادارة العامة للتوجيه المعنوي بشرطة دبي وهي الإدارة المعنية بتكريم المتعاونين مع الشرطة ان مساهمة هؤلاء في محاصرة الجريمة تعد مؤشراً على نحو الثقافة الأمنية وتعزيزاً للعلاقة التبادلية بين أجهزة الأمن وافراد المجتمع. ويؤكد اللواء الصايغ في تحقيق «عجلة الأمن» ان المعادلة الأمنية كي تتحقق فإنها تتطلب تضافر جهود المؤسسة الرسمية المنوط بها الحفاظ على الأمن والجمهور المتواجد في كل مكان والمعايش لوقائع الحياة بتنوعاتها على مدار الساعة، ومن خلال ذلك الوعي التكاملي بين شطري المعادلة تترسخ المفاهيم الأمنية وظواهرها في كيان المجتمع مما يحقق الاستقرار والتنمية، لذا وفي ظل هذه المدركات حرصت إدارة التوجيه المعنوي على ابراز جهود هؤلاء المتعاونين إعلامياً، لما في ذلك من اثر ملموس في توطيد العلاقة بين الجمهور والشرطة وإنشاء جسور التواصل والتجاوب بينهما. ويوصي المؤسسات الإعلامية بفتح أبوابها وومنابرها لهؤلاء المتعاونين، وإلقاء الضوء على جهودهم وابرازها كي تتجسد في المجتمع وتتسع مساحة تأثيرها وتعمقه ايجابيا لتغيير الصورة النمطية السلبية في المخيلة الاجتماعية عن الشرطة. ويقول العقيد خميس مطر المزينة نائب مدير الادارة العامة للبحث الجنائي بشرطة دبي: «أعتقد جازما أن تعاون الجمهور مع الجهات المختصة يسهم بقوة في تطويق الجريمة وتقليل السلوكيات المخالفة للقانون، ولولا مساندة افراد المجتمع بمعلوماتهم او بالابلاغ عن جريمة او مخالفة او شهادة في قضية لواجه عمل الشرطة تحديات كبيرة». مؤكداً أن عمل إدارة البحث الجنائى يعتمد بصورة أساسية على المعلومات كمؤشرات في التعرف على الجرائم ومرتكبيها، وبعض المعلومات التي لا يشعر المواطن العادي بأهميتها قد تكون سبباً مباشراً في التعرف على هوية مجرم ما، أو تبرئة إنسان من تهمة لم يرتكبها، مشيراً إلى أن كل المعلومات التي ترد إلى الإدارة عبر كل وسائل الاتصال تؤخذ على محمل الجد، ويتم التعامل معها على أنها حقيقية. وشدد على التزام شرطة دبي بحماية المتعاونين معها، والحفاظ على سرية مصادرها ومعلوماتها، كالتزام وقائي يجنب المعتعاون أي متاعب قد تلحق به نتيجة ابلاغه عن جريمة، أو افادته لنا بمعلومات أمنية. واضاف: «بعض المعلومات قد تكون لتحقيق مصالح شخصية او لاغراض كيدية، وليس لها اساس من الصحة، واحيانا تكون لصرف الانتباه عن الأهم، ورغم ذلك يظل اصحاب هذه المعلومات في نطاق المتعاونين معنا، والذي ألزمنا انفسنا بحمايتهم بكل الوسائل لأنهم مصادرنا الأساسية في التعرف على ديناميكية وحركية الجريمة». ويستطرد: انه لاحظ في الآونة الأخيرة ما يدل على انتشار نوع من الثقافة الأمنية في اوساط المجتمع، الأمر الذي ساعد الشرطة في الكثير من مهامها وأعمالها، وساهم في إزالة الحواجز النفسية بين الشرطة والجمهور واستبدال علاقات تبادلية تعاونية بها. ويواصل قائلا: «وتعزيزاً لمثل ذلك النوع من الثقافة الأمنية، اعددنا برامج للتوعية على مستوى عال تتناول الجمهور ودوره الرئيسي في الوقاية من الجرائم التي تنخر في تماسك المجتمع، وفي ذات الإطار وتشجيعاً للمتعاونين خصصنا حوافز مادية لمن يدلي بمعلومات مهمة تساعد على سير التحقيقات والمتابعات، خاصة في قضايا المخدرات، ولا تصرف إلا بعد التأكد من نتائج التحقيقات. واشار الى اهمية دور وسائل الاعلام ومدى ما يمكن ان تقوم به في نشر الثقافة الامنية وتوعية الجمهور بأهمية التعاون مع الشرطة، لاسيما عندما تعرض الجرائم بأبعادها الانسانية او التي تلقى رفضاً مجتمعياً. فذلك يترك ابلغ الاثر في وجدان المجتمع. ويؤكد المقدم عمر عبدالعزيز الشامسي مدير ادارة غرفة العمليات بالإدارة العامة للعمليات على ان برنامج «كلنا شرطة» عمل على تعزيز التعاون بين شرائح المجتمع كافة ورجال الشرطة في مكافحة الظواهر السلبية المخلة بالأمن العام. واوضح ان عدد المشاركين في البرنامج منذ اطلاقه في الأول من اكتوبر عام 2000 وحتى الآن بلغ 3 آلاف و782 شخصاً. وأن المشاركين في تزايد مطرد عاماً بعد آخر، ففي حين كان عدد المشاركين في عام ألفين 339 شخصاً، وصل في عام 2001 الى الف و139، وارتفع عدد المشاركين في العام الحالي الى ألفين و304 اشخاص، وارجع تلك الزيادة الى تفهم الجمهور لدوره المهم في تطويق ما يخالف القانون. وعن آلية البرنامج وطريقة عمله اوضح ان اي فرد مدعو حال ملاحظته سلوكاً مخالفاً لقوانين السير والمرور للمبادرة بالاتصال على الرقم المجاني للبرنامج 8004353 أو بالدخول على الصفحة المخصصة له عبر موقع شرطة دبي حيث سيجد لدى القائمين على البرنامج استعداداً تاماً لتسجيل ملاحظاته مع توفير ضمانات السرية الكاملة، مشيراً الى انه في حالة ابلاغ ثلاثة اشخاص عن شخص مخالف للقانون ثلاث مرات متتالية، فإنه يتم توجيه انذار له وتحرير مخالفة بحقه. وقال: ان التفاعل الجماهيري مع البرنامج يعود الى تعاون وسائل الاعلام التي نحرص من خلالها على الاعلان عن البرنامج وشرح اهدافه، ونشر اخبار تكريم المتعاونين مع البرنامج تشجيعا للآخرين. ويصوب الطبيب النفسي الدكتور علي الحرجان أدواته التحليلية في اتجاه البدايات مؤكداً ان مرحلة الطفولة بكل ما تنطوي عليه من خطورة في التأسيس وتكوين القيم ووجهات النظر تجاه مختلف الأمور تعد حاسمة الى حد بعيد في هذا الإطار: «ما يمر به الصغير من تجارب أو ما ينقل إليه عبر قصص الوالدين والكبار حول الشرطة يشكل صورته عنها، والتي تتراكم بواقع الخبرة والمؤثرات الاجتماعية كلما كبر، وكان ان استقر في الذاكرة الشعبية في كثير من الدول العربية نظرة سلبية للشرطة بفعل جهازها المتسلط في مراحل تاريخية معينة، واستمر تداولها وتناقلها عبر الاجيال، فأثرت سلبيا في شكل العلاقة بين الجمهور والشرطة، يفترض ان تكون تلك العلاقة في الأصل تكاملية، تعاونية باعتبار ان الشرطة في حقيقة وظيفتها ورسالتها مؤسسة مجتمعية خدمية تستلزم الجدية في تعاملها مع الجريمة، وضمن الإطار القانوني». ويضيف الدكتور علي: هذه النظرة السلبية صنعت الخوف من الاقتراب من الشرطة وبالتالي اللامبالاة تجاه الابلاغ عن الجريمة، لاسيما اذا تخيل لمن ينبغي له التبليغ عن الجريمة انه بمنأى عن الاثار المباشرة لها. وابدى اقتناعاً من جدوى تنظيم زيارات لأطفال المدارس الى مراكز الشرطة معتبراً ان انتهاج شرطة دبي لمثل تلك السياسية المجتمعية يؤسس لعلاقة سوية تفاعلية، موصياً بضرورة الاهتمام بنشر الثقافة القانونية الامنية. ولا يستغرب عبدالعزيز الغرير (الرئيس التنفيذي لبنك المشرق) ـ بعد ان قطع على نفسه عهداً بالالتزام بالقانون والحفاظ عليه ـ ان يكون التعاون المثمر هو السمة الغالبة على علاقة افراد الجمهور بأجهزة الشرطة، وهو ينطلق في رأيه ذلك من واقع تجربته في التعامل مع شرطة دبي. ويرجع تردد المقيمين في الدولة من مبادرة التعاون مع افراد الشرطة الى سيطرة فكرة وجودهم المؤقت على ارض الدولة لتحقيق اهدافه اقتصادية محددة، الأمر الذي يجعلهم يتجنبون الاشكاليات التي يمكن ان تترتب على تعامل غير الزامي مع الشرطة، «ولما كان هذا الامر لا ينطبق على مواطني الدولة فإننا نستطيع ان نفهم الحرص الواضح على تعاون المواطن مع أجهزة الشرطة، حباً لوطنهم وخوفا عليه من كل ما يمكن ان يعكر صفو أمنه».