السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 المناوبة فرض مكتوب على كل المُدرسات في كل المراحل، لكن اعراضها تظهر اكثر على مُدرسات المرحلة الابتدائية او المراحل الدنيا بشكل عام. والسبب ان مُدرسات المراحل العليا اذا كانت احداهن عليها المناوبة صبرت مدة معينة، وبعد ذلك اذا وجدت طالبات متأخرات لم يأت أولياء أمورهن ليأخذهن خرجت وتركتهن باعتبار أنهن كبيرات ويدبرن امورهن. ـ لكن المشكلة مع الاطفال الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة، كيف تتركهم المُدرسة المناوبة وتخرج؟ بالطبع لا تستطيع ان تتركهم او تتركهن، اذا تأخروا عن الباص، أو لم يأت أولياء أمورهم في الوقت المحدد وعندئذ على المُدرسة المناوبة ان تختار احدى الطريقتين: احداهما ان تجلس مع المتأخر حتى لو كان طفلا واحدا حتى يأتي ولي أمره والطريقة الثانية ان تأخذ الطفل وتوصله إلى بيته. ـ ان بعض الاطفال يتأخر ولي أمره حتى الرابعة مساء، أول لا يأتي نهائيا، وعندئذ تضطر المُدرسة المسكينة أن تأخذه الى بيته. ـ لكن يحصل ان بعض الاطفال لا يهتدي الى بيته، اما لصغر سنه، أو لأنه غبي، فلا يستطيع ان يرشد المُعلمة الى بيت أهله، وربما سألته عن رقم هاتف البيت فقال: لا أدري. ـ هنا في الحقيقة تبرز عدة قضايا جديرة بالاهتمام والدراسة. يا ترى ما ذنب المُدرسة المناوبة حتى تتأخر الى الرابعة مساءً؟ أليست هي زوجة وأما وموظفة، وتتحمل مسئولية التأخير أمام زوجها وأولادها كما أن لجسمها عليها حقا. ـ ثم هل تمر مسألة التأخير على كل زوج من غير تدبير عقوبة أم أن بعض الازواج يتخذها ذريعة ليحولها الى قضية، وربما أدت الى الطلاق. ـ أضف الى ذلك انها لا تعلم عن أولادها شيئا في حين انها مسئولة عن عيال الناس أمام الله وأمام الوزارة، وامام المجتمع. ـ وبعد ذلك هل هذا العمل الاضافي يحتسب في سجل تقييم عمل المُعلمة، أم انه جزء من العمل المطلوب من كل مُعلمة؟ لكن منهن من تعمل بضمير فتجلس حتى النهاية لتراقب آخر طفل يغادر المدرسة، أو تأخذه الى بيت أهله. ـ ومنهن من اذا تأخر طفل جلست وانتظرت قليلا ثم تركته عند الحارس وخرجت الى بيتها. ـ في اعتقادي ان المُدرسات المناوبات اليوم نوعان كما ذكرت، لكن الوزارة لا تفرق بين من تعمل بضمير وبين من لا ضمير لها اصلا. ـ وانني اطالب الوزارة ان تقدر اخلاص المُدرسات اللاتي يعملن بضمير، ويضعن مسألة وصول الاطفال الى بيوتهم بسلام فوق كل اعتبار. ـ كما أطالب بأن تلفت انظار من لا تعطي أهمية اذا تأخر طفل في المدرسة، وتركته بحجة ان الحارس موجود. ـ اما المُدرسة التي تتأخر الى الثالثة والرابعة ثم تأخذ الطفل الى بيت أهله فاقترح ان تكرم في نهاية العام الدراسي، وتعطى شهادة الضمير المتميز. ـ نعم.. التميز ليس تفوقا في الدراسة وتقديم الوجبات للطفل في البيت فقط، بل خدمات انسانية تعبر عن شفافية قلب صاحبه، ويقظة ضميره. ـ هذا.. ولفت نظري في الحقيقة تأخر بعض الاطفال بحجة انه ذهب عنه الباص لذا أقول أليس في المدرسة من يراقب خروج الاطفال الى الباصات؟ لماذا لا تخرج كل مُدرسة بتلاميذها وتلميذاتها الى الباص؟ لماذا تخرج المُعلمات الى سياراتهن قبل الاطفال، ويتركن الاطفال للمُعلمة المناوبة؟ ـ في اعتقادي ان كل فصل تتحمل مسئوليته مُعلمة الفصل التي تتواجد فيه في آخر حصة، ومن ثم لو خرجت بهم او بهن الى الباص لكان افضل. ـ والمُعلمة المناوبة مهما تكن واعية فانها لا تنبش كل جنبات الفصول، ظاهرها وباطنها لتعلم من في الفصول ومن خلف الفصول ومن في المراحيض مثلا. ـ نعم ربما تقول تلك مهمة المُعلمة المناوبة، لكني اقول هل ما تفترضه موجود في المدارس أم انه أمل منشود؟ ـ ان تأخر الاطفال ولا سيما البنات مشكلة ولها خطورتها، ولقد اتصلت احدى المُدرسات في زوجها وكانت مناوبة بعد الثالثة والنصف وقالت: هل تعرف بيت فلان ابن فلان؟ قال: لماذا هذا السؤال؟، قالت: لان ابنتهم متأخرة حتى هذه الساعة، ولم يأت احد ليأخذها وهي لا تعرف البيت ولا تحفظ رقم الهاتف. ـ أقول ان هذه ظاهرة واقعة، وليست من نسج الخيال، لكن يا ترى كيف نقضي عليها؟ هل بالاستمرار على نظام المناوبة الموجودة الآن؟، وان كان أولياء الأمور مستهترين بالنظام؟ ـ ان المناوبة المشروعة هي لمعالجة الافتراضات مثل أن يحدث بعض الأيام أن يتأخر طفل لعذر قاهر واجه أهله، ولربع ساعة أو نصف ساعة، وليس في كل الايام ولساعتين، او للأبد وكأن التأخير صار جزءا من النظام المدرسي. ـ ولعلك تستغرب وتضحك طويلا لو قلت لك بأن المُعلمة عندما تأخذ الطفلة في الثالثة والنصف بعد الظهر الى بيتها تفاجأ بأن أمها نائمة، أو جالسة تشاهد التلفاز أو تتغدى. ـ اعتقد أن امثال هؤلاء يحتاجون الى نوع خاص من الايقاظ اشبه شيء بالكي بالنار، لأن أجسادهم تعودت على الاستهتار بالنظام والتهاون مع الواجبات والمهام وعدم الاحساس بالمسئولية. ـ ثم الى متى يعتمدون على حافلات وزارة التربية والتعليم والشباب؟ ان الوزارة ان لم تقطع عنهم هذه النعمة اليوم فانها ستقطع عنهم بعد سنة او خمس، وعندئذ ماذا يفعل أولياء الأمور باطفالهم؟، وماذا تفعل المُعلمات بالمتأخرين والمتأخرات. وهل يعقل ان تنام المُدرسات في المدارس بعد الظهر بحجة أنهن مناوبات؟ ان الدلع ليس من مصلحة الاطفال، ولا من مصلحة أولياء الأمور. والمُعلمات كثر الله خيرهن انهن ينفقن رواتبهن وصحتهن على المدرسة. ـ اذن ليس من حق الوزارة ان تحمّلهن مسئولية طفلة ضاعت بعد انتهاء الدوام المدرسي. وليس من حق الآباء والأمهات على وزارة التربية ايضا ان ترابط في الثغور بعد الظهر لتحرس الاطفال، في حين أن بعض الأمهات لاهيات بالمسلسلات أو نائمات في البيوت. ـ ما أقوله صحيح، لقد حصل أن أطفالا تأخر أهاليهم عنهم، فقامت المُعلمة تبحث في سجل الاخصائية أو المشرفة لعلها تجد هواتفهم، لكنها لم تجد شيئاً فاضطرت ان تحمل الطفلة وتسأل المارة هل هذه ابنتكم؟ ويجب ألا يعتمد على الحارس أيضا، فمن الحراس من هو مكفوف يجلس في حجرته فيتكلم ولا يرى، وهل مثل هذا يستطيع أن يحرس غيره؟ الى أن اهتدت الطفلة الى بيتها وقالت: هذه هي ديار بني عبس فحط رحالك يا عنترة. ـ اقول الى متى نظل لا مبالين؟، الى متى نطالب الحكومة أكثر من طاقتها؟، الى متى نظل نستنزف أموال الدولة، ولا نوفر عليها؟، الى متى نظل ننظر الى المدارس بأنها حضانة الاطفال طول 24 ساعة؟، إلى متى ننتظر باصات الحكومة وعدد السيارات في بيوتنا أكثر من عدد أفراد الأسرة؟ إننا في حاجة إلى قليل من الفكر السليم والذوق السليم، أليس كذلك؟