السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 عندما كان ابني خالد طالباً في كلية الشرطة بدبي كان يتصل بي في تلك الايام الاولى من حياته الشرطية الجامعية يقول لي بأنه حسن السيرة والسلوك مع زملائه، واساتذته ومدربيه، لكنه يعامل معاملة الاشقياء الذين يخالفون القانون او يحدثون شغبا أو يقلقون راحة الطلاب. في البداية كنت احزن لما يحدث له، وكنت أتألم لتألمه، ولاسيما «انني اعرف خالداً» ابني فهو مثال للطاعة والادب مع الناس. سألته في تلك المرات التي كان يشتكي فيها لعلك شاركت المشاغبين في شيء، فيقسم لي بالله العظيم بأنه لم يتحرك من مكانه ولم يكلم احداً، ولم يغادر سريره في الليلة التي اجبروا على ان يحملوا اسرتهم الى ساحة الكلية ليناموا خارج غرفهم عقاباً لهم. قلت له كيف يعاقبونك اذن وانت بريء براءة الذئب من دم يوسف؟ قال: انهم يطبقون مبدأ «الخير يخص والشر يعم». قلت: لكني احفظ منذ صغري قول الله تعالى «ولا تزر وازرة وزر اخرى» واحفظ المثل الذي يقول «لا يؤاخذ الانسان بجريرة غيره». ثم بعد ذلك توجهت الى كلية الشرطة وهي الآن تسمى اكاديمية الشرطة، لالتقي بصديقي العميد الدكتور جاسم بالرميثه، وكان يومئذ مديراً للكلية، لأشرح له ما حدث مع ولدي وكنت على يقين في قرارة نفسي بأن ظلما حصل وانني سوف اخرج من عنده وقد انتصرت لخالد. قلت له يا فلان: ولاتزر وازرة وزر اخرى، قال: ولكننا نحن الآن في كلية الشرطة وهنا نقول «الخير يخص والشر يعم». قلت له: لقد جئت لاصحح هذا المفهوم لان العقل يقول: لا يساوى المحسن بالمسيء، كما ان المنطق السليم يقتضي ان نقول اذا عاقبت المحسن مع المسيء فأين الحوافز التي تشجع المحسن على ان يبقى على استقامته ولا تجعله يموت من الاحباط. قال: ما تقوله صحيح لكنا نريد ان نعد ابنك للمستقبل، وكل طيش شبابي او غرور نفسي يجب ان يتخلص منه قبل ان يصبح مسئولا ثم قال وربما نحن نفعل به اكثر من حلق شعره والزحف على يده. قلت: وهل هذا هو العلم والاخلاق؟ قال: نعم، انه شرطي وسوف يكون ضابطاً في المستقبل تسند اليه ادارة مركز بأكمله. وفي هذا المركز سوف يأتون اليه بالسكارى والمجرمين ومن لا اخلاق لهم، فيشتمونه ويلعنون والديه امام الناس، ويرفعون اصواتهم عليه، وهو مدير مركز الشرطة ويحمل مسدسا في جيبه، فإذا لم يكن مدرباً على امتصاص سفاهتهم في مثل هذه المواقف ربما اخرج مسدسه وفتح النار على ذلك المجنون لينتقم لنفسه ولوالديه ظنا منه بأن المطلوب منه اولا ان يحفظ كرامته وكرامة والديه. لكن لو تعلم تقبل مثل هذه النرفزات في اثناء التدريب وتشبع منه فإنه اذا صار ضابط مركز أو مسئولاً اكبر سوف يتقبل ما يوجه اليه من المجرمين الذين مثلوا امامه، فيسمع ذلك منهم من غير ان ينفعل لانه يقول في نفسه لقد سمعت ورأيت اكثر من هذا عندما كنت طالبا اتدرب. لقد سمعته من الاصحاء، اما هؤلاء المجرمون فهم مرضى وسكارى فلا حرج عليهم لو عربدوا. وانني وضعت في هذا المكان لاستقبل امثال هؤلاء والمسدس الذي في جيبي احمله لأحفظ هيبة الامن امامهم لا لأستخدمه في الانتصار لوالدي. قلت له شكراً يا سيدي على هذه المحاضرة القيمة، فالآن حصحص الحق، واقتنعت تماماً بأنكم تحبون ابني، وتعدونه للمستقبل فعلا، وتريدون له الخير. ثم قلت له انني اودعك الآن وسوف اراك في حفل تخريج خالد ان شاء الله، وخرجت فعلا ولم التق به إلا في حفل التخريج، وبعد ذلك قلت لخالد لا تنقل اليّ اخبار الكلية ابداً لانني آمنت بمبدئهم القائل: «الخير يخص والشر يعم». قال لماذا؟ قلت لاني واياهم نريد مصلحتك اذن. فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا دارت الايام ومرت الاعوام وتخرج خالد، واشتغل نائب ضابط المركز، ثم ابتعث الى بريطانيا لاكمال دراساته العليا، وكان كل ما سمعته من الصديق صدقاً، ولم نر ثمرة الاستقامة إلا خيراً في خير. اما ما كنت اراه او يراه خالد اثناء دراسته في الكلية وانفعالنا معه فإنه كان شبيها بانفعال موسى عليه السلام من تصرفات الخضر عليه السلام الذي كلما اعترض عليه موسى قابله بالقول انك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. وفي النهاية لما اخبر الخضر موسى عن سبب خرقه للسفينة وقتله للغلام واقامته للجدار من غير اجرة علم ان الخضر كان على حق رغم ان الظاهر كان يوحي بغير ذلك. اقول وما اشبه الليلة بالبارحة كما يقول المثل: وانني لدي اليوم تساؤل آخر وتعجب من شيء آخر وهو هذا التأمين الذي فرض على الكبير والصغير، والصالح والطالح والشاب والكهل، انني في الواقع لم اكن مقتنعاً بتأمين السيارات ولم اكن مؤيداً للعلماء الذين قالوا بجوازه، لكن بعد حادث وقع امامي اقتنعت بأن «درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح» كما يقول علماء اصول الفقه. انني الآن لا اعترض على تأمين السيارات، لانه وان كان يشبه القمار من جانب إلا انه افاد المجتمع من جانب آخر، لكونه يحفظ حقوق الابرياء من اهل طرفي الحوادث المرورية. انني اعترض الآن على شيء واحد فقط وهو: كيف يتساوى امام التأمين الشباب الطائشون الذين لهم في كل يوم حادث وحديث، والكهول الراشدون الذين يلتزمون بقواعد السير والمرور ولا يرتكبون حادثا، او ربما يحدث منهم ذلك في العمر مرة؟ في اعتقادي ان قيادة الشرطة بدبي أو في دولة الامارات بإمكانها ان تأخذ موقفا وسطاً من التأمين فتطالب بأن ينصف الراشدون من المتهورين، ولا يوافق شركات التأمين على نظامها لان نظامها مادي بحت، ويخدمها ولا يخدم المجتمع في شيء. ثم ان هذا القول مني ليس جديداً اطرحه اليوم وفي دولة الامارات بل له مثيل في الدول المتقدمة التي نعتبرها نحن قدوة في التنظيم الاداري والمالي والقانوني مثل اميركا وبريطانيا. اذن اطالب بشدة اعادة النظر في نظام التأمين، بحيث يقتضي تخفيف مبلغ التأمين كلما تقدم السائق في العمر، وانا على يقين بأن شركات التأمين لن تتأثر لان تهور الشباب في ازدياد، لكن نظرة المجتمع الى شركات التأمين سوف تتغير اذا احترمت الناضجين، وانصفت المظلومين، اذ ليس من المعقول ان تستغل الانظمة مدخرات العملاء في حين ان الانظمة وجدت لتحمي المستهدفين وتحافظ على حقوقهم المادية والانسانية بشكل عام. اقول وشرطة دبي معنية بمثل هذا الاصلاح الاجتماعي، ولاسيما انها تحتضن ما يسمى «مجلس الشرطة الاستشاري» لخدمة المجتمع، وعلى رأسها رجل غيور ألا وهو اللواء ضاحي خلفان تميم، اليس كذلك؟