السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 العيد فطراً كان أم أضحى فإنه يطلق على ذلك اليوم الذي اعتاد ان يتكرر في كل عام، ولذلك سمي عيداً لأنه يعود. والعيد الشرعي يوم واحد إلا ان العرف اقتضى ان يكون ثلاثة أيام، وربما السبب أن العيد الأضحى تتبعه أيام ثلاث تسمى أيام التشريق. والحاج ينفر النفر الأول بمجرد دخول عصر اليوم الثاني من أيام التشريق، وذلك لم تعجل، فانسحب هذا على عيد الفطر فصار ثلاثة أيام. أو ان الناس لم يعد يكفيهم يوم واحد نظراً لتشعب البلاد والعباد، فصار ثلاثة أيام أفراح قياساً على ثلاثة أيام عزاء. أو أن أقل الجمع ثلاثة، وأيام العيد ثلاثة، والرسول كان يكرر الدعاء ثلاثة مرات، وربما كرر بعض العبارات ثلاث مرات للترسيخ مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج ، هي خداج، هي خداج، أي غير تامة «رواه الموطأ». هذا من حيث الشرع والعرف عند السلف، أما عندنا نحن اليوم وفي قوانيننا فإن أحد أيام العيد إذا صادف يوم الجمعة يعوض عنه بيوم آخر بحكم القانون ليصبح أربعة أيام. وتعود الطلاب ان يستغلوا مثل هذه المناسبات فيغيبوا عن الدراسة يوماً قبله أو يوماً بعده، والوزارة حاولت مراراً أن تفرض النظام وتعاقب المتغيبين، لكن كانت الغلبة للطلاب والسبب أن أولياء أمورهم لم يقفوا منهم موقفاً حازماً بل تعاطفوا معهم نظراً لأنه صادف هوى في نفوسهم، فمعظمهم يقضون اجازة العيد خارج البلد أو داخل البلد، لكنهم يفرغون أنفسهم للتنزه، والانسان العربي بطبيعته يبدو اليوم متعباً ومرهقاً، فهو يبحث عن الراحة دائماً. في حين ان الأجانب يقضون أيام اجازاتهم كالساعة، لا يستقدمونها ساعة ولا يستأخرون، لأنها جزء من حياتهم والحياة غالية عند الغرب، لذا فإنهم يستثمرون ساعات عملهم لمصلحة العمل، ويستثمرون ساعات فراغهم لراحة الجسم المتعب من العمل. أما نحن فنبدو متعبين دائماً لأننا نعمل ونحن كسالى غير جادين، ونعطل ونحن غير مستغلين وقت الراحة للراحة، بل هزل في هزل، وهكذا تمضي أيام العمل من غير إنتاج، وأيام العطلة من غير راحة، لأننا أمة لا نقدر الوقت، رغم أننا ورثنا عن آبائنا وأجدادنا المثل الذي يقول: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونحن الذين نردد قول أحمد شوقي: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان يا ترى لماذا شرع يوم العيد، أو لماذا شرعت أيام العيد الثلاثة؟ إن بعضنا يستغل هذه الأيام في النوم، فلا ينتبه إلا صباح اليوم الذي يستأنف فيه دوامه. وبعضنا يسافر تاركاً وراءه عياله، فيقضيها خارج البلاد من أجل الترويح، وبعضنا يسافر بعياله من أجل ترويحهم، أو يأخذهم داخل الدولة إلى مناطق أخرى غير منطقتهم. وبعضنا يستغلها في إنهاء المعاملات أو الارتباطات العالقة التي لم تجد طريقاً إلى الانجاز في وسط الزحام. وبعضنا يستغلها في إنهاء المعاملات أو الارتباطات العالقة التي لم تجد طريقاً إلى الانجاز في وسط الزحام. وبعضنا يستثمرها في زيارة الارحام والاصدقاء والجيران. في اعتقادي ان لكل من هؤلاء مبرراته، إذ أن الذي يشتكي من قلة النوم يقضي أيام العيد في النوم ليعوض جسمه ما فاته من الراحة، والذي يشتكي من قصوره تجاه أرحامه يقضيها في صلة الرحم وزيارة الأحبة. والذي يشتكي من زحمة العمل ينجز فيها أعماله التي تراكمت عليه في الايام العادية. والذي يسافر يعتقد ايضاً أن وجوده في البلد وفي بيته وقريباً من عمله لا يوفر له الراحة التامة، لذلك فإنه يبتعد تماماً حتى لا يرى ولا يسمع ولا يشم رائحة العمل، وبذلك يكون قد جدّد دمه ونفسه وفكره وذهنه. على كل فإن مدار عمل كل من هؤلاء على النية، فإذا كان يفعل ذلك بنية حسنة فإنه في عبادة حتى يرجع إلى عمله، وإلا فإنه يأثم حتى لو كان نائماً في بيته، لذلك فإن الحديث القدسي يقول: من هم بحسنة فعملها فله عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة. إذن نية المؤمن خير من عمله، والعبادة ليست صلاة وصياماً وحجاً فقط، بل كل ما يؤدي بك إلى طاعة فهو عبادة. من هنا فإن أيام العيد أو أيام الاجازات الأخرى ينبغي ان نستثمرها في طاعة لأنها جزء من حياتنا، والحياة إذا كانت ساعة فلنملأها طاعة. وإني أوجه الناس إلى استثمار أيام العيد فيما شرع العيد من أجله. فكثير من الناس يمر عليه العيد وهو قاطع لرحمه، مخاصم لجيرانه، لا يصلهم ولا يبرهم ولا يكلمهم، في حين أن ديننا نهى عن المقاطعة أكثر من ثلاثة أيام، وبعدها يجب أن يعودوا لبعض حتى لو لمجرد السلام عليكم. ثم إن للعيد آداباً وعادات جميلة، تبتدأ بحضور خطبة العيد والصلاة، وتنتهي بزيارة الاقارب والارحام والاصدقاء. بل أكثر من ذلك فإن للأموات نصيبا، لذلك فإن آباءنا كانوا يزورون المقابر يوم العيد للسلام على الأموات. وفي هذا اليوم ينبغي للمسلم ان يوسع على عياله فيشتري لهم الجديد ويعطيهم ما يسمى بالعيدية، ويفتح بيته للناس، وقبل ذلك يفتح قلبه لهم كما قلنا، إذ لا خير فيه إذا كان يهل عليه العيد وهو يحمل حقداً على فلان، أو أنه عاق لوالديه، أو انه مهاجر لزوجته، أو انه ظالم لخدمه أو عمّاله فلم يصرف لهم حقوقهم منذ أشهر. إن مثل هذا الانسان لا يتقبل الله صيامه، ولا يبارك في عيده، لأنه مظلم قلبه بالمعاصي. ومن الملاحظ ان الكثير من الناس فيهم هذه الخصلة الذميمة، ومع ذلك يحضرون العيد في المصلى، ويدورون بعد ذلك على البيوت، ولكن بيوت من يشاءون ودّهم وزيارتهم. في حين ان العيد شرع لتصفية مثل هذه الحقوق، إذ قد تظلم شخصاً أو تسيء إليه بكلمة نابية، ثم لا تراه إلا في مصلى العيد مثلاً، فهو إذن فرصة لك أن تتصافى معه قبل فوات الفوت، والشاعر يقول: ليس كل الأوقات يجتمع الشمل ولا راجع لنا ما يفوت فاغتنم ساعة اللقاء فما تد ري نفس بأي أرض تموت ولا أنسى أن أقول بأننا تعودنا في أيام العيد، بل وفي ليالي رمضان أن نفتح باب البذخ والتبذير والاسراف على أنفسنا، فنبسط الموائد لا للأكل، بل للمباهاة وهذه خصلة ذميمة أيضاً لا يحبها الرحمن، إذ أن الله تعالى قال: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». لذلك اقترح على الناس ان يقتصدوا، وما زاد في الخير يضعونه في صناديق الجمعيات الخيرية، لعلها تصل إلى المحتاجين، وعندئذ نكون قد أرضينا ضمائرنا وأرضينا فقراءنا، في كل مكان، وأرضينا ربنا.. أليس كذلك