السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 اتصل بي العديد من المهتمين بشئون التربية، يبدون دهشتهم من غياب الطلبة قبل وبعد اجازة العيد، رغم ان اجازة العيد في هذا العام تداخلت مع اجازة العيد الوطني، واجازة نهاية الأسبوع، أي كانت المدة كافية للاستمتاع بالعيد. ـ قلت لهم بأي صفة تتصلون بي، وتشكون إلي غياب الطلبة؟ قالوا بصفتك مديرا لادارة الخدمات التربوية ومسئولا عن الطلبة في المدارس. ـ قالت لهم أما علمتم اني استقلت من وزارة التربية والتعليم والشباب منذ شهرين؟ قالوا ولماذا استقلت؟ قلت لأسباب كثيرة، منها هذه اللامبالاة التي تشكون منها أنتم اليوم، وهي مشكلة مزمنة ولا تجد قرارا حازما حتى الآن. ـ قالوا بين لنا ما أسباب غياب الطلبة، ولماذا لا تعاقبهم الوزارة؟ قلت لهم دعوني في حالي، ومن عوفي فليحمد الله، وإنني إذ تركت وزارة التربية لم أفكر في ان اعود الى المواجع التي كنت أقلبها كل يوم بحكم عملي، وبحكم ابتلائي بالطلبة، وابتلائهم بي. ـ انني تحدثت عن مشاكل وزارة التربية قرابة 25 سنة، وكتبت عنها حتى سئمت مني المقالات والأعمدة والزوايا والبث المباشر وغيرها من القنوات الفضائية والأرضية، وفي النهاية خرجت منها وأنا اقول: شيبتني هود وأخواتها. ـ قالوا وما معنى شيبتني هود وأخواتها؟ قلت إنه كتاب من كتبي تحدثت فيه عن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال له أبوبكر الصديق يا رسول الله عجل إليك الشيب، قال شيبتني هود واخواتها، ويعني بها سورة هود وبعض سور اخرى مثل الحاقة والواقعة وسأل سائل والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والغاشية والقارعة. ـ نعم.. ويقول على السري رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له ورد عنك أنك قلت شيبتني هود؟ قال نعم. قال ما الذي شيبك منها، أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال لا ولكن قوله فاستقم كما أمرت. ـ وإنني اليوم إن كان لابد أن أعود إلى الحديث عن وزارة التربية فسوف أقول: وزارة التربية بكامل قياداتها لا تعجز عن حمل أثقالها ومشاكلها وهمومها، ولكنها في حاجة إلى الحزم، لذلك أقول لها كوني حازمة كما أريد منك. ـ نعم.. لا فرق بين من يدير مؤسسة تتكون من 750 ادارة مثلا، وبين من يدير مؤسسة تتكون من 750 شخصا، فالذي يدير هو القرار وليس الشخص نفسه، والقرار الحازم متى تعقبه متابعة حازمة يأخذ طريقه للتنفيذ، ويعطي ثمرته. ـ انظر الى دولة كالصين او الهند لتجدها أكبر عددا من حيث السكان، وأثقل من حيث الاعباء والمطالب من الكثير من الدول الصغيرة، ومع ذلك تجد الصين أو الهند أكثر تقدما واحتراما للنظام من تلك الدول الصغيرة التي لو توزع ثروتها على افراد شعبها لكانت حصة كل منهم أكبر من ميزانية وزارة التربية في كثير من الدول. ـ اذن العبرة ليست بالكم بل بالكيف، والطلاب عندنا ما استحلوا الفراغ إلا لانهم لم يجدوا من يحاسبهم محاسبة جادة. والوزارة حسب علمي انها تابعت قوائم الغياب منذ بدأ الطلاب يغيبون غيابا جماعيا، وعلمت ايضا انها ناقشت في السنوات الأخيرة تلك المسألة مع المناطق ومجلس الوكلاء وأثيرت مع المدارس خلال زيارات معالي الوزير والقياديين الآخرين. ـ لكن مع ذلك لم تصدر الوزارة قراراً حازما تجاه غياب الطلاب غير المشروع، بل وعدت وقالت سننظر، وليتها أوعدت لننظر نحن كيف يفعل الطلاب بعد ذلك. ـ ان الوزارة في الواقع مطالبة برفع مستوى التحصيل الدراسي لدى الطلاب، وليس بإمكانها ان تحقق هذا الهدف من خلال اللوائح والقرارات غير المنفذة تنفيذا جادا. ـ من هنا اقول وانا على يقين ان مسألة غياب الطلاب يجب ان تناقش على مستوى مجلس الوزراء، ولانه هم وطني وقومي مادام قد تحول الى مرض عام تشكو منه كل المدارس في كل المناطق، وتبلغ نسبة الغياب فيها الى 90% وفي بعضها الى 100%. ـ ان الحل ان يصل المجتمعون الى ان غياب الطلاب من غير موافقة الوزارة ضار باقتصاد البلد، قبل ان يتضرر الطلاب انفسهم بهذا الغياب. ـ ان في الدولة اليوم اكثر من 720 مدرسة، وفيها أكثر من 300 الف طالب وطالبة ويعمل فيها اكثر من 23 الف معلم ومعلمة وموجه وموجهة. ـ فإذا كان الطلاب يغيبون ما يزيد على 60 يوما باسم الاجازات المشروعة وغير المشروعة في اثناء العام الدراسي فكم تدفع الدولة من رواتب، وكم تنفق على الاجهزة والوسائل والورش التي خصصت لمصلحة هؤلاء؟ ـ أليست هذه المبالغ تنفق من غير مقابل؟ في حين ان الوزارة نفسها تشكو من نقص في الميزانية في جوانب آخرى تنتظر التطوير. ـ اذن ليس من مصلحة الدولة ان تمر مسألة غياب الطلاب كل مرور الكرام وليس من مصلحة وزارة التربية ان يضرب بقراراتها عرض الحائط من غير ان يكون لها رأي او قرار حازم. وليس من مصلحة الآباء والأمهات ان يفتحوا أبواب بيوتهم للطلبة العائدين من المدارس التي قالت لهم عودوا الى بيوتكم إذ لا درس اليوم، علم الله ان فيكم ضعفا فخفف عنكم، فاخرجوا من فصولكم وأنتم الطلقاء. ـ نعم.. يحصل هذا، وبعد العودة لا يعرف المعلم ماذا يفعل بالمنهج المتراكم عليه، ولا يعرف الطالب كيف يفهم المواضيع المتراكمة عليه. ـ هنا يضطر المعلم ان يركض بالمنهج حتى ينهيه، وهو يعلم ان الطلبة مصابون امامه بعسر الهضم، ويتلوون ألما من المغص الذي سببه هذا المرور السريع بالمنهج. ـ والنتيجة المترتبة على هذه العملية بعد ذلك ان يلجأ بعض الطلاب الى الدروس الخصوصية، وبعضهم يرضا بالواقع، ليفاجأ يوم الامتحان بالأسئلة التي جاءت من هذه المواضيع التي ما درسها أو مر عليها مرور كرام، فيقول عندئذ وا معتصماه؟ إن الاسئلة جاءت من خارج المقرر. ـ اقول لماذا لا ننظر الى التعليم نظرة جادة؟ كما ينظر رجال المال والاقتصاد الى البنوك والمصارف نظرة جادة؟ لقد اخبرني احد العاملين في البنوك بأن الاجازة الممنوحة للعاملين في البنوك هذا العام كان يوما واحدا، ولم يعوضوا كما عوض الطلاب والمعلمون. ـ هل هذا يعني انهم وحدهم معنيون باستثمار الوقت لمصلحة المال؟ ورجال العلم غير معنيين باستثمار أوقاتهم لمصلحة العلم؟ ـ ان الغرب ينظر اليهما بنظرة واحدة، لانها تقدر الوقت وتثمن العمل، ولذلك فانها تقدمت في الاثنين معا، أما نحن فلم نحرز علما، ولم نستثمر مالا للمصلحة العامة، بل لمصالحنا الشخصية، وتلك مصيبة إن لم ننتبه لها، ولاسيما أن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله أكد في اقواله الخالدة عليان المال ليس هو الثروة الحقيقية، وإنما الرجال هم الثروة الحقيقية.. ـ كيف تتحقق آمال سموه إذا كنا نستنزفه آبار النفط في تربية اجسامنا وبطوننا، ولا نستنزفها في تربية عقولنا ونفوسنا، واستثمار اوقاتنا لما فيه مصلحة الوطن. ـ لذلك فانني اطالب بشدة ان ينظر في مسألة غياب الطلاب غيابا جماعيا بأنه استهتار بالنظام، وعبث بالأمن الاقتصادي للدولة. واذا كانت وزارة التربية وحدها لا تستطيع ان تتخذ قرارا يلزم الطلاب بالدوام في وقت الدوام فان من الواجب ان تقف معها الوزارات الاخرى، وتساند قرارها، وبذلك يكون الآباء واولياء الامور جميعا شاركوا في استتباب الأمن في المدارس. ـ وما ينبغي ان يترك الأمر لادارات المدارس، وتطالب باعداد قوائم الغياب، من غير ان يتبع ذلك اي عقاب للطلبة المخالفين وإلا فانه كما قال المثل: شنشنة اعرفها من أخزم، أليس كذلك؟