الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 قبل ثلاثة عقود من الزمن وضعت منظمة الصحة العالمية دولة الامارات ضمن قائمة الدول «المئة» وهي الدول الاكثر عرضة للاصابة بمرض الملاريا، حيث قامت في اواخر الستينيات باجراء دراسة وبائية اكدت خلالها ان مرض الملاريا مستوطن في الدولة، وان معدل الايجابية لطفيل الملاريا في عينات الدم تفاوت ما بين 30 الى 60% وهي نسبة مرتفعة جدا وفي عام 1970 بدأت اعمال المكافحة وانشأت اول وحدة للمكافحة كأحد اقسام ادارة الطب الوقائي في وزارة الصحة عام 1972، وبلغ مجمل الحالات في ذلك العام اكثر من 79 الف حالة من اصل نصف مليون نسمة «سكان الامارات في ذلك الوقت» أي بمعدل 57 حالة في الألف من السكان. وبعد جهود استمرت اكثر من ربع قرن بذلتها وزارة الصحة بالتعاون مع الجهات المعنية بالدولة والتي شملت تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الملاريا تضمنت مكافحة نواقل المرض باستخدام المواد المعالجة بالمبيدات بصورة ناجحة وثانوية والمعالجة الفورية والفعالة للمرض واتخاذ تدابير وقائية مستمرة فيما يتعلق بالاكتشاف المبكر للأوبئة وللحالات الوافدة واحتوائها من خلال انظمة فعالة للترصد الوبائي للمرض. واستطاعت تلك الجهود خلال هذه الفترة ان تقضي على المرض داخل الدولة، واكدت جميع التقارير الدولية التي صاغتها لجان منظمة الصحة العالمية ومركز مراقبة الامراض المعدية والمكتب الاقليمي لشرق المتوسط نجاح الاستراتيجية الوطنية لدولة الامارات في القضاء على الملاريا مما اهلها لاشهاد منظمة الصحة الدولية بخلوها من الملاريا. وفي هذا التحقيق نستعرض الجهود التي بذلت في القضاء على المرض داخل الدولة وطبيعة المرض والوضع الراهن عالميا واقليميا للملاريا. بعوض الملاريا يقول الدكتور محمود فكري وكيل وزارة الصحة لشئون الطب الوقائي ان جرثومة طفيلية مجهرية منتشرة في المملكة الحيوانية تسبب المرض وتنقله من شخص مصاب الى اخر سليم بعوضة تسمى «الانوفيلس» تعيش في المناطق الرطبة مما يعني ان اكثر من مئة دولة في افريقيا وآسيا واميركا الجنوبية تنتشر بها تلك البعوضة. مشيرا الى ان لسعة واحدة من البعوضة تكون كافية للاصابة بالمرض. ويضيف.. بأن اعراض المرض تظهر على المصاب بعد ساعات وربما ايام قليلة ويتمثل في ارتفاع درجة حرارة الجسم ورعشة برد وآلم شديد بالرأس وشعور بالغثيان وزيادة في افرازات العرق، فاذا تم التشخيص المبكر للمرض واعطاء الشخص المصاب العلاج الصحيح تتحسن حالته سريعا، ولكن اذا لم يتم تشخيص المرض بصورة صحيحة او اذا لم يتلق العلاج اللازم من الممكن ان تؤدي تلك الاصابة الى الموت. ويؤكد انه على الرغم من الجهود المبذولة والحثيثة من قبل مراكز الابحاث والمنظمات الدولية المعنية في مختلف دول العالم لايجاد لقاح ضد مرض الملاريا الا ان احدا حتى الآن لم يتوصل الى لقاح مضاد للمرض على عكس الامراض المعدية الاخرى. وعلى الرغم من وجود العديد من الادوية والعلاجات للمرض الا ان التحدي ضد معركة الملاريا لا يزال قائما بسبب مقاومة الطفيليات للادوية التقليدية مما يوجب اكتشاف ادوية جديدة مضادة للمرض وكذلك اساليب جديدة للتغلب على مقاومة الطفيليات. سمكة الصد ويشير الدكتور فكري الى ان الدولة خلال الفترة المنصرمة استحدثت كافة الاساليب لتحقيق القطع الكامل لسلسلة انتقال المرض داخل الدولة، ففي مجال التدابير العلاجي التزمت ادارات الطب الوقائي بتقديم خدمات التشخيص المبكر والمعالجة الفورية وتأسيس انظمة حديثة للتبليغ والترصد الوبائي اما فيما يتعلق بعمليات المكافحة فان الدولة استخدمت كافة اشكال المكافحة بالرش الثمالي داخل المباني والمناطق النائية والحدودية بالمواد المعالجة بالمبيدات، كما استخدمت اسلوبا مبتكرا في المكافحة البيولوجية باستخدام سمكة «الصد» آكلة يرقات البعوض الناقل للمرض حيث تم تربية كميات كبيرة منها في الاحواض والبرك العذبة فساهمت مساهمة فعالة في عملية القضاء على المرض داخل الدولة. متابعة الحالات الوافدة ويقول الدكتور محمد بلاسي مدير ادارة الطب الوقائي بأبوظبي ان الطب الوقائي على مستوى الدولة بذلت جهودا جبارة خلال العقود الثلاثة الماضية للقضاء على هذا الوباء الذي اضحى من ذكريات الامس، وارتكزت استراتيجية المكافحة في الماضي على خفض معدلات الاصابة المحلية بطفيليات الملاريا واجراءات التقصي الوبائي للتعرف على مصدر المرض بين سكان الدولة، فيما تركزت الجهود في المرحلة المتأخرة على متابعة الحالات الوافدة ومراقبة الحالات المقاومة للعقاقير المختلفة وخاصة عقار «الكلوروكوين» وتوفير الادوية المناسبة لعلاج جميع الحالات علاجا قاطعا بعد التأكد من الفحص المجهري. ويقول بان وزارة الصحة ادرجت فحص الملاريا ضمن البرنامج الوطني لفحص دماء المتبرعين بالدم لضمان توفير اقصى درجات المأمونية والسلامة للدم المنقول للمرض اعتبارا من عام 2000، مما ساهم في القضاء على المرض داخل الدولة اذ تم تفادي اية حالة مصابة بالجرثومة من الدول التي ينتشر فيها المرض بشكل وبائي. ويؤكد ان مرض الملاريا من اخطر الامراض التي تصيب الانسان حيث يشكل السبب الثاني للوفيات في قارة افريقيا، كما ان هناك اكثر من 24 مليار شخص في العالم لايزالون عرضة للاصابة بالمرض مشيرا الى ان خطورة الاصابة بالمرض تزيد عند الاطفال والنساء الحوامل لان اجسام الاطفال اضعف من اجسام البالغين وكذلك المرأة الحامل. ويشير الدكتور بلاسي الى ان مشروع دحر الملاريا من العالم والذي تبنته منظمة الصحة العالمية بهدف انهاء المعاناة والاثار السلبية للمرض في الدول التي تتوطن فيها وذلك بتوسيع مفهوم المشاركة الجماعية في تنفيذ برامج محددة وفقا للاستراتيجيات القطرية لدحر الملاريا بحيث يحقق خفض نسبة الاصابات بالملاريا والوفيات بنسبة 50% عام 2010 وبنسبة 80% في عام 2015 وبنسبة 100% بنهاية عام 2025 وبحلول عام 2030 ينبغي ألا تكون الملاريا عاملا اساسيا في الوفيات او الاصابات. الملاريا على المستوى الاقليمي يؤكد الدكتور حسين الجزائري المدير الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية لاقليم شرق المتوسط في تقرير حول المرض في الاقليم ان الملاريا لاتزال تعد مشكلة خطيرة على المستوى الاقليمي اذ يعيش نحو 60% من سكان اقليم شرق المتوسط تحت خطر الاصابة المحتملة هذا المرض الذي يرتبط ارتباطا مباشرا بالفقر وانعدام المساواة، مشيرا الى ان دولا مثل مصر والمغرب وعمان وسوريا تحسنت فيها اوضاع انتشار الملاريا بصورة كبيرة بالاضافة الى القضاء النهائي على المرض في بعض الدول ومنها دولة الامارات التي التزمت على مدار عقدين في مواصلة جهود المكافحة وتطوير خططها واستراتيجيتها وبرامجها التشخيصية والعلاجية والترصد الوبائي الجيد للمرض. واوضح ان بلدانا اخرى في الاقليم تعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية لاتزال تواجه صعوبات تختلف درجاتها من دولة الى اخرى ومنطقة الى اخرى في مكافحة الملاريا بالفعالية اللازمة لافتا الى ان اقليم شرق المتوسط يضم بعضا من البلدان تعد اوضاع الملاريا فيها الاسوأ في العالم مثل افغانستان وجيبوتي والصومال والسودان واليمن ويزداد الوضع سوءا بسبب مقاومة نواقل المرض للمبيدات وكذلك المقاومة المتزايدة للادوية المعالجة للملاريا. واشار الدكتور الجزائري الى ان وضع الملاريا في بعض البلدان التي كانت تتمتع في السابق بقدرة ملحوظة على السيطرة على المرض مثل العراق والذي يعد نموذجا لهذه الحالة لاسيما بعد حرب الخليج التي ادت الى تفشي مئة الف حالة في عامي 1994 و1995. ودعا الحكومات والمنظمات المانحة بمواصلة الانشطة والجهود في اطار استراتيجية اقليمية نظرا للصعوبات المالية التي تواجهها الدول الاكثر اصابة بالمرض، مشيدا بجهود منظمة الصحة العالمية في مواصلة تقديم الدعم التقني والاضطلاع بالمهام الاضافية لتعبئة الموارد لتنفيذ مبادرة دحر الملاريا اعلى من ذلك في المناطق الريفية والنائية التي لا يتيسر للمريض فيها العلاج اللازم. ويؤكد ان من بين اكبر التحديات التي تواجه انشطة مكافحة الملاريا على الصعيد العالمي انتشار واشتداد مقاومة الطفيلي للادوية المضادة للملاريا، وقد ادت قلة عدد مثل هذه الادوية الى صعوبات متزايدة في تطوير السياسات المتعلقة بالادوية المضادة للملاريا والتدبير العلاجي الكافي للمرض. المشروع العالمي لدحر الملاريا تبنت منظمة الصحة العالمية مشروع دحر الملاريا بهدف تنسيق الاجراءات والجهود العالمية للقضاء على الملاريا في الدول التي يتوطن فيها وعددها نحو مئة دولة نصفها تقريبا تقع في قارة افريقيا، ويتألف هذا المشروع من شراكة عالمية النطاق يساهم في اطارها جميع الشركاء بمهاراتهم