السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 تعود ظاهرة الغياب المزمنة لتطل ثانية علينا فارضة نفسها على مؤسساتنا التعليمية من جهة وعلى المجتمع ووسائل الاعلام من جهة اخرى بعد ان تصورنا انها أزمة تجاوزها الجميع ابان ما اثير حولها في اعقاب اجازة عيد الفطر الشهيرة ولكن دون حسم يذكر. والآن تتجدد الظاهرة مرة اخرى لاسيما ونحن على مشارف اجازة نصف العام الدراسي ويعقبها بأيام طويلة نسبياً اجازة عيد الاضحى المبارك. قد نرى ان من دواعي اخفاق «التربية» في ايجاد حل لهذه المشكلة هو تركيزها على البعد الاجرائي والاداري لها وتعاملها مع نتائجها واعراضها بعد وقوعها بدلاً من التعامل مع الاسباب الحقيقية للمشكلة، لذلك نجد انها تستخدم التهديد لغة وتطالب بحصر اسماء المدارس التي تجاوزت معدلات الغياب فيها حدودها المقبولة.والآن نقول: ان النتيجة الطبيعية لهذا الاسلوب في تناول المشكلة لفت نظر مختلف المدارس وكأن «التربية» تدين نفسها وتفترض ان المشكلة مصدرها ادارات المدارس ولعلها مسئولة بالفعل في جزء من المشكلة وتقوم بالتالي بتوجيه لفت النظر اليها. ومن وجهة نظر اخرى خارج نطاق المؤسسة التربوية نجد من يشير بأصابع الاتهام إلى الاسرة بوصفها مصدر المشكلة، فيما هناك وجهة نظر ثالثة تشير إلى المؤسسة التربوية نفسها باعتبارها اخفقت في ايجاد الانضباط المؤسسي في مختلف وحداتها ومن بينها المدارس، وترى وجهة النظر تلك ان ظاهرة الغياب ما هي الا مشكلة ضمن سلسلة كبيرة من المشكلات اصبحت من ميراث تلك المؤسسة. وربما نجد حلولاً لدى المؤسسة التربوية التعليمية نفسها يمكنها التقليل من حدة المشكلة الا اننا لا شك اخفقنا في مواجهتها، وما جعلنا نستعيد ذاكرتها انها ستطل علينا بعد ايام قلائل ومعها نتساءل: هل ستشهد غياباً جماعياً طلابياً، وترانا اعددنا لمواجهته؟ وهل سنواجه ذلك بمزيد من توجيه اصابع الاتهام لكل طرف لتبقى الظاهرة عالقة دون حل كما اعتدنا عند مواجهتنا للأزمات الكبيرة؟!.. تابعونا. في رأي الدكتور ايوب بدري مدير تعليمية دبي اننا راهنا في الماضي على كثير من الحلول التقليدية المطروحة الا اننا اخفقنا في مواجهة هذه المشكلة وبقيت ظاهرة الغياب في نمو مضطرد، مشيراً إلى ان من يعتقد ان هذه الظاهرة يمكن القضاء عليها فهو واهم وكل ما يجب ان نطمح اليه ان نبقي هذه الظاهرة في حدودها الطبيعية، معدداً اطرافاً كثيرة مسئولة عن استمرارية الظاهرة وتفاقمها ذاكراً منها المدرسة وولي الامر والوزارة وغيرهم. واكد مدير تعليمية دبي ان المدرسة العربية بشكل عام اخفقت في كسب ود الطالب فيما نجحت مؤسسات مغايرة مجتمعية في زمن التغير السريع في كسب وده، فكيف يتسنى لنا قلب تلك المعادلة لضمان ولاء الطالب لمدرسته وبالتالي القضاء على حالة النفور غير الطبيعية لديه متسائلاً: لماذا ترتفع معدلات الحضور والانضباط في مدارس معينة دون غيرها؟ هل الفضل يرجع لوزارة التربية ام لادارات المناطق التعليمية ام للقيادات التربوية في تلك المدارس، مشيراً إلى دور المؤسسة من خلال اتباعها النهج التخطيطي من قبل قياداتها التربوية، والتخطيط على حد قوله يعني التهيؤ للمشكلة قبل وقوعها، فالمدارس التي ترتفع فيها معدلات الحضور تلتزم التزاماً صارماً بالنهج الوقائي في العمل بينما المدارس التي ترتفع فيها معدلات الغياب فإنها تلتزم بالنهج العلاجي في تعاملها مع الامور بمعنى انها تتحرك اثناء او بعد حدوث المشكلة. اجراءات وقائية وحول مواجهة المشكلة يؤكد خليفة بن فارس نائب مدير تعليمية دبي للشئون الادارية والمالية على ضرورة توعية الاسر لابنائها من الطلبة معرباً عن اسفه لعدم وجود الوعي الثقافي والاجتماعي لديها في هذا الجانب الانضباطي داعياً ادارات المدارس كذلك إلى عقد اجتماعات دورية مع اولياء الامور لتوجيههم فيما يتعلق برغبات ابنائهم ومدى انعكاس ذلك على مستواهم التحصيلي. وطالب ابن فارس بوضع عشر درجات على الاقل خاصة بالغياب مما يكون له الاثر الاكبر في تقليل نسبة الغياب والتزام الطلاب بالحضور. وفي السياق نفسه تؤكد نورة لوتاه نائب مدير تعليمية دبي للشئون التربوية ان المنطقة واجهت المشكلة باتخاذ اجراءات وقائية تمثلت في التنبيه على ادارات المدارس بوقت كاف لحث وتحفيز طلابها للالتزام بالحضور مشيرة إلى ان ادارات المدارس قامت بدورها بتذكير اولياء الامور بضرورة حضور ابنائهم خلال الفترة الواقعة بين اجازة نصف العام الدراسي واجازة عيد الاضحى المبارك. ودعت لوتاه إلى العمل على اتخاذ موقف موحد بين الوزارة وادارة المنطقة ومدارسها للوصول إلى آلية من شأنها القضاء نهائياً على تلك الظاهرة التي استشرت بين ابنائنا الطلاب في مختلف مدارسنا. ويرى محمد حسن مدير ثانوية الامام مالك ان حل هذه المشكلة يستلزم تفاعلاً بين المدرسة والمنطقة والوزارة بعيداً عن التعاميم التي تصدر سنوياً حيال مواجهة هذه المشكلة ويتطلب كذلك تنفيذ التربية لكل البنود الخاصة بضبط تلك العملية من خلال التشديد على المناطق بضرورة متابعة الامور في المدارس وكتابة التقارير عن اسباب التسيب ومحاسبة الجميع مطالباً باجراءات شديدة تتخذ في حق الطلبة غير الملتزمين حتى يتسنى القضاء على تلك الظاهرة. وطالب مدير ثانوية الامام مالك التربية بأطر تنظم العلاقة بينها وبين مختلف ادارات مناطقها ومدارسها من واقع المشكلات الميدانية إلى جانب وضع دراسة حديثة حول تلك الظاهرة وايجاد صيغة مناسبة للتعامل والمحاسبة معها ومحاولة القضاء عليهاً جذرياً لافتاً إلى ان الميدان التربوي يعاني من اسر غير عابئة بمصلحة ابنائها. ودعا حسن إلى ضرورة العمل لايجاد آلية بناءة من شأنها احداث تواصل فاعل بين المدرسة والاسرة بما يصب في مصلحة الابناء من الطلاب مشدداً على ضرورة المتابعة السلمية من قبل التوجيهين الفني والاداري للمدارس ومدرسيها وعدم انشغالهم بأي اعمال اخرى ملاحظاً ان الموجهين يكثرون من اجتماعاتهم في الفترة الصباحية مع معلميهم مما يحدث فراغاً على حد قوله يؤدي إلى عدم انضباط المدارس وينعكس سلباً على سير العملية التعليمية بالمدارس ويؤدي إلى غياب الطلاب او صرف ادارات المدارس للطلاب نظراً لانشغال المعلمين في تلك الاجتماعات. وكشف مدير ثانوية الامام مالك النقاب عن ان ادارات بعض المدارس تساعد على تسيب الطلاب من خلال عدم اهتمامهم وعدم متابعتهم لهم. استنكار وشجب ويرى جعفر الفردان مدير السعيدية الاعدادية ان ظاهرة الغياب ليست مرتبطة بالمدرسة بقدر ما هي مرتبطة باجراءات وزارة التربية الواهية البعيدة عن المصداقية دالاً على ذلك متسائلاً: ماذا لو اقدم مدير ومديرة مدرسة على اتخاذ اجراءات ما في حق طلبتهما الغائبين كالانقاص من درجاتهم او تحفيز الحاضرين منهم بالدرجات معتقداً ان الظاهرة كمشكلة تحتاج إلى دراسة وليس إلى استنكار وشجب وزاري. واوضح الفردان ان ادارات المدارس تحتاج إلى دعم عند اتخاذ الاجراءات اضافة إلى حاجتها إلى نص قانوني يجيز لتلك الادارات تطبيق القانون بالشدة الرادعة التي تجعل من الاجازة يوماً دراسياً كاملاً وكذا دليل عمل حتى لا تأتي اجراءات المدارس بطريقة عشوائية وفردية، كل له تأويله الخاص في قضية معروفة ومحددة مسبقاً كاشفاً عن ان بعض الطلاب في بعض المدارس يتحدون اداراتها معللين بأن الغياب الجماعي مبرمج ويغيبون ولا يجدون رادعاً وتابع مشيراً إلى ان هناك مدارس نسبة حضور طلابها تفوق الـ 70% ولا توجه لها حتى مجرد كلمة شكر متسائلاً: هل يستوي من يعمل ومن لا يعمل. واكد الفردان ان الظاهرة ستطل برأسها مرة اخرى في اعقاب عودة الطلاب من اجازة نصف العام الدراسي خلال الفترة الواقعة بين عيد الاضحى مشيراً إلى ان عجلة المشكلة ستعود إلى الدوران مرة اخرى دون ان تجد حلاً جذرياً من اهل الخبرة والاختصاص. وتساءل مدير السعيدية الاعدادية: لماذا تعتمد الوزارة على الاجتهادات الشخصية لادارات المدارس وكل الذي تفعله مجرد زوبعة في فنجان، ولماذا تمارس الارهاب الاداري في حالة غياب المعلمين؟ ولماذا تعمدت وضع يوم السبت كآخر يوم دراسي في الفصل الدراسي الاول وليس يوم الاربعاء كما هو متعارف عليه في مثل هذه الحالة؟ في حين ان الوزارة تغض الطرف عن الطلاب ولا تحاول ممارسة اي نوع من انواع الاجراءات المشددة. الكرة في ملعب التربية واكد الفردان ان الكرة الآن في ملعب وزارة التربية والتعليم ويعني بذلك القضية برمتها مستفسراً: ماذا فعلت من اجراءات وقائية او دراسات او خطط توعية وحملات اعلامية او توزيع نشرات او ملصقات لافتاً إلى عدم وجود شيء عدا كلمات ساخنة تحمل في طياتها شجباً واستنكاراً. وتابع قائلاً: دائماً ما تتجه اصابع الاتهام لادارات المدارس وتبعد الوزارة عن نفسها التهمة وكأن المدارس لها حق دخول البيوت واحضار الطلبة بالامر داعياً إلى طرح القضية للنقاش والدراسة وضرورة ان تفعل الوزارة دور الوعي الذي تمتلك آليات تنفيذه وليس المدرسة، فالادارة المدرسية لا تمتلك الاعلام والاذاعة والصحافة والتلفزيون بل تمتلك مجرد مراسلات فقيرة محدودة الفاعلية اما الوزارة فتمتلك الكثير من آليات التنفيذ وتمتلك رؤى وخبراء ودراسات وتستطيع ان تفرض رؤيتها واسلوبها في المعالجة اكثر من المدرسة. ودعا الفردان التربية للتحرك قبل ان تصبح هذه القضية حقاً مشروعاً للطالب يدافع عنه في السنوات المقبلة. ويؤكد يوسف السيد الاختصاصي الاجتماعي بثانوية الامام مالك ان مواجهة تلك الظاهرة والقضاء عليها تكمن في ضرورة توجيه وارشاد الطلاب إلى اهمية الحضور اليومي مصلحة لهم ولمستقبلهم الدراسي مشيراً إلى اهمية دور اعضاء الهيئة التدريسية بمختلف تخصصاتها في توجيه ابنائهم الطلاب لاهمية كل حصة مشددين على ان الحصص التي تفوتهم لن يتم شرحها ثانية مع ضرورة تكثيف الحملات الاعلامية لاولياء الامور تدعوهم فيها وزارة التربية والتعليم إلى اهمية متابعة الابناء وعدم المساعدة على تغيبهم وقيام التوجيه الاداري بمختلف مناطقنا التعليمية بالمرور على المدارس للتأكد من مسألة الانضباط الطلابي داخل المدارس وبحث مسألة الايام التي تقع بين اجازتين إلى جانب العمل على تعديل لائحة الغياب بما تتفق والتوجهات الجديدة التي تنادي بالمحافظة على النظام المدرسي وعدم الهدر في ايام الحضور. تحقيق: يحيى عطية