الثلاثاء 28 رمضان 1423 هـ الموافق 3 ديسمبر 2002 في أمسية رمضانية ظللتها روحانية الشهر الكريم وعطرتها نسمات ذكرى قيام الاتحاد الواحدة والثلاثين عقد شباب دبا وشوابها مجلسهم الاثير داخل القرية التراثية التي اقاموها بجهودهم معا ـ ضمن الاسبوع الثقافي الذي احتضنته ـ كعادتها كل عام ـ جمعية دبا الفجيرة للثقافة والفنون والمسرح. وكان بين شهود الامسية والمتحدثين فيها محمد سعيد الضنحاني مدير الديوان الاميري بالفجيرة، ومطر صالح الكعبي مدير بلدية دبا الفجيرة، واحمد الخديم رئيس مجلس ادارة جمعية دبا للثقافة والفنون، ونائبه خالد عبدالله الضنحاني الى جانب عدد من رؤساء واعضاء لجان الجمعية وجمع من شباب المدينة وبعض كبار السن من الاباء المهتمين بالتراث. وبحكم المكان ـ وهو القرية التراثية ـ وايضا الزمان ـ وهو مناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للامارات فقد اتخذ الحوار خلال ساعات المجلس الرمضاني اتجاها مباشرا يربط بين التراث الشعبي القديم والنهضة الشاملة الحديثة التي شهدتها البلاد طوال المسيرة الاتحادية بأمجادها وانجازاتها.ويفتتح محمد سعيد الضنحاني احاديث المجلس الرمضاني بقوله: لقد شاءت الصدفة السعيدة ان يكون انعقاد مجلسنا الليلة في قلب قرية التراث بدبا في الوقت الذي تظللنا فيه بشائر قدوم عيدنا الوطني واحتفالاتنا بذكرى الاتحاد المجيد الذي احاط بالعز والرفاهية والرخاء والنهضة كل ارجاء بلادنا. ويضيف: انني أرى ـ مثل جميع الحاضرين ـ ان اعتزازنا بتراثنا القديم هو اعتزاز بماضينا وبأجيالنا السابقة، واوقن ان هذا الشعور الذي يشترك فيه الجميع ـ قادة ورعية ـ هو الوسيلة المثلى التي حققنا بها انجازات حاضرنا المشرق وهي في الوقت نفسه سبيلنا لصنع المستقبل المزهر لأجيالنا المقبلة. الأصالة والنهضة ويواصل الضنحاني حديثة قائلا: ان مدارج المجد لا تأتي من فراغ، بل انها تستند الى اساس قوي ومتين، وبالنسبة لتجربتنا الوطنية في النهضة والحداثة فان موروثنا الشعبي من العادات والتقاليد الاصيلة كان سندا لنا ودرجات نرتقيها ونحن نصعد على سلم البناء الشامخ الذي صنعته القيادة الرشيدة لصاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخوانه اصحاب السمو حكام الامارات حفظهم الله جميعا. ويستطرد فيقول: لقد صاغ قائدنا خطط البناء والارتقاء بحكمة بالغة ورؤية ثاقبة يؤكدهما حرص سموه ـ اطال الله عمره ـ على رعاية التراث والحفاظ عليه، والعمل بجدية واهتمام من اجل الابقاء عليه في نفوس اجيالنا وبخاصة الناشئة منها لكي تتوارثه وتتفهمه وتدرك ما فيه من معان وعبر ودلائل مكنت اهل الماضي من الحياة وسط ظروف صعبة وقاسية دون ان يفقدوا الولاء للوطن او الانتماء للارض، ولعل هذا هو اعظم الدروس في تنشئة الاجيال مع الفارق الكبير الذي تعيشه اجيال الحاضر فهي تحيا في رخاء ونعيم صنعهما حب الارض والوفاء للاهل. ويلتقط مطر صالح الكعبي طرف الحديث فيقول: اننا حين نطري موروثنا الشعبي ونفاخر ونعتز به في الوقت الذي نعيش فيه نهضة كبرى وعصرا ذهبيا من المجد والانجاز فإننا بذلك انما نعلن على الملأ ان ماضينا هو امتداد لحاضرنا وايضا لمستقبلنا، فتراثنا هو الجذور التي نبتت منها كل الفروع والاغصان والاوراق لتصنع لنا في حاضرنا مظلة كبرى ترفل فيها اجيالنا في الخير والنعيم بحكمة القيادة التي استلهمت من موروثنا اعظم صفاتنا وسمات حياتنا لكي تمنحها امتدادا في عصر الرفاهية والنهضة. ويضيف: ان مفهوم الاتحاد الذي صاغت منه القيادة الملهمة دولتنا المتحدة قبل احدى وثلاثين سنة هو استخلاص امين وترجمة صادقة لواقع حياتنا نحن ابناء الامارات السبع منذ عصور وازمان، والدليل على ما نقوله ـ ويقوله الآخرون عنا ـ ان تجربتنا الاتحادية هي الانجح عربيا في كل التجارب الوحدوية، كما انها الاكثر نجاحا وتفوقا في مجالات التنمية الشاملة حيث عملت دائما من اجل الانسان واعتبرته ثروة الوطن التي تفوق كل الثروات. ويواصل الكعبي: اننا نحن ابناء الامارات اذ نعيش اجواء النهضة ومعالمها في كل ارجاء بلادنا، فاننا ننظر في الوقت نفسه الى تراثنا الاصيل نستمد منه كل ما يحمينا في عصرنا، وما يؤمن مسيرتنا المستقبلية، وهو ما يجعل هذا التراث من العادات والتقاليد هي الدرس المفتوح والمجاني لكل الاجيال كي تتعلمه وتقتدي بما فيه من سلوكيات حميدة وايجابية عرفها الاجداد وعايشوها والتزموا بها فلم يتفرقوا او يتباعدوا بل حرصوا دائما على التعاون والتكافل وعلى حب العمل والارض والاهل فأوصلوا اجيال الحاضر الى ما هي فيه من نعمة وخير. ويتوقف الكعبي ليشرح لقطة من التراث الاصيل فيقول: نحن في حاضرنا السعيد نعيش في مساكن عصرية مجهزة بكل وسائل المعيشة الحديثة التي وفرتها لنا قيادتنا الحكيمة لكي تحقق لأبناء شعبها كل حياة كريمة، واذا استعدنا ماضينا القريب عندما كان الاجداد يعيشون في بيوت من سعف النخيل وكانوا يتنقلون بين بيوت الشتاء وبيوت الصيف ليخففوا معاناتهم من ظروف المناخ ووطأة القيظ، ان من ينظر الى هذه الملحمة البسيطة من تراثنا لابد أن يدرك ما وراءها من صمود وتحد تحمله الاجداد بعزم الرجال واصالتهم، وهذا ما يجب ان تعيه اجيالنا الحاضرة اذ عليها ان تواجه تحديات العصر وهي كثيرة بنفس روح الصمود والتحدي التي عاش بها الاباء والاجداد. العادات والتقاليد ويطرح الوالد خميس عبدالله الخديم وهو مزارع رؤيته للماضي كما عايشه فيقول: ان ما يقوله الشباب يثلج الصدر ويريح النفس، لان عاداتنا وتقاليدنا القديمة حافظت علينا وعلى ارضنا التي عشنا فوقها متمسكين بها رغم قسوة الحياة في الماضي فلم يكن لدينا الا النخل والبحر لتحصيل الارزاق ولقمة العيش، لكننا رغم ذلك تحملنا بشجاعة فعشنا برضا وقناعة ورثناهما عن الاجداد، واستطعنا ان نربي ابناءنا تربية صالحة وان نجعلهم يتكيفون مثلنا مع ظروف البلاد، وها نحن الآن نراهم وقد افلحوا مثلنا في تربية ابنائهم ـ احفادهم ـ الذين يحملون اليوم شهادات عالية ويعملون في وظائف متعددة لم نكن نعرفها نحن في الماضي. ويعلق علي عبد الجليل المسئول الاعلامي بالديوان الاميري بالفجيرة فيقول: ان الحنين للماضي من صفات البشر، لكن عظمة الانسان تبدو واضحة عند تمسكه بالقيم الاصيلة وهو ما نراه في اجيال كبار السن وايضا في الاجيال الشابة التي ترى ان موروثها الشعبي هو نهر من الحكمة الجارية وعلى كل من يرغب في الاستزادة من الحكمة ان ينهل من هذا النهر كي يحافظ على جذوره الاصيلة ويبقى للمجتمع طابعه المتفرد وخصوصيته في الحياة المستمدة من تمسك الافراد بالقيم الاجتماعية السامية والمفاهيم السلوكية الايجابية، وهذا يجعل من الحرص على التراث واستمرار تداوله بين الاجيال واجبا رئيسيا لكل مؤسساتنا التعليمية بأن ترسخ الموروث الشعبي بقيمه ومفاهيمه في نفوس الناشئة كما ان على الاسر دورا مماثلا ليبقى المجتمع نقيا من كل شوائب العصر وظواهره . الالتزام بالقواعد والأصول ويطرح علي سالم سليمان رأيه قائلا: يعرفني الناس في دبا بأنني راعي العسل ويتعجبون لكوني شابا يمارس هذه المهنة القديمة التي يلاحقها الاندثار، لكنني أرى في هذه المهنة ما لا يراه الآخرون، فهي وان كانت قديمة الا انها تدر رزقا متجددا وكثيرا، وقد ورثتها او تعلمتها عن حب ورغبة من اهلنا القدامى ووجدت فيها مدرسة للعادات والتقاليد التي عرفها اهل الزمن الماضي الذين اكتسبوا منها خبرات نادرة دون ان يكون لديهم مدارس ومعاهد او خبراء في علم النحل. ويضيف: لقد علمني خبراء هذه المهنة قواعد واصول العرف السائد في زمانهم حيث كان راعي النحل يلتزم بهذه الاصول في قطف العسل فليس مسموحا لأي فرد ان يتعدى على تعارف الناس انه في حيازته من اعشاش النحل، وكان الالتزام بهذه الاصول يحقق للجميع خيرا وفيرا، فالجبال واسعة والاعشاش كثيرة ولكل ماهر حظه في هذا الرزق، ومن يخرج على هذه الاصول بأن يتعدى على حقوق غيره فان الحرمان من ممارسة المهنة هي الجزاء وبالتالي فقدان مصدر الرزق في وقت كانت فيه مصادر الرزق شحيحة. ويقول خالد سليمان جميع: ان تراثنا ليس فقط ادوات نطرحها للعرض على الناس بين الحين والآخر، بل هو ايضا مليء بالامثال الشعبية التي تزخر بالحكمة وتدل على ما تحلى به اهلنا القدامى من مهارة وخبرة بالحياة رغم بعدهم عن مصادر المعرفة في عالمهم. ويضيف: من الضروري ان نلتفت الى تراثنا بكل ما يحمله من ثقافة شعبية تتوارثها الاجيال، ونحن نعتقد ان اجيالنا الصاعدة بحاجة حقيقية وماسة الى الكثير من الفعاليات التراثية التي تنقل لهم عاداتنا وتقاليدنا وتطلعهم على اساليب حياة اجدادهم ومدى قدرتهم على التكيف مع ظروفهم وتحمل صعاب زمانهم. ويقول خليفة التخلوفة رئيس لجنة المسرح بجمعية دبا للثقافة والفنون: ان الحفاظ على القديم هو رغبة مخلصة في الحفاظ على كل مفهوم سليم، فماضينا كله والحمد لله زاخر بالعادات والتقاليد الموروثة التي حققت لأهل الزمن الماضي كل امان واستقرار في ظل ما ساد بين الجميع من حرص على الالتزام وتمسك بالاعراف التي كانت تحكم كل سلوكيات حياتهم من تصرفات واعمال وعلاقات. ويشير التخلوفة الى ان شباب جمعية دبا قد استلهموا الكثير من رموز التراث في اعمالهم المسرحية وحولوها الى حوارات ثرية تنطق بالمعاني الكامنة والدلائل البارزة لكل رمز مجسدا في عبارات وألفاظ واداء يرسخ كل المعاني والمفاهيم الاصيلة. الرعاية والتوثيق ويدعو احمد الخديم الى الاهتمام بالتراث بمفهومه الشامل والعميق، ويقول: ان تأصيل التراث الشعبي في نفوس الاجيال ضرورة للحفاظ على تماسك ابناء الوطن وعلى التمسك بعاداتهم الاصيلة وهو ما يدعونا الى المطالبة بقيام مؤسسات متخصصة لرعاية هذا التراث وتوثيقة واستخلاص ما فيه من قيم ومباديء وسلوكيات لطرحها على الابناء كي تنغرس في نفوسهم وتنتج آثارها الطيبة في نسيج الحياة الاجتماعية. ويختتم محمد سعيد الضنحاني حوارات المجلس الرمضاني بالقول: يجب ان نؤكد الآن ان القضية ليست مسألة «كرين» عاش فيه الاجداد بل انها قضية ربط بالجذور واحياء لكل جميل في حياة اهلنا السابقين، وهذا يشير الى ان الاهتمام بالموروث الشعبي هو نوع من احياء للجذور التي صنعت لنا في حاضرنا شجرة وارفة الظلال سخية الثمر والعطاء هي هذا الوطن الذي يزدان اليوم بالمنجزات ويزخر بكل معالم النهضة ويفيض بالنعمة على أهله، ويمنح الخير لامته وعالمه بغير حدود. ويضيف: اننا بالفعل نسعى الى ترسيخ أهم المفاهيم في الادب والكرم وفي العطاء والجود، وفي التعاون والتكافل، وفي تحدي الصعاب من اجل استمرار النهضة والبناء. تغطية: محمود علام