الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 في استبانة وزعت على عينة من الطلبة عددهم 300 طالب وطالبة ضمت سؤالين: الاول متى يصادف يوم الكتاب العالمي؟ والثاني متى يصادف يوم الحب (الفالنتاين داي)؟. اظهرت الاجابات ان جميع الطلبة، يعرفون موعد يوم الحب وهو 14 فبراير، وبالمقابل لم يعرف أي طالب موعد يوم الكتاب العالمي الذي يصادف 23 ابريل من كل عام. احصاءات المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة تشير إلى ان نحو 67 مليون أمي وأمية يمثلون عبئاً ثقيلاً على المجتمعات العربية التي تسعى لتحقيق التنمية الشاملة والخروج من دائرة التخلف. في الثامن من يناير من كل عام نحتفل باليوم العربي لمحو الامية ورغم ذلك لا تزال الامية متفشية وبشكل خطير، والاخطر منها امية المثقفين. وقد باتت القراءة عادة منسية وهجرة الكتاب أصبحت من الامور السائدة في حياتنا اليومية. وقيل اننا امة لا تقرأ، وهنا نتذكر قول الشاعر المتنبي (يا أمة ضحكت من جهلها الأمم). اليوم يفتتح معرض الكتاب في الشارقة وفي كل عام تقام معارض للكتاب في اماكن متعددة. وقد خصصت وزارة التربية مبلغ 400 الف درهم لشراء الكتب وتوزيعها على مدارس الدولة لتزويد مكتباتها بها. لكن السؤال المطروح من يقرأ؟ الجيل الجديد من امتنا ابتعد عن الكتاب والقراءة واقترب اكثر من (الانترنت) وقضاء وقت اكبر في الالعاب الالكترونية. وبعض التربويين يعزون هذا التوجه للجيل الجديد إلى ولوجه في طريق العولمة. ترى لماذا هجرنا الكتاب ولم نعد نقرأ؟ ولماذا الاقبال على اقتناء الكتب بات ضعيفاً؟ ولماذا الجيل الجديد لا يقرأ؟ وكيف نجعلهم يقرأون؟ من يتحمل المسئولية؟ البيت، المدرسة، ام الجهات الرسمية ووزارة التربية؟. هذه الاسئلة اجاب عنها عدد من الكتاب والادباء والتربويين ولنقرأ ماذا قالوا:لبنى القاسمي الرئيس التنفيذي لتجاري دوت كوم اكدت ان جذر المشكلة يعود الى وجود تحول كبير وتراجع عن القراءة بسبب قنوات جديدة لتوصيل المعلومة للناس ومن هذه القنوات وسائل الاعلام الحديثة التلفزيون والراديو لكن يبقى الكتاب في المرتبة الأولى ويعتبر مرجعاً اساسياً لان تأليف كتاب يستغرق سنة أو أكثر وفيه معلومات واحصاءات مركزة، لكن الوسائل الحديثة تنافس الكتاب والانترنت أكبر منافس للكتاب حاليا. ويمكن استخدام شبكة المعلومات في البحوث من خلال الكتاب الالكتروني. واذا نظرنا الى الواقع نرى (ان الطبع يغلب التطبع) والخمول اصبح سائداً بين الناس، لانهم يريدون كل شيء جاهزاً وسريعاً. واضافت ان البيئة والنشأة التي يتربى عليها الطفل هي القاعدة الأولى والاساس في توجهه نحو الكتاب. وللأسف نرى الان ان المقاهي تجذب الجيل الجديد أكثر من المكتبات، وهذه ظاهرة سلبية تشكل خطراً على حياة الجيل. كما أن مراكز التسوق حولتنا الى مجتمع استهلاكي. والطفل يتعلم مما يراه من أهله ومدرسته، وبعض المدارس أعدت برامج مسابقات ومنافسات للطلبة وهذا شيء جيد. وتمنت تعميم ذلك في جميع المدارس ليكون جزءا من منهاجها. وتساءلت لبنى القاسمي هل المكتبات المركزية جيدة وجذابة؟ ام مكتبات الاحياء افضل وتقدم خدمات اسرع واسهل؟ واكدت على أن الانترنت ينافس الكتاب في القراءة ولكن المحتوى العربي على شبكة الانترنت مازال ضعيفاً وقليلاً ويمكن ان تكون شبكة الانترنت بديلاً اذا ضمت محتوى كافياً يثري القاريء. واضافت أن المحطات التلفزيونية تجذب المثقف باغراءات مالية وهذه ظاهرة غريبة ان ترتبط الثقافة بالاغراء المالي مثل برنامج من سيربح المليون وبرنامج وزنك ذهب. وهذا توجه سلبي. اذ لابد من توجيه اولياء الامور لتحمل مسئولياتهم في ابتعاد الطفل عن القراءة. والمسألة ليست بفرض القراءة على الطفل. بل يكون الأب والام قدوة لابنائهم في القراءة. وقالت: في المدرسة نرى ان اللغة الانجليزية سلاح جيد لفهم الحضارات الاخرى، لكن اللغة العربية هي الأم، ولابد من التحفيز والتشجيع لكل ما يدور في بيئة الطفل. ولابد لوزارتي التربية والتعليم العالي تحمل المسئولية ايضا وهنا يكمن دور المعلم في التأثير على الطالب من خلال تشجيعه على القراءة. فالطفل عجينة يتشكل ويتأثر بما يحيط به. مكتبة البيت الدكتور حنيف حسن مدير جامعة زايد اكد على أن الكتاب احد وسائل المعرفة، والقراءة اداة للمعرفة، واشكاليتنا مع القراءة اكثر مما هي مع الكتاب. وقال: الموضوع يحتاج الى تنمية العادة عند الجيل وهو صغير وضرورة ايجاد علاقة بين الطفل والكتاب وان يكون مضمون الكتاب يتناسب مع قدراته وامكانياته في الاستيعاب والفهم. واكد على أن تدرج عادة القراءة مهم جداً. ويجب على اولياء الامور انشاء مكتبة في البيت، متنوعة ومتناسبة مع أعمار الاسرة الطفل والاب والام. وتنمية عادة القراءة يجب ان تتعدى المنزل الى المدرسة والحي. واضاف ان القراءة وسيلة من وسائل المعرفة، لكن في وقتنا الراهن توجد اشياء أخرى تصرف المرء عن القراءة مثل القنوات الفضائية، الانترنت، الالعاب، واذا اكتسب الطفل عادة القراءة والتعلق بالكتاب عندها يكسب وقتا ثميناً ومعرفة كبيرة. وبالمقابل فإن التوازن في ايجاد الحوافز مطلوب ايضا اذ لا يمكن حرمان الناشيء من متابعة الاشياء الترفيهية، ولنا في ثقافتنا ما يشجع على القراءة. واضاف الدكتور حنيف حسن ان ماضي امتنا العربية حافل بالانجازات الحضارية، والآن اصبح الوعي في الغرب اكبر والتقدير لقيمة الزمن اعلى، ونرى السائق عندما يتوقف قليلاً يقرأ. ففي السابق كانت مجالات اللهو محدودة، والان نعيش عصراً فيه مغريات عديدة. فالقنوات الفضائية بالمئات، ولابد من ترويض النفس على الابتعاد عن هذه المغريات والتوجه نحو الكتاب. وقال: في جامعة زايد نركز على تقنية المعلومات ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بالكتاب، ومن وقت إلى آخر يتم تزويد مكتبة الجامعة بالاصدارات الجديدة. ونؤمن ان القراءة في غاية الاهمية لصقل شخصية الانسان والتعمق بالتخصص. القراءة ضرورية جداً وخاصة في المرحلة الجامعية، والطالب لا يمكن ان يكون بارعاً في الكتابة اذا لم يكن بارعاً في القراءة. ومعرفة كيفية الرجوع الى المراجع وانتقاء المعلومة، وتوظيف ذلك في مشروع بحثي. أوكتابة تقرير والقراءة لا تتوقف عند التخرج بل ضروية ايضا في مرحلة التوظيف ويحتاج المرء للقراءة في مجال تخصصه. وفي جامعة زايد يتم التركيز على ثنائية اللغة والتمكن من اللغتين العربية والانجليزية قراءة وكتابة قبل منح الطالبة شهادة التخرج. واشار الى أن تجربة الجامعة في هذا الميدان انطلقت بعد زيارة سمو الشيخ عبدالله بن زايد والملاحظات التي ابداها حول اهمية اللغة العربية والتركيز عليها، وتم افتتاح مركز تدريس للغة العربية في الجامعة، وجميع الكليات مطالبة بوضع مهارات لاتقان الطالبات للغة العربية سواء في الاعلام أو ادارة الاعمال ونظم المعلومات والتربية وعلوم الاسرة والادب والعلوم. وباء الأمية الدكتور أيوب بدري مدير منطقة دبي التعليمية قال: يعتقد البعض أن ازمة عدم القراءة في الوطن العربي خاصة بين الفئات العمرية من 4 ـ 20 سنة سببها غياب القدوة، غياب القاريء الكبير سواء الاب أو الأم، وفي هذا قدر كبير من الصحة. الا ان هذا التفسير لن يحل ازمة عدم القراءة في الوطن العربي لسبب بسيط وهو اذا سلّمنا ان غياب القدوة هو السبب فمن منا يستطيع ايجاد حل فوري لوباء الأمية؟ والاحصاءات تشير الى أن عدد الاميين في الوطن العربي 70 مليوناً من 320 مليون نسمة! ومن منا يستطيع ان يجبر الكبار غير الاميين على القراءة التي لم يتعودوا عليها؟ من الناحية العملية لا يمكنني ان اتحكم في مشكلة عزوف الكبار عن القراءة فما هو الحل؟ الحل كما يقول الدكتور أيوب بدري: ان السبب الاكثر اهمية هو ان المؤسسة التربوية هي المسئولة عن الكارثة، وهي التي اوجدت حالة من العداء والخصومة بين الطفل والكتاب. كيف تم ذلك؟ اذا ذهبنا الى اية مدرسة في الوطن العربي اين نجد الكتاب الذي من المفترض ان تقوم المؤسسة بايجاد نوع من الود بينه وبين الطالب. الكتاب موجود داخل «سجن» مكتبة مقفلة، الا لعدم وجود أمين مكتبة بسبب العجز، أو بسبب عدم وجود وقت لدخول المكتبة، وهناك ظاهرة غريبة وهي: ذهاب الطلاب الى المكتبة لممارسة القراءة الصامتة او القراءة الحرة، وهي في معظم الاحوال سببها راحة المعلم! والحل في رأي الدكتور بدري: الغاء المكتبات المدرسية لانها هي المسئولة عن عزوف الطلاب عن القراءة وايجاد مكتبات صفيه كي لا يكون الكتاب شيئاً غريباً عن بيئة الطالب وكي تنشأ علاقة الود والصداقة بين الطرفين الكتاب والطالب بشكل طبيعي، ولكي يتعود الطالب على القراءة ومصافحة هذا الصديق بشكل دائم. وقال ان آخر احصائية سمعتها عن اذاعة (بي.بي.سي) ان متوسط عدد ساعات القراءة لدى الشعب العربي هي نصف دقيقة في السنة! التخطيط والمتابعة الدكتور يعقوب أبو حلو استاذ المناهج وطرق التدريس في جامعتي اليرموك وعمان العربية للدراسات العليا، ومستشار سابق في وزارة التربية والتعليم والشباب اكد ان الضعف القرائي لدى الجيل مشكلة تهدد أمتنا وقال: كثر الحديث في هذه الحقبة الزمنية بين صنّاع القرار والعلماء والمثقفين والمربين والافراد العاديين من ابناء امتنا الاسلامية والعربية، حول الوضع الحالي لهذه الامّة. فمنهم من يصفه بالوهن والتخلف والتردي والانحطاط، ومنهم من يرى أنه مرحلة ضعف مؤقتة أو كبوة آنية ستزول ان عاجلاً أو آجلاً اذا ما تمسكت الامة بثوابتها واخذت بأسباب التقدم ومواكبة روح العصر، ومنهم ـ والعياذ بالله ـ من لا يبدي اي اهتمام بحال أمته. يستدعي هذا الواقع لأمتنا ضرورة تقويم الذات ومحاسبتها وبكل شفافية وموضوعية، حيث أن كل فرد منا مطالب بالحرص على أمته وبالممارسة العملية للحفاظ على هويتها وتطويرها والمساهمة الفعلية في حل مشكلاتها. من هذا المنطلق فإني وكمرب أرى أن العملية التربوية وبأبعادها المختلفة تشكل حجر الزاوية في تخطيط وتصميم وبناء وتكوين واقع هذه الامة، فإذا ما كانت تلك العملية التربوية سليمة وتمارس حسب الأسس والمرتكزات الصحية فسوف تنهض الامة وتستفيق من كبوتها وتواصل التقدم والرقي. واما اذا ما اتصفت العملية التربوية بالغوغائية والعشوائية واللهاث وراء الجزئيات والمظاهر والبريق الذي يلمع هنا وهناك في بعض الاقطار، فإنها ستكون أحد العناصر الرئيسية في دفع هذه الامة الى الهاوية لا سمح الله. ان عرضي لهذه المشكلة ليس قائماً على دراسات علمية محددة، ولكنه نابع من احساسي بها من خلال الواقع والتجربة المباشرة والتفاعل مع انماط عديدة من ابناء امتنا، ومع ذلك فاني آمل ان يشكل عرض مشكلة ضعف المستوى القرائي حافزاً ومثيراً وتحدياً للمربين ولكل من لهم علاقة بالعملية التربوية ليقوموا بدراستها ووضع الحلول العلمية والعمليّة لها. ان الضعف القرائي لدى أمة ما يعني انخفاض مستوى فهمهم لما يقرأون عن المستوى المطلوب للقراءة، مما يترتب عليه استجابة غير صحيحة لما تمت قراءته، اما مفهوم القراءة فقد عرّف في كثير من المراجع والمصادر والكتب المدرسية العربية والاجنبية التي تجمع غالبيتها على أن القراءة تعني فهم وادراك المطبوع والمرئي والمسموع. ادراكا يقينياً ومن ثم الاستجابة السلوكية السليمة المطلوبة لهذا المقروء. اذا ما أخذنا بهذا التصوّر لمفهوم القراءة وارتباطها بالعقل والتفكير والفهم فإني أخشى أن امتنا تواجه مشكلة انخفاض مستوى القراءة لدى ابنائها. تلك المشكلة التي تتمثل في ضعف الكفايات والقدرات القرائية والمهارات اللازمة لفهم ما يقرأ. فأين هي قدرة ابنائنا على قراءة كل من المكوّنات المعرفية والتكنولوجيا المعاصرة، والمفاهيم والمصطلحات المترتبة على الثورة المعرفية والحشد الهائل من المرئيات والمسموعات كالأفلام والصحف والدوريات والتلفاز وبيانات شبكة المعلومات والاتفاقات والمفاوضات والدساتير والقوانين والانظمة والتعليمات والمشروعات والبرامج ومؤشرات الاداء والثقافات والحضارات والمنظومات القيمة والنفس البشرية وامكاناتها وحوافزها وانماط سلوكها وايماءاتها وحركاتها وارتباط كل ذلك بمضامين الزمان والمكان؟ ظاهرة تتمدد يونس شتات موجه في وزارة التربية أكد أن هذه الظاهرة تتمدد ولا تنحسر وقال: اذا كنت تسير في شوارع اي بلد عربي، وشاهدت جمعاً من الناس يحتشدون في مكان، فإياك ان تظنّ انّ هذا المكان يمكن ان يكون مكتبة أو معرضاً للكتاب، أو مركزاً ثقافيا أو فكريا، فمثل هذه الاماكن لا يغشاها في العالم العربي سوى فئة قليلة من الناس. اما الاماكن التي يحتشد فيها الناس عندنا فهي المطاعم ومراكز التسوق وبيع الملابس والعطور والاشرطة والالعاب المسلية. اما ترى انه كلما افتتح مركز جديد من مثل هذه المراكز طار اليه الناس من كل صوب زرافات ووحدانا واحتشدوا فيه اما اسواق الادب والفكر والقراءة فهي خالية وبضاعتها كاسدة يعلوها الغبار. ونحن على هذه الحال منذ عقود طويلة، وغير العرب يعرفون عنّا هذه الظاهرة جيداً وقالوها في مناسبات كثيرة وعديدة، ومنها مقولة «موشيه دايان» القائد الاسرائيلي الذي هزم جميع العرب في عام 1967 «العرب لا يقرأون» ووجه الخطورة أن هذه الظاهرة لا تنحسر، والمتتبع لا يلاحظ تقلصا في حجم هذه الظاهرة على الرغم من (ارتقاء) التعليم عندنا، ولكنه يلاحظ انها تتمدد ويطول ظلها. اما عن اسباب هذه الظاهرة، فان الامر قد يطول في التفتيش عن الجذور التي غذت هذه الظاهرة وارضعتها. وربما امتد البحث الى (الذات العربية) منذ العصر الجاهلي، حيث كان الاعتماد على الاتصال الشفهي والسمعي اكثر من الاعتماد على الاتصال البصري والكتابي، فاللغة من شعر ونثر، كانت تنتقل بالمشافهة والسماع، اما لماذا لم تنحسر هذه الظاهرة، فلا شك ان قصور التعليم هو المسئول الاول عن ذلك، فلم تنجح اساليبنا التعليمية في جعل القراءة عادة شائعة لدى كل فرد متعلّم يلجأ إليها كلما وجد فسحة من الوقت قبل نومه أو في اثناء سفره، او عند جلوسه في الحديقة العامة. وظل تطور التعليم عندنا شكليا يركز على المظاهر الخارجية. لماذا لا نقرأ ؟ عدنان كزاره موجه لغة عربية قال: لماذا نحن أمة لا تقرأ؟ يبدو هذا السؤال اشكاليا لانه لا يقتضي اجابة محددة. أو لان اجاباته احتمالية مثل كثير من الاسئلة المتعلقة بكينونة الامة. وتشكلاتها الثقافية والوجودية. قد يكون بعضاً من الاجابة عن هذا السؤال الخطير يكمن في نسبة الامية المرتفعة بين سكان الوطن العربي، والتي تصل في بعض بلدانه الى 70% وتتجلى شناعتها لدى النساء أكثر مما هي لدى الرجال. وغير خاف ما تعنيه المرأة بالنسبة للاسرة بخاصة. وللمجتمع بعامة. لكن الامية وحدها لا تقدم اجابة شافية للسؤال الاشكالي.، ولاسيما ان المدارس في الوطن العربي تتكاثر يوماً بعد يوم. ومعاهد التعليم والجامعات تأخذ بالانتشار السريع على امتداد رقعة الوطن الكبير دون ان تحسم أمر السؤال، وتخلق الانسان القاريء الذي يجعل القراءة خبزا يومياً. واذا نحينا الامية جانبا، وعدنا الى السؤال مرة اخرى، ثارت في وجهنا اسئلة اخرى من قبيل اي نوع من القراءة نقصد؟ ما مفهوم القراءة؟ وهي اسئلة على درجة من الاهمية تزيد من اشكالية السؤال نفسه، فالقراءة بالمفهوم المعاصر ليست عملية تحليل للمقروء وتحويل للأحرف المكتوبة الى اصوات مسموعة او افكار متمثلة ذهنيا، انها اهم بكثير مما تقدم فهي القدرة على محاكمة المقروء، ونقده، وتقويمه، واتخاذ موقف منه، ثم الاستفادة منه في حل المشكلات التي يزخر بها الواقع، وفي الجملة هي تشكيل السلوك الحضاري الذي يستجيب لنبض العصر، ويتعايش معه. ان القراءة بهذه الوظائف المتعددة، وبتلك الرؤيا الواسعة المدى تجعل من نفسها قضية حساسة وبالغة الخطورة بالنسبة للانظمة الحاكمة في الوطن العربي، اذ تشكل تهديداً لامتيازاتها، وتحدياً لبقائها اذ تخلق بحسب المفاهيم التي تقدم ذكرها جيلا واعياً متسائلا، راغباً في بحث قضاياه المصيرية أصالة عن نفسه غير راض بان بيت فيها نيابة عنه أية سلطة مهما بلغت من المعصومية، ولا معصوم سوى الانبياء والرسل، لهذا فإن الحاكم يدأب جاهدا على ان يضيق مفهوم القراءة ليقتصر على فك طلاسم الحروف تخريج كوادر الموظفين الضروريين لسير عجلة البيروقراطية وتنظيم امور الدولة تنظيماً حديثاً ولا اقول حضارياً. ان طرح السؤال بصيغة «لماذا نحن أمة لا تقرأ؟» فيه تجاهل متعمد أو غير قصدي لحقيقة موضوعية، هي حقيقة التخلف الشامل لجميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الامر الذي يجعل الامة العربية أمة لاتقرأ، ويجعل السؤال غير ذي معنى، فكيف يقرأ من لا يجد لقمة العيش التي تقيم اوده؟ وكيف يقرأ من لا يجد ثمن الدواء الذي يصلح به جسده؟ وكيف يقرأ من يفتقد الامان الذي يحفظ عليه حياته، انه اذا قرأ فلا يقرأ الا الكتاب المدرسي، وسرعان ما تنقطع علاقته به وبأي كتاب بعد التخرج. ومن منا لا يذكر هذا المشهد المأساوي الكوميدي. مشهد تمزيق الكتب المدرسية مع أفول اخر ايام الامتحانات. وهو مشهد كبير الدلالة على الموقف اللاشعوري لطلابنا وأجيالنا مما يراد لهم أن يقرؤوه. كلمة للمحرر بعد استعراض آراء الأدباء والتربويين في مشكلة عزوف الابناء عن القراءة وطرحها كمشكلة تربوية يعاني منها الجيل الجديد، تبين ان البيت هو المسئول الأول عن هذه القضية، وتنشئة الطفل على عادة القراءة مطلوب من أولياء الأمور أولاً، يلي ذلك دور المدرسة في تخصيص حصة للبحث المعرفي والعلمي، ثم يأتي دور المؤسسات المتخصصة من مكتبات عامة وجهات رسمية في تمويل وتعزيز عادة القراءة لدى الجيل الجديد، وإذا كانت اللغة الانجليزية مطلوبة فعلاً للولوج الى بوتقة العولمة، هذا يعني ضرورة اتقان اللغتين العربية والانجليزية وعدم اتقان لغة العولمة على حساب اللغة الأم. وإذا كانت احصاءات الأمية مازالت تهدد الأمة العربية في مكوثها ضمن صفوف التخلف، لابد من ان تبذل الجهود الرسمية والشعبية للقضاء على «غانية الفقر» الأمية.. عندها نحتفل رسمياً يوم الثامن من يناير بالقضاء عليها دون ذكر احصاءات تشير الى استمرارها