الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 انجزت بلدية دبي مؤخرا مشروع ترميم احد المباني الأثرية الواقعة في الواجهة الشمالية الوسطى من حي البستكية القديم ويحمل المبنى الرقم 67، تمهيدا لتسليمه الاحد المقبل إلى ندوة الثقافة والعلوم بدبي ليخصص دارا للخط العربي، وذلك بعد ان خضع لأعمال المسح التاريخي ضمن سلسلة الدراسات التاريخية للمباني التاريخية المسجلة قامت بها شعبة الدراسات والبحوث في قسم المباني التاريخية بادارة المشاريع العامة في بلدية دبي، أرجعت تاريخ المبنى الأثري إلى فترة انشائه في اوائل العشرينيات وهو عبارة عن دورين أرضي وأول ويقع على مساحة اجمالية قدرها 375 مترا مربعا تقريبا. وأكد المهندس عبدالرحمن محمد راشد الشارد مدير ادارة المشاريع العامة في بلدية دبي سعي البلدية للحفاظ على التراث العمراني لامارة دبي، وذلك قبل أن تندثر القيم المعمارية القديمة أمام طوفان الطرز المعمارية الحديثة التي تزدهر بها امارة دبي. وأضاف أن إمارة دبي تتميز بكثرة المباني التاريخية وتنوعها باختلاف وظائفها، فمنها المباني السكنية والتعليمية والدفاعية والدينية والاقتصادية. وأضاف انه من أجل الحفاظ على تلك المباني وأصالتها المعمارية والتقليدية تقوم بلدية دبي بترميم جميع المباني التاريخية داخل النطاق العمراني للإمارة، وفي مناطق متعددة منها منطقة الشندغة والبستكية والراس وحتا وغيرها، منوها بأن منطقة البستكية تشهد في الوقت الحاضر القسم الاكبر من مشاريع الترميم الجاري تنفيذها حاليا. وأكد أن قسم المباني التاريخية في بلدية دبي انجز مؤخرا اعادة انشاء مبنى أثري يقع في الجهة الشمالية الوسطى من حي البستكية الاثري ويقع على ناصية شارعين من الجهة الشمالية والغربية ويقابل المسجد من الجهة الشمالية ويقابله من الجهة الشمالية والغربية حاليا مبنى ديوان سمو الحاكم الذي تم انشاؤه لاحقا ـ ويلاصق المبنى رقم 68 من الجهة الشرقية، والمبنى رقم (107) من الجهة الجنوبية. وقد تم انشاء المبنى في اوائل العشرينات على يد حاجي عبدالله شرفي. واستعرض الشارد مكونات المبنى والغرف والفراغات حيث قال انه يتألف المسكن من دورين (الارضي والاول) بمساحة اجمالية 375 متراً مربعاً تقريبا، والتكوين العام للمبنى على هيئة مربع تقريبا يتوسطه فناء كبير، كما هو الحال السائد في معظم مباني المنطقة، مشيراً الى ان الدور لارضي يحتوي على عدد 7 غرف، عدد 3 حمام، مطبخ ، عدد 2 مخزن. وجميع الغرف والخدمات تفتح على الفناء الداخلي. ويتكون الدور الارضي من المدخل الرئيسي الذي يقع في الجهة الغربية، اما الدور الاول: يحتوي على غرفة نوم تقع اعلى المجلس في الركن الشمالي الغربي وحمام ومكان يوجد به شرافات للهواء في الركن الشمالي الشرقي يتم الجلوس به. واوضح انه تم بناء البيت على عدة مراحل (مرحلتين رئيسيتين) فالمرحلة الاولى تتكون من الدور الارضي فقط مع بناء برج الهواء في نفس المرحلة ونلاحظ انه قد تم استخدام الحجر البحري والطوب الرملي البحري المصمت في بناء الحوائط كما تم استخدام اخشاب الشندل المستديرة في الاسقف يعلوها حصيرة من سعف ودعون النخيل في بعض المناطق المكشوفة التي كانت تستخدم في الجلوس اثناء فترة النهار، اما اسقف الغرف كان يتم وضع الواح خشبية اعلى عروق الشندل ثم يضاف طبقة من كسر الحجر البحري والرمل والجص والصاروج. وقد تم استبدال الاسقف بعد ذلك بعروق خشبية مربعة. اما في المرحلة الثانية فقد تم اضافة عدد اربع غرف نوم وعدد اثنين حمام بالاضافة الى غرفة بالدور الاول ونلاحظ انه قد تم استخدام الطوب الرملي المصمت في بناء الحوائط. كما تم استخدام عروق الخشب ذات القطاعات المربعة في الاسقف والذي كان يتم استخدامه في تلك الفترة الزمنية. وكان يعلوها الالواح الخشبية سمك 15 سم ثم خلطة من كسر الحجر البحري والرمل والجص والصاروج بالاضافة الى استخدام طبقة من مونة الاسمنت كتشطيب نهائي لارضية السطح ونلاحظ انه قد تم في بعض الاماكن استخدام الخرسانة المسلحة. وقد تمت هذه الاضافات في فترات متقاربة ومتفاوتة خلال المدة من نهاية الاربعينيات وحتى اوائل السبعينيات. وعرض مدير إدارة المشاريع العامة نبذة تاريخية عن منطقة البستكية أكد فيها أن تاريخ إنشاء منطقة البستكية والواقعة شرق المدينة القديمة في بر دبي يعود إلى حوالي عام 1890م، حيث تمتد محاذيةً للخور لمسافة نحو 300 متر، وعمقها باتجاه الجنوب نحو 200 متر، وهي تمثل أحد المعالم المعمارية التي تميز مدينة دبي بطابعها العمراني والمعماري التقليدي، حيث البراجيل الشاهقة والبيوت ذات الفناءات الداخلية الاحواش والعناصر والزخارف المتنوعة الأشكال، والتي لها الأثر الكبير لدى رواد تلك المنطقة . وأضاف ان أشكال تأثير التطور العمراني الحديث على التراث العمراني تختلف تبعا لحجم ونوع وأهمية التراث العمراني وكذلك تبعا لدرجة التطور العمراني التي شهدتها المنطقة المختلفة. كذلك يختلف شكل التأثير تبعا لوجود التراث العمراني كوحدات منفصلة أو مجموعات أو أحياء أو مناطق كاملة، مشيرا إلى انه على ضوء ذلك قامت بلدية دبي باتخاذ جميع الاجراءات اللازمة وتجنيد كل طاقاتها لاحياء هذه المباني القديمة التي تتميز بطابع معماري خاص بها. وقال مدير ادارة المشاريع العامة في بلدية دبي ان من أهم هذه المناطق التي قامت البلدية بوضعها على خريطة احياء المباني الأثرية هي منطقة البستكية نظرا لما لها من عمق تاريخي يعبر عن حضارة ذات قيمة معمارية وذلك بما تحتويه من مجموعة من المباني القديمة التي توجد بها حتى يومنا المعاصر نماذج متكاملة من البيوت الخليجية ذات حالة جيدة. وأشار إلى ان هذه الدراسة التاريخية تأتي في اطار اعداد وثائق مشروع ترميم مجموعة من هذه المباني الواقعة في حي البستكية، وقد تم اعداد هذه الدراسة من خلال صياغة المعلومات التي تم الحصول عليها من اللقاءات مع بعض الملاك القدامى بالاضافة إلى بعض المراجع. واوضح ان تحليل التكوين المعماري للمبنى يعد من أهم العناصر المطلوبة وذلك من بين عوامل متعددة وكثيرة من أهمها (العامل العقائدي، العامل الاجتماعي، العامل المناخي). وقدم المهندس عبدالرحمن الشارد في اطار حديثه عن مشروع ترميم المبنى 67 في حي البستكية نبذة تاريخية عن منطقة البستكية حيث قال يعتبر حي البستكية من الاحياء القديمة في مدينة دبي، لان التراث العمراني فيها يوجد على هيئة مبان منفصلة أو على شكل مجموعة من المباني والملاحظ ان الجهات المسئولة اهتمت ببعض المباني المنفصلة وتركت مباني بأكملها لاقدارها وللأسف فقد كانت تلك المنطقة تسكنها عائلات غنية قادرة على الحفاظ على تلك المباني بحالة جيدة ـ ولكن بتركها تلك المساكن انتقالا إلى المناطق الجديدة خلال الحقبة النفطية تركت تلك المناطق مأوى لطبقات محدودي الدخل أو من غير سكان المدينة الأصليين مما أدى إلى تدهور واضح في حالتها، ومن الأحياء التي شهدت مثل هذا التطور بمدينة دبي حي البستكية حيث ان بدء السكن في حي البستكية كان خلال عام 1890 ويشغل شرق المدينة القديمة - بر دبي - ويمتد محاذيا للخور بمسافة ثلاثمئة متر وعمقها بالجنوب بطول مئتي متر، وكان هذا الحي يضم أكثر من 110 وحدات سكنية وكان بعضها يتكون من دورين وكان يفصل بين الوحدات وبعضها عن طريق الأزقة الضيقة المظللة التي لا تصل إليها الشمس معظم أوقات النهار. وتتلاقى هذه الأزقة في أفنية داخلية متفاوتة في الأبعاد والمساحات. وأفاد ان تخطيط حي البستكية كان نابعا من متطلبات صاحب المبنى فقد كان حجم المبنى وعدد غرفه مرتبطا بعدد أفراد الأسرة كبيرة كانت أم صغيرة وما يطرأ عليها من تغيرات اجتماعية فيما بعد، مما جعل الشكل العام للمبنى يتغير أكثر من مرة وحسب حاجة الأسرة. ويتميز حي البستكية بالبراجيل - حيث تعددت أنواعها في هذا الحي نظرا لاختلاف طلب السكان واختلاف العمل الوظيفي للمكان - بالاضافة إلى استخدام المشربيات الخشبية والجبسية بأشكالها المتعددة من حيث الشكل والتصميم، بالاضافة إلى وجود الشرفات المطلة على الأزقة والأفنية الخارجية والمزينة بالأخشاب ذات الحليات الجميلة. اضافة إلى العديد من الملاقط الهوائية والأعمدة الجميلة ذات التيجان الرائعة والأقواس المميزة بالزخارف ذات الخطوط الرفيعة والمتناسقة والمداخل البارزة والجدران المصمتة، الا ان المنطقة شهدت تغيرا أساسيا في التكوين الاجتماعي بعد هجرة المواطنين منها إلى المناطق الجديدة وأصبح التكوين الاجتماعي يغلب عليه العمالة الآسيوية الوافدة. وبالطبع لا يملك هؤلاء الوعي بأهمية التراث العمراني الذي يحيط بهم ولا القدرة المادية للحفاظ عليه. وفي اطار تحليله للعوامل المؤثرة في التكوين المعماري ركز المهندس عبدالرحمن الشارد على العامل العقائدي حيث قال نجد من خلال دراستنا لهذه الناحية المهمة ان سكان المنطقة توجهوا بفنهم إلى مجال لا يتعارض مع تعاليم الاسلام فنشطوا في ابراز فنهم في منازلهم ومساجدهم وكان الفن الاسلامي يعتمد أو يستمد من عناصر مختلفة وهي تصوير الطبيعة والزخارف التي تؤخذ من أشكال النبات والأزهار، والخطوط الهندسية التي يعرف الفن الإسلامي من خلالها وهي الأشكال الهندسية مثل الدائرة، والمثمنات، والمسدسات، والأشكال التربيعية، خطوط اللغة العربية الذي استخدموها وغيرها. ونجد انه من خلال العوامل التي قد تم ذكرها قام التعبير عنها من خلال تصميم المشربيات الجبسية والخشبية المستخدمة في تزيين الأماكن التي أعلى الابواب والنوافذ وكذلك الأعمدة وقواعدها وتيجانها والاقواس الحاملة عليها. وكذلك في النقوش والحليات الموجودة على الأبواب والنوافذ والزوايا الداخلية - ونهايات أبراج الهواء. وقال ان لتعاليم الاسلام آثاراً كبيرة وعميقة في حياة السكان الاجتماعية وقد انعكس ذلك على بنائهم التقليدي نظرا لما يحدد العلاقة على مستوى الجيرة السكنية - حيث تتزاحم البيوت وتتقارب، ونلاحظ انه دائما نجد المسجد يحتل المركز الوسطي في الحي السكني. كما اننا نرى ان البيوت الكبيرة التي يمتلكها الأغنياء تتداخل بشكل طبيعي مع بيوت أخرى متفاوتة في الصغر يمتلكها أناس يتفاوتون في المستوى المعيشي، أما على مستوى الوحدة السكنية فان البنائين قد حرصوا على تحقيق الجوانب الآتية في الوحدات السكنية القديمة. وكما حققت المباني الخصوصية للأسرة نجد ان تعاليم الاسلام تؤكد علينا احترام هذا العامل وذلك من خلال العلاقة بين الرجل والمرأة، والمحارم وغير المحارم، ولتحقيق هذه الخصوصية صمم الحوش الوسطي الذي يعتبر الرئة التي يتنفس منها جميع العناصر المكونة للمبنى وذلك من غرف وصالات وخدمات. وذلك لان جميع الفتحات تطل عليه ما عدا النوافذ التي توجد في المجلس. والمشربيات نظرا لان جميع الغرف العلوية الصيفية كانت تتميز بكثرة الفتحات التي تطل على الفناء الداخلي للمبنى وعلى الأزقة والشوارع الجانبية. لذلك تطلب ايجاد وسيلة يتحقق فيها غرض توفير التهوية وحجب الرؤية إلى داخل هذه الغرف ولذلك تم استخدام هذه المشربيات. فضلا عن المجلس الذي كان يوجد عادة بجانب المدخل الرئيسي للمنزل ويطل على الخارج ومعزول تماما عن الداخل. وهو عبارة عن غرفة كبيرة لاستقبال الضيوف والمسافرين. وهذا الجزء من المبنى يعتبر عنصرا من العناصر المكونة للمبنى في حياة المسلم. عدا عن الترابط العائلي حيث حرص الاسلام وحثنا على الربط بين الأجيال وبعضها. وذلك من خلال الاسرة الواحدة أو المجتمع. ولذلك حرص الأبناء على الاقامة واستمرار الحياة مع الوالدين حرصا على الترابط الأسري من ناحية وعلى قيام الآباء بتربية الأولاد واعطائهم النصيحة والحفاظ على أولادهم من ناحية أخرى، ولذلك نجد ان المبنى يطرأ عليه التغيير من فترة إلى أخرى طبقا لاحتياجات الأسرة من خلال اضافة بعض الغرف نظرا لزيادة عدد أفراد الأسرة تدريجيا. العوامل المناخية وتطرق مدير ادارة المشاريع العامة في بلدية دبي في معرض شرحه إلى العوامل المناخية حيث أكد ان المقصود بالعوامل المناخية هو أثر العوامل والتغيرات الجوية على المبنى. مثل حركة الهواء واتجاهاته، ونسبة الرطوبة وحركة الشمس وما يتبعها من تغيرات حرارة وبرودة وتغيرات الجو خلال فصول السنة. فمدينة دبي تقع في نطاق المناطق الصحراوية من ناحية وتطل على البحر من ناحية أخرى ولذلك نجد مناخها يتميز بارتفاع شديد في درجات الحرارة والرطوبة، لذلك قام البناءون بوضع ذلك في اعتبارهم عند تصميم هذه المباني لكي تتلاءم مع الاقامة فيها خلال فترات الصيف وكانت معالجتهم تتركز في الآتي: استخدام أبراج الهواء وهي أبراج مصممة لاستقبال الرياح وامرارها إلى داخل البيت من أي جهة كانت وذلك عن طريق الاربعة فتحات رأسية في الاتجاهات الأربع فحينما يدخل الهواء من خلال هذه الفتحات يصطدم بالجدار القائم داخل البرج فلا يجد له منفذا للدخول سوى إلى الأسفل عن طريق عنق طويل. ومهمة هذا العنق زيادة سرعة الهواء. اضافة إلى خفض درجة حرارته نسبيا فيصل الهواء إلى الغرف بسرعة وبحرارة أقل من درجات الحرارة الخارجية. وذكر ان ملاقف الهواء هو حل لادخال الهواء إلى داخل الغرف من خلال الجدران الرأسية. حيث ان البنّاء لا يلجأ إلى وضع فتحات مكشوفة في الحوائط الخارجية للمنزل حتى لا يتعدى على خصوصيات الجيران. فيلجأ إلى عمل ملاقف الهواء فتكون منفذ الدخول الهواء وساترا للغرفة أيضا. ومن التفاصيل المتكررة في معظم المباني التاريخية في دبي الليوان وهو عبارة عن صالة تطل في العادة على الفناء الذي يتوسط المبنى من جهة بأعمدة وأقواس جميلة ومن جهة أخرى تفتح عليها أبواب ونوافذ الغرف. ويستخدم الليوان كصالة للمعيشة مفتوحة الأطراف من جهة ومن جهة أخرى تمنع وصول الشمس إلى الغرف في فصل الصيف ويحفظ للغرف برودتها ودفئها في فصل الصيف. والحوش الوسطي يعد أيضا عاملا مناخيا حيث يتم زراعته بالنباتات والأشجار لتظليل جزء منه مما يجعل درجة حرارة الهواء داخل الحوش أقل منها خارج المبنى. ويسمح الحوش بتجديد حركة الهواء داخل البيت مما يقل الاحساس بالرطوبة. إلى جانب المشربيات وهي التي يتم من خلالها السماح بنفاذ الهواء إلى داخل الفراغات وحجب وتقليل اشعة الشمس الحارقة. كتب خالد درويش: