الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 واصل المؤتمر السنوي الثامن «التقنية الحيوية ومستقبل المجتمعات البشرية التحديات والفرص» الذي ينظمه مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية فعالياته بفندق انتركونتيننتال أبوظبي لليوم الثاني على التوالي بمشاركة عدد من الباحثين والمتخصصين. ففي الجلسة الثالثة الصباحية التي ترأسها جمال الرميثي من شركة ادنوك، قدم اندرو جرين من شركة ميرلين بيوسيانسز ورقة عمل بعنوان «الاستثمار في صناعة التقنية الحيوية: دور البحث والتطوير» أشار فيها الى أن مؤسسات البحث في اوروبا وفي مناطق كثيرة خارجها تواصل عمل بحوث بمستوى عالمي في مجال العلوم الحيوية. وقال: على الرغم من التطورات في نوعية وتوافر الرعاية الصحية على مدى السنوات العشرين الماضية، فقد تمت تلبية القليل من الحاجات الاكلينيكية. فلا يوجد، على سبيل المثال، علاج شاف لأنواع السرطان الرئيسية التي يتأثر بها واحد من كل ثلاثة اشخاص في العالم المتقدم. ويعاني واحد من كل اربعة اشخاص، في مرحلة ما من حياته، امراض الجهاز العصبي المركزي، بينما اخذت الأمراض المعدية التي تم التغلب عليها في السابق تعود في شكل سلاسل تقاوم المضادات الحيوية. أن نوعية الحياة تعتبر مادة رئيسية في اجندة سكان متقدمين في السن اصبحوا اكثر وفرة ووعيا صحيا. وأضاف: أن شركات الأدوية الكبرى تنتظر من شركات العلوم الحيوية منتجات وتقنيات جديدة. وما لم تتخذ هذه الشركات الكبرى اجراءات فإن مبيعاتها يمكن أن تتناقص الى النصف على مدى الأعوام العشرة التالية مع انتهاء فترة براءات الاختراع الخاصة بالأدوية التي تدر عليها المال. وعلى مدى السنوات القليلة الأخيرة، عرفت صناعة الأدوية الدور الذي تؤديه شركات العلوم الحيوية في اكتشاف الدواء وتطويره في مرحلة مبكرة، وقد اتخذت لها موقفا وفقا لهذا الواقع. ولقد خلق هذا التوجه سوقا مستدامة لمنتجات شركات العلوم الحيوية ففي عام 2000 جاءت 65% من طلبات الأدوية الجديدة التي قدمت الى ادارة الغذاء والدواء الأميركية من بحوث قامت بها شركات العلوم الحيوية. وقال: تحتل السوق الأوروبية للعلوم الحيوية المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بالحجم، وهي أسرع الأسواق نموا في العالم. وقد ارتفع عدد شركات العلوم الحيوية في اوروبا حوالي 16% في عام 2000 وخلال الفترة نفسها زاد اجمالي انفاق شركات العلوم الحيوية على البحث والتطوير حوالي 48% في اوروبا و1% فقط في الولايات المتحدة الاميركية. وعلى نحو جدير بالملاحظة، اخذت مناطق اخرى تستكشف الان قدرة التقنية الحيوية الكامنة،وتنفذ سلسلة من المبادرات لكي تشرع في صناعاتها الخاصة في هذا المجال. وأشار إلى أن مؤسسات البحث في اوروبا، وحاليا في مناطق كثيرة خارج اوروبا، تواصل عمل بحوث بمستوى عالمي. وتشمل المؤسسات الاوروبية جامعتي اكسفورد وكامبردج، ومعهد باستور، ومعهد فرونهوفر، ومعاهد ماكس بلانك المختلفة، والمختبر الاوروبي للأحياء الجزئي EMBL، وجامعة كارولينسكا، ومركز سانجر، وجامعة ليدن، وجامعة توركو ويجب أن تكون المشروعات التجارية قادرة على أن تتطور وتتوسع على أساس علاقات طويلة الأجل من تلك المؤسسات والعلماء الذين يعملون فيها حتى تحصل على منفذ الى فرص الاستثمار. وذكر بأن رأس المال الاستثماري يؤدي دورا محوريا في نجاح صناعة التقنية الحيوية، اذ يجلب التمويل والخبرة الى العلماء ومتعهدي الأعمال، وبذلك يحفز تحرك العلوم من المختبر الى ساحة السوق إن مشروعات رأس المال الاستثماري المتخصصة مؤثرة في عملية نقل العلوم من الحلبة الاكاديمية الى القطاع التجاري، وجمع الأموال، وتأسيس أعمال تعالج ضرورات الرعاية الصحية التي لم تتم تلبيتها. كما قدم الدكتور جون بيرسي مدير هندسة وعلوم الكيمياء الحيوية بمختبرات دوبونت المركزية للبحث والتطوير ورقة عمل بعنوان «التقنية الحيوية ومستقبل المواد» أشار فيها الى أن اكتشاف بنيه الدنا في الخمسينيات من القرن العشرين قاد الى دراسة مفصلة للطريقة التي تشغر بها الدنا مكونات الكائنات الحية، حيث عزز الاستثمار الهائل للوقت والفكر ورأس المال في هذا المجال فهم المباديء البيولوجية، وأتاح ادوات متزايدة التعقيد للاستفادة من المفاهيم البيولوجية بطرق قيمة. وقال: قبل نحو 25 عاما بدأ علماء الأحياء الجزيئية في تطوير القدرة على تحديد انتاج البروتينات المفيدة، على المستوى الجزيئي، وغيرها من المنتجات، وقد وصلت ثورة التقنية الحيوية التي بدأت مع هذه التجارب المبكرة الى اوج قوتها الان، وقد كانت لها سلفا اثار رئيسية على اسلوب الحياة، لانها وفرت ادوية واغذية وغلالا جديدة، بالأضافة الى وسائل جديدة لتأمين سلامة التموين الغذائي وتشخيص الأمراض البشرية. وأضاف: لقد اخذ استعمال التقنية الحيوية لانتاج الكيماويات والمواد ذات القيمة الصناعية يبرز بوصفه قوة ا قتصادية كبرى، وقد كانت التحسينات المتواصلة في الانتاج الزراعي، الذي يوفر المواد الخام اللازمة، وقاعدة المعرفة المتفجرة لبنية الدنا، وادوات التقنية الحيوية القوة الدافعة للانتاج البيولوجي لكميات كبيرة من الكيماويات المهنية والمواد المستمدة من الموارد المتجددة، وجعلت هذا الانتاج ممكنا، وتستخدم كل هذه العناصر في الصناعات الكيماوية وتلك التي تقوم على القاعدة المادية، بما في ذلك انتاج الطاقة، والنقل وصناعة الملابس والاسكان. علاوة على ذلك، تستخدم مناهج التقنية الحيوية في توليد بنى بالغة الصغر وعالية الدقة للاستعمال على نطاق واسع في مجالات، مثل الطب والالكترونيات وعمليات الطلاء الدقيقة. وهكذا نجد أن التقنية الحيوية مهيأة لأن تقدم اسهامات كبيرة في مستقبل المواد الصناعية على نطاق يتراوح من اكبر حجم الى اصغر حجم. وأوضح أن مثل هذه التطورات المثيرة للاعجاب تمثل مرحلة اولية فقط، اذ يتواصل استكشاف طرق لتضمين مباديء بيولوجية في مناهج متعددة النظم العلمية مع علوم، مثل الهندسة، والكيمياء، والفيزياء، والعلوم المادية بكل تاريخها الطويل الناجح في الابداع. وسوف يحسن هذا القدرة على الاستفادة من الموارد والمباديء المتجددة في انتاج المواد الصناعية، وفي القيام بخطوة رئيسية نحو ضمان مستقبل مستدام. وقدم راي جولدبيرج الاستاذ الفخري للزراعة وادارة الاعمال رئيس هيئة التدريس في الحلقة الدراسية للادارة العليا للاعمال الزراعية بكلية هارفرد لادارة الاعمال ورقة عمل بعنوان «التقنية الحيوية والصناعة الزراعية في المستقبل» أشار فيها الى ازدياد أهمية دور الشركات الزراعية المتعددة الجنسيات وكذلك منظمات البحث الحكومية والمؤسسات والمعاهد الدولية في النظام الغذائي العالمي، حيث ارجع السبب في ذلك الى أن البحث والتطوير لايجاد محاصيل جديدة تتصف بالمقاومة والانتاجية الغزيرة وارتفاع القيمة المضافة يتطلب مستويات عالية من التحويل، حيث تقوم الشركات الزراعية الكبرى باستثمارات حاليا بالاشتراك في انتاج وتوفير معلومات كيميائية، حيوية وجينية اساسية. وقال بالتزامن مع هذا فأن دور المزارعين اخذ بالانكماش، ففي عام 1950 اسهم المزارعون بما يقارب 32% من القيمة المضافة الى قطاع الاعمال الزراعية العالمي، ولكن بحلول عام 2028 سوف يضيف المزارعون فقط ما يقدر بنحو 10% من القيمة المضافة. وأوضح د. جولدبيرج أن معالجة الغذاء وتوزيعه اسهما بنحو 50% من القيمة المضافة في الخمسينيات من القرن العشرين مشيرا الى أنها سوف تصل الى ما يزيد على 80% بحلول عام 2028. وأشار الى أن دور المزارع قد اخذ يتغير في ضوء اضطلاعه بمسئوليات لا تشمل انتاج الغذاء والعلف والالياف ومنتجات الطاقة فحسب بل انتاج الادوية ايضا. وقال أن وجوه التقدم في التقنية الحيوية تصطدم بعدم الثقة التي تنظر بها بعض الجماعات الى العلم، حيث تعبر هذه الجماعات عن مخاوف فيما يتعلق بسلامة المحاصيل المعدلة جينيا، واستخدام التقنية الحيوية الزراعية في الدول النامية، ولكن يمكن أن يتسبب حظر الاغذية المعدلة جينيا في كارثة للدول النامية مشيرا الى أن ما تسمى «الثورة الخضراء» التي تهدف الى تخفيف الجوع على نطاق العالم تعتمد الى حد كبير على التعديلات الجينية التي تمكن المحاصيل من مقاومة الظروف القاسية للمناخ والتربة. وأضاف: أن قضايا النظام الغذائي العالمي لا تقتصر على تلك التي تتعلق بالانتاجية، ولكنها تشمل ايضا قضايا البيئة والتجارة العالمية والتغذية وسلامة الغذاء، والصحة والاستقرار السياسي للدول والمناطق، كما تشمل قضايا الوصول الى التقنية وضمانات الملكية الفكرية. وفي الجلسة الرابعة المسائية قدمت الدكتورة سوبا يلي المساعدة السابقة لوزير الدفاع الاميركي للشئون الصحية ورقة عمل بعنوان «الارهاب البيولوجي والامن القومي» حيث قدمت عرضا عاما لقضايا الارهاب البيولوجي كتأثيرها في قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها ضد اسلحة الدمار الشامل في شكل عوامل بيولوجية وكيماوية او عواقب استخدام وسائل ارهابية اخرى بما في ذلك العوامل التي تسبب العجز، والأسلحة التقليدية، او حتى الهجوم النووي. استهلت الدكتورة بايلي ورقة العمل بتقديم نبذة تاريخية لأمثلة الحرب البيولوجية في ازمنة قديمة، في اثناء الحربين العالميتين وفي النزاعات العسكرية السابقة الأخرى. وسوف تستقصي ايضا تنامي بروز الارهاب الكيماوي والبيولوجي في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وتشمل النبذة التقارير المبكرة عن الحرب البيولوجية بما في ذلك المحاولات البدائية لامراض العدو في ميدان القتال واهلاك السكان المدنيين. وستشتمل تفاصيل الخطر المتنامي للارهاب البيولوجي على الأحياء والعلوم التي تتصل بالعوامل البيولوجية الرئيسية مثل الجمرة الخبيثة والجدري. واستعرضت الورقة كذلك المخاطر المتزايدة المتعلقة بانتشار العوامل الكيماوية والبيولوجية والنووية في عالم مضطرب اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وبالتالي زيادة احتمال استعمال اسلحة الدمار الشامل هذه في حرب غير متماثلة او في العمليات الارهابية. وسوف تتم مناقشة هذا الخطر المتنامي، نتيجة لتوافر الخبرة الواسعة والمواد الضرورية لانتاج اسلحة الدمار الشامل، بالنظر في قضايا التشتت العالمي للمعلومات عبر الانترنت والأشكال الأخرى من الاتصالات المتوسعة، بالاضافة الى التجارة الفعلية في العوامل والمواد البيولوجية والكيماوية والنووية. اخيرا، سوف تستكشف الورقة حلولا تتعلق بالسياسات الداخلية والدولية في مجال مكافحة الارهاب، بما في ذلك مسائل تحريم ونزع السلاح وغيرها من المنهجية النظامية، بالتركيز على الجوانب الطبية والعلمية والبيولوجية للارهاب. كما تناولت الورقة ايضا الجوانب المحددة لادارة الأزمة والاستعداد للطواريء، كما تقدم موجزا لتفاصيل ادارة عواقب هجوم بأسلحة الدمار الشامل او عملية ارهابية. وتشمل هذه التفاصيل متطلبات نظام متناسق للصحة العامة، وشبكة اتصالات بينية الترابط بالاضافة الى تزويد اول شبكة استجابة بالتدريب والعاملين والمعدات الملائمة، وتنظيم ادارة العواقب. وقدم الدكتور جيلن ماكجي استاذ الاخلاقيات الطبية والفلسفة والتاريخ بكلية الطب في جامعة بنسلفانيا ورقة عمل بعنوان «المضامين الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للتقنية الحيوية أشار فيها الى أن التقدم التقني يجعل من الممكن الان التدخل في النظام الطبيعي على المستوى الجيني، مؤكدا ضرورة حل العديد من القضايا في المجالات السياسية والاكاديمية والاجتماعية والثقافية قبل السماح للاجراءات والمنتجات الجديدة بالدخول في حقل التقنية الحيوية والقبول بها. وقال: لقد اوقد احتمال الاستنساخ البشري، بوجه خاص، جذوة جدل كبير حول التكاثر والحدود الأخلاقية للبحث العلمي، وقاد الى مناظرة عالمية متنامية أن التقنية الحيوية والبحوث المتصلة بها تمكن الانسان من ممارسة درجة من التحكم في خلق الحياة. وتكشف مثل هذه البحوث، مرة اخرى، أن التقنيات العلمية ليست متحررة كلية من القيم، كما يزعم غالبا، ولكنها قد تستخدم لدعم أهداف ورؤى جماعات قوية في المجتمع. وذكر بأن رد الفعل القانوني على التقدم في مجال التقنية الحيوية مرتبط على نحو متزايد بتعريف الاطر العلمية للبحث العلمي، وتحديد المدى المسموح به لتطبيقات التقنية الحيوية، مثلا، في مجالي الرعاية الصحية والزراعة. فعلى سبيل المثال تعمل بحوث الخلية الجذعية في نطاق قانوني تلفه الضبابية، ولذلك فانها تحصل على تمويل حكومي ضئيل في الولايات المتحدة الأمريكية وانحاء اخرى من العالم، وتظل الشركات الخاصة هي المصدر الرئيسي لتمويل تلك البحوث. قد يسهل هذا الوضع تركيز حقوق الملكية الفكرية في ايدي مجموعة صغيرة من الشركات، ويؤدي الى مشكلات في المستقبل فيما يتعلق بالحصول على مزايا التقنية الحيوية. اما القضايا القانونية الأخرى التي تنبثق عن فرص التقنية الحيوية واستخداماتها، فهي سرية المعلومات الصحية، والمسح الجيني للمجرمين وموظفي الخدمة المدنية، والتمييز الجيني. وقال: لقد اخذ عدم المساواة في القوة والثروة بين الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الفردية، وكذلك بين الدول الغنية والفقيرة، يرتفع في السنوات الأخيرة. لقد كانت القوة والثروة تستخدمان دائما للتأثير في البحوث والتطورات التقنية او للتحكم فيها، مما يترك مجالا صغيرا للمناهج المختلفة التي تتبناها المجموعات الاقل ثروة وتعليما. وفي الواقع، ربما تبرز ظاهرة احتكار قلة من العلماء نتيجة للفجوة المتسعة في المعرفة بين الطبقات والدول. وفي ضوء وضع الغلبة الذي يحظى به الكمال المادي والسلوكي بوصفه قيمة اجتماعية، فأن تطبيقات التقنية الحيوية ربما تزيد حالات التمييز. كما تناول المحاضر الحجج الرئيسية في المناظرة حول التقنية الحيوية، بينما تركز على اعطاء اهتمام خاص بالمضامين الاخلاقية والاجتماعية لاستخدام التقنية الحيوية في المجال البشري. ويناقش المؤتمر اليوم «الاثنين» في الجلسة الخامسة والاخيرة ورقة عمل بعنوان «التقنية الحيوية ومستقبل الطب» للدكتور جريجوري ستوك مدير برنامج الطب والتقنية والمجتمع بكلية الطب في جامعة كاليفورنيا وكذلك ورقة عمل بعنوان «التقنية الحيوية ومستقبل صناعة الادوية» للدكتور الان هابرمان رئيس مؤسسة هابرمان، ورئيس المجموعة الصيدلانية الحيوية. أبوظبي ـ عبد الرزاق المعاني:
