الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 في مستشفى صقر برأس الخيمة يرقد على أسرة المرض أربعة من طلاب المدارس المواطنين أحدهم في حالة خطرة استدعت بقاءه في غرفة العناية المركزة بينما ساق الأجل المحتوم طالبين الى القبر وسط حزن الجميع. وقبل مجيء من بقوا على قيد الحياة إلى المستشفى كان هولاء الطلاب في حالة صحية ممتازة ولا يشتكون من شيء حتى وان كان ذلك الشيء هو الامتحانات. ولكن الاقدار جعلتهم ضحايا للحوادث المرورية. ويعترف المسئولون في شرطة مرور رأس الخيمة بأن المجتمع برمته يواجه على الطرق الداخلية والخارجية ما يمكن أن يطلق عليه «حرب السيارات». والحرب التي يتحدث عنها القائمون على إدارة المرور والترخيص حصدت خلال العام المنصرم 52 قتيلا اكثرهم من أبناء الإمارات. ويقول المقدم محمد عسكر أحد اقدم ضباط المرور في الدولة: لقد فعلنا كل ما يمكن عمله لاجل وقف نزيف الدم الغزير على الطرق ودائما تكون النتيجة مزيداً من الحوادث ومزيدا من الموتى والمصابين. وضمن الأسباب الكثيرة التي تقف وراء الحوادث المرورية تبرز القيادة بدون رخصة كواحد من تلك الأسباب. ويضيف عسكر ان عدم الحصول على رخصة القيادة يعني ان الشخص غير مؤهل لقيادة السيارة وبالتالي فان يفعل ذلك يجاذف بنفسه وغيره وحينئذ تكون النتيجة هي ذاتها التي حدثت لمجموعة طلاب الحمرانية الثانوية. وكما هو حال الكثيرين فان عسكر يشتكي من عدم الجدية في ضبط الشارع المروري، هو يقول «من الواضح ان خللا ما يساهم في الكارثة المرورية التي تهدد الجميع». ويضيف قائلا: لا يعني ذلك ان الامور الاخرى بمنأى عن تفاقم ظاهرة الحوادث المرورية المرعبة فالطرق غير المؤهلة ولجوء السائقين للسرعة على طرق رأس الخيمة غير المزدحمة هي كلها مدعاة لوقوع المزيد من حوادث المرور المروعة. ونظراً لان تطبيق قانون المرور لم يعط النتائج المطلوبة فان عسكر يتقدم باقتراح مهم يتمثل في منع الطلاب من الحضور الى مدارسهم في سيارات يقودونها هم بأنفسهم علماً بأن الحافلات متوفرة. ويضيف لتقديم هذه الخدمة لدينا تجربة ناجحة في هذا الأمر، فعندما كان طلاب المدارس العسكرية يتحركون في سياراتهم كانت الطرق تشهد يومياً الكثير من الحوادث التي هم طرف فيها ولكن بعد قرار نقلهم في حافلات عسكرية امكن توفير السلامة المرورية لهم ولغيرهم من مستخدمي الطريق. وشدد المقدم عسكر الذي يشغل حالياً منصباً استشاريا في ادارة المرور والترخيص على وجوب تعاون كل افراد المجتمع من اجل توفير الحماية لكل من يعيش في المجتمع موضحاً ان المشكلة تستدعي امتثال السائقين للاجراءات المنظمة لحركة السير. ويقول عسكر: من خلال حركة السير يمكن ان نبرهن للاجانب بأننا أمه تعيش الرقى كما ينبغي في كل شئون حياتها. ومن جهة نظر المقدم حسن راشد البريكي رئيس قسم الدوريات الشمولية فإن الاسرة تلعب دوراً مهماً في المتاعب المرورية ويتساءل بريكي: هل من المعقول ان تكون الاسرة على غير علم بما يقوم به ابنها الصغير مثل قيادة سيارة والده ليصل بها للمدرسة او التجول بها لساعات متأخرة من الليل؟ وضمن ما قاله بريكي وهو الذي يقود الدوريات الشمولية المعنية بالوصول لمواقع الحوادث المرورية في امارة رأس الخيمة فان الشباب يبذلون كل ما في وسعهم مادياً وعينياً وفكريا لاجل تمكين سياراتهم من بلوغ سرعة غير مسبوقة. وهو يقول: في كثير من الأوقات يلجأ الشباب لادخال تعديلات فنية على سياراتهم مثل تركيب أجهزة للغاز بتكلفة باهظة تصل الى اكثر من30 ألف درهم. وعندما ينتهي الشباب من تجهيز سياراتهم بأنابيب ضخ الغاز فانهم يشعرون بالارتياح لان سياراتهم تستطيع خلال ثانية واحدة زيادة سرعتها الى 20 كيلو متراً في الساعة ولكن المقدم بريكي يقول وهو يضحك اتدرون الى اين يذهب الشباب بسياراتهم المسرعة انهم الى النهاية المؤلمة؟ وناشد اولياء الامور اظهار نوع من الحرص على حياة ابنائهم، مشيراً الى ان العاطفة يجب ألا يكون لها موطيء قدم هنا. وامتدح رئيس قسم الدوريات الشمولية موقف أحد اولياء الأمور جاء اليهم يشتكي ابنه الذي اضاف لسيارته اجهزة غاز لمضاعفة السرعة.. ويقول: قابلنا ذلك التصرف بالترحاب والاشادة وعالجنا المشكلة كما كان ولي الامر راغباً في ذلك واملنا ان يحذو اولياء الامور حذوه حفاظا على سلامة ابنائهم. هزة بالوسط التربوي هز الحادث الأليم الذي وقع لطلبة مدرسة الحمرانية الثانوية للبنين برأس الخيمة صباح أول أمس الوسط التربوي وآثار الحزن والألم في المنطقة كلها، وكل من يسمع أو يقرأ عن تفاصيل الحادث لشباب في مقتبل العمر، ومع ايماننا العميق بالقضاء والقدر يظل بداخلنا سؤال بل عدة تساؤلات لمعرفة من المسئول؟ هل هو الطالب الذي يقود السيارة دون رخصة قيادة بدعوى انه يريد اختصار الوقت وليعود لمنزله بسرعة استعداداً للامتحانات في اليوم التالي؟! أم الأهل وتسأهلهم في أن يقود اولادهم السيارات دون ترخيص؟ أم لأسباب اخرى.. توجهنا لمستشفى صقر برأس الخيمة حيث يرقد الطالبان اللذان نجيا من الحادث وهما احمد عبدالله قائد السيارة وحمدان محمد حمدان وكان يجلس بجواره وقت وقوع الحادث وقد تم نقلهما لقسم الجراحة بعد استقرار حالتيهما بعد الحادث. حمدان اصابته بسيطة وقد بدا متماسكا وان التزم الصمت وهو يعاني من اصابة مباشرة في الأذن اليمنى حاولنا كسر حالة الجمود والصمت فبادرناه بسؤاله عن امتحان الجغرافيا الذي اداه قبل وقوع الحادث بدقائق.. فقال الحمد لله كان زين.. وعاد الى صمته حينما سألناه عما حدث وكأنه يريد ان يتذكر.. وقد جذب والده محمدحمدان ـ موظف بالقوات المسلحة اطراف الحديث في نبرة يكسوها الحزن والايمان بالقضاء والقدر وقال في كلمات موجزة «قدر الله وما شاء فعل» والحمد لله على كل حال، وطالب والد حمدان خلال حديثه اولياء الامور بالحرص على اولادهم ومتابعتهم بشكل مستمر وعدم السماح لهم بقيادة السيارات في هذه السن لحمايتهم من الأخطار التي يتعرضون لها، واشار الى ان تكدس الباصات المدرسية بالطلاب بعد انهاء الامتحانات وطول الفترة التي يستغرقها الباص لتوصيل ابنائهم قد يكون هو سبب هروب الطلاب من ركوبه ليعودوا للمنزل بسرعة ليستعدو لمذاكرة امتحان اليوم التالي.. ولكن لاراد لقضاء الله سبحانه وتعالى، واشار إلى ان طريق المدرسة محفوف بالمخاطر من كل جانب والحيوانات السائبة فيه تفاجيء المارة في اي وقت والطريق غير آمن ومتعرج جداً ومليء بالحفر. هدر الطاقات الشبابية وكان يرقد في الغرفة المجاورة زميله احمد عبدالله قائد السيارة وهو يعاني من كسر في عظام الترقوة وحالته مستقرة وان كان الحزن والألم يكسوان وجهه ولم نتمكن من الحديث معه مراعاة لحالته النفسية. وفي لقاء مع المسئولين بالمنطقة وادارات المدارس حول دورهم في توعية الطلبة واولياء الأمور يقول عبدالله حسن حماد نائب مدير منطقة رأس الخيمة التعليمية انه من المحزن ان يتعرض طلابنا لحوادث طرق، وهذا هدر للطاقات الشبابية لأسباب خارجة عن ارادة البيئة التعليمية، فحوادث الطرق قبل كل شيء قضاء وقدر إلا أن معرفة الاسباب وتحري الدقة في المعالجة مطلوب سواء على مستوى الادارات المدرسية أو الاهالي، فكيف يمنح اولياء الأمور سيارات لابنائهم وهم في عمر الزهور ومازالوا يشعرون بالمسئولية تجاه هذه الوسيلة فهم معرضون في مثل هذه الحالات الى حدوث حوادث. ويطالب حماد ادارات المدارس ان يتبعوا اساليب التوعية المستمرة لمثل هذه السلوكيات وتبصير المجتمع بخطورتها لانها اصبحت ظاهرة عواقبها أليمة، كما اكد ان مجالس الآباء والطلاب معنية بهذا الأمر وخاصة في المدارس المشتركة التي تشتمل على مراحل عديدة وأعمار مختلفة. ويؤكد اهمية استخدام الطلاب للحافلات المدرسية حفاظا على سلامتهم وان ترصد المخالفات التي تبدر من الابناء في سوء استخدام هذه الوسيلة وعرضها على المسئولين للمزيد من الدراسة ومعرفة الاسباب ووضع الحلول المناسبة. ويشير الى ان هناك بعض الشباب المتهورين الذين ينتمون الى المجتمع المدرسي ويتسببون في جذب الطلبة اليهم واشراكهم في مغامرات بالشوارع لا تنتهي إلا بمآس مما يتطلب وقفة سريعة وجادة من اولياء الأمور تجاه تحري اصحاب ابنائهم وعلاقاتهم مع زملائهم ومعرفة سلوكياتهم حفاظا عليهم. ويضيف حماد: نحن نلاحظ ان التغيرات التي تحدث للطلبة في مرحلة سن المراهقة تستدعى التدخل السريع لوقفها ان كانت سلبية وخاصة في المرحلة الاعدادية التي تعد من أخطر المراحل التي يمر بها الطالب وتكون قابلة للتغيير بسبب اصدقاء السوء او المسلسلات التي يبثها الاعلام والتي نطالب بإعادة النظر فيها لانها تحمل سلوكيات سلبية تؤذي الابناء، وتنعكس سلباً على تربية النشء. ومن جانبه أكد ابراهيم أحمد جاوي مدير مدرسة الحمرانية للتعليم الاساسي والثانوي للبنين برأس الخيمة، انه بالرغم من ان المدرسة تقوم بصفة مستمرة بتوعية الطلاب عن أهمية ركوب الحافلات المدرسية وعدم قيادة سيارات خاصة دون الحصول على رخصة للقيادة، وهنا نتساءل من الذي سمح لهم بقيادة السيارة؟ والحقيقة ان تدليل اولياء الأمور لابنائهم قد يتسبب في القضاء عليهم، وصدق المثل القائل النعمة نقمة والفقر نعمة، وأعرب عن اسفه الشديد للحادث وارواح الشباب التي تهدر، واكد ان الطلاب الأربعة الذين كانوا يستقلون السيارة المنكوبة كانوا من خيرة طلاب المدرسة. وقد اقترح جاوي ان يقوم المسئولون برفع سن الحصول على الرخصة الى 20 سنة او دفع مبلغ مالي يقدر بعشرة آلاف او عشرين الف درهم للحصول على ترخيص السواقة، كما تقوم ادارة المرور والترخيص بمصادرة اي سيارات مخالفة للقوانين وبالتأكيد ستختفي الظاهرة خلال أيام. واضاف عموما اولياء الأمور هم المسئولون عما يحدث لابنائهم في المقام الأول. وقد قمت صباح اليوم بمصادرة جميع السيارات التي حضر بها الطلاب للمدرسة واتصلت بأولياء امورهم لاستلامها واتخاذ اللازم. واشار احمد الطابور مدير مدرسة عمر بن الخطاب الاعدادية برأس الخيمة الى الحزن والأسى الذين يخيم على مدارس المنطقة بسبب وفاة الطالبين وتمنى للمصابين الشفاء العاجل، ونوه إلى ضرورة التزام أولياء الأمور بعدم السماح لاولادهم بقيادة السيارات إلا بعد انتهاء المرحلة الثانوية والتأكد من تحملهم لمسئولية هذا الدور للمحافظة على أرواح فلذات اكبادهم ويعوجهونهم دائما لضرورة ركوب باص المدرسة والالتزام بذلك. واكد ان الظاهرة خطيرة ولابد تكاتف جميع المسئولين بكل فئاتهم للحد منها، واضاف ان وجود دورية شرطة أمام كل مدرسة ثانوية او اعدادية للبنين بالامارة بالتأكيد يساهم في حل المشكلة. متابعة: سليمان الماحي _ نجلاء سعد الدين