الثلاثاء 14 رمضان 1423 هـ الموافق 19 نوفمبر 2002 لا يختلف اثنان على ان تغير نمط الحياة العصرية وما صاحب ذلك من تغيرات على سلوكياتنا اليومية قد ادى الى زيادة نسبة الاصابة بالعديد من الامراض التي كنا في السابق نرتعد لمجرد سماع اسمها ومن ضمنها السرطان الذي بات يشكل تحدياً كبيراً للقائمين على الخدمات الصحية في جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. الدولة من جانبها والقائمون على قطاع الخدمات الطبية ادركوا منذ فترة المخاطر البشرية والاقتصادية التي تنجم عن هذا المرض، فقامت وزارة الصحة بتخصيص مستشفيات لعلاج مختلف الامراض السرطانية في ابوظبي والعين وقامت دائرة الصحة والخدمات الطبية بتخصيص قسم متطور لعلاج السرطان في مستشفى دبي، في حين خلت الامارات الشمالية بمستشفياتها ومراكزها الصحية من توفير العلاج للمرضى المصابين بهذا المرض، الامر الذي يدفع بقسم كبير منهم للذهاب الى ابوظبي لتلقي العلاج متحملين الى جانب مرضهم مشقة السفر، في حين يذهب البعض الاخر منهم لتلقي العلاج بمستشفى دبي الذي اصبح في ظل الاعداد المتزايدة للمرضى يعاني من ضغط شديد نظرا لمحدودية الاسرة. ويبقى السؤال لماذا لا تقوم وزارة الصحة بافتتاح مركز لعلاج السرطان في الامارات الشمالية او على الاقل تخصيص قسم من اقسام المستشفيات المنتشرة في الامارات الشمالية لعلاج مثل هذه الحالات؟ وهل الامكانيات المادية لدى الوزارة تقف عقبة امام تحقيق ذلك، وهل لدى دائرة الصحة والخدمات الطبية خفة لتوسيع القسم او انشاء مركز متخصص خاصة في ظل توجهات الدائرة لتشجيع السياحة العلاجية؟! هذه التساؤلات وغيرها نحاول الاجابة عنها في سياق هذا التحقيق من خلال سلسلة من اللقاءات مع المسئولين بوزارة الصحة ودائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي. يقول حسن العلكيم وكيل وزارة الصحة: الخدمات الطبية بدولة الامارات قطعت شوطاً كبيرا خلال فترة زمنية وجيزة وذلك بفضل توجيهات سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخيه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي واخوانهما اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد حكام الامارات لاعتبار ان الانسان المواطن اغلى ما نملك على هذه الارض الطيبة. والمتتبع لاحوال الخدمات الصحية في بداية السبعينيات والوقت الراهن يجد ان هناك قفزة نوعية قد تحققت سواء من ناحية المستشفيات التابعة لوزارة الصحة والهيئات والدوائر المحلية والتي اصبح عددها الان 38 مستشفى تضم اكثر من 6 آلاف سرير ومن المتوقع ان يصل الرقم الى 8 آلاف سرير عام 2005. اضافة لذلك هناك الان حوالي 106 مراكز للرعاية الصحية الاولية تابعة لوزارة الصحة وهذه المراكز منتشرة في كافة ارجاء ومدن الدولة ومزودة بكفاءات طبية ذات خبرة واسعة ومشهود لها عالمياً سواء في المجال العلاجي او التشخيصي، فكان لهذه الكفاءات الى جانب المعدات والاجهزة المتطورة دور كبير في الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية في الامارات. اما بالنسبة لموضوع السرطان فيقول وكيل وزارة الصحة، لقد كان هذا الموضوع ومازال محل اهتمام معالي وزير الصحة حمد عبدالرحمن المدفع، وانطلاقاً من ذلك فقد سخرت الوزارة امكانياتها لتوفير مراكز متخصصة لتشخيص وعلاج الامراض السرطانية في مستشفى توام في العين والمفرق في ابوظبي وقامت دائرة الصحة والخدمات الطبية بتوفير قسم لعلاج الامراض السرطانية في مستشفى دبي، واعتقد ان هذه المراكز تعتبر كافية في الوقت الراهن خاصة وان نسبة الاصابة بالسرطان في الدولة تعتبر متدنية ولا تتجاوز 76 حالة لكل مئة ألف نسمة مقارنة بالدول المتقدمة كالولايات المتحدة والتي تبلغ نسبة الاصابة فيها حوالي 450 حالة لكل مئة ألف نسمة. وقال حسن العلكيم «ان افتتاح مركز متخصص بالامارات الشمالية لعلاج الامراض السرطانية قد لا يكون مبرراً الان خاصة وان نسبة الاصابة لا تستدعي ذلك، مشيراً الى ان افتتاح مثل هذه المراكز يحتاج الى مبالغ كبيرة للاجهزة والمعدات ويحتاج كذلك الى كوادر طبية وفنية. واوضح ان وزارة الصحة تعمل وفقاً للأولويات وحتى كان هناك داع لذلك فإن الوزارة لن تتوانى بذلك. مكتب للتسجيل السرطاني ومن جانبه قال الدكتور محمود فكري الوكيل المساعد لشئون الطب الوقائي «ان نسبة الاصابة بمرض السرطان في الدولة تعتبر الاقل بين دول مجلس التعاون، كما انها مقارنة بدول العالم تعتبر من الدول التي تشهد معدلات منخفضة جداً ولا سيما في الولايات المتحدة واليابان والنرويج وبريطانيا وغيرها. وقال الدكتور محمود فكري ان دولة الامارات كانت من الدول السباقة على مستوى المنطقة في رصد وتسجيل مختلف الامراض السرطانية وقد بدأ ذلك في مستشفيات الدولة عام 1980 وكان في مستشفى توام بالعين ثم في مستشفى المفرق ودبي في عام 1984، وقد صدرت عدة قرارات وزارية حول التسجيل السرطاني واهمها انشاء المكتب المركزي للتسجيل في مستشفى توام في بداية عام 1998 وتعيين منسقين في مختلف المناطق الطبية بالدولة. وقال ان عدد الحالات السرطانية المسجلة لغاية يناير 2002 بلغت حوالي 3520 حالة منها 1036 حالة بين المواطنين (509 ذكور و527 اناث) و2490 حالة بين الوافدين «1290 حالة ذكور و1200 حالة اناث». واوضح ان معدلات انتشار سرطانات الثدي والدم والغدة الليمفاوية عند النساء كانت الاكثر ارتفاعاً كما ان سرطانات الرئة والشعب الهوائية والغدة الليمفاوية كانت الاكثر انتشاراً عند الرجال». وقال الدكتور محمود فكري الوكيل المساعد لشئون الطب الوقائي ان وزارة الصحة قامت بانشاء مركز الكشف المبكر عن سرطان الثدي في أبوظبي كما تم انشاء مراكز مماثلة في مختلف مناطق الدولة، مشيراً في هذا الصدد الى ان سرطان الثدي يشكل 20% من جميع انواع السرطان بين الاناث وحوالي 11% من جميع انواع السرطان المسجلة في الدولة. واضاف ان الوزارة تقوم بالاضافة الى اجراء الفحص الدوري واخذ عينات من السيدات المراجعات للمراكز الصحية والمستشفيات بالكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم وهناك خطة لاجراء الفحص الدوري للكشف عن سرطان البروستاتا والقولون والمعدة والمريء وذلك لارتفاع نسبة الاصابة بهذه الامراض في الدولة. اما بالنسبة لسرطان الرئة فإن جهود الوزارة تتركز بشكل اكبر على الوقاية منه عبر مكافحة التدخين الذي تؤكد التقارير الطبية انه السبب الرئيسي، واضاف ان الوزارة تقوم بتنفيذ برنامج متكامل لمكافحة السرطان يقوم على التوعية بالتعاون مع وسائل الاعلام المختلفة والتوسع في عقد الملتقيات العلمية، مع اعداد الدراسات والمسوح التي تمكن من الكشف عن المرض والوقوف على حجم الاصابة الفعلية حتى يتم اعداد الخطط العلاجية وفقاً للأسس العلمية. وقال الدكتور محمود فكري «ان طرق علاج المرض بالدولة سواء بالاساليب الجراحية المتوفرة في المستشفيات الرئيسية او بالأدوية الكيماوية او الاشعة المتوفرة في مستشفيات المفرق ودبي وتوام تتميز بمواكبتها لأحدث الأساليب العلاجية الامر الذي ساهم في حصول هذه المستشفيات على سمعة عالمية مرموقة. ازدياد مضطرد وقال الدكتور عبدالرزاق المدني مدير مستشفى دبي للأسف نسبة الاصابة بالامراض السرطانية في الدولة بشكل عام والامارات الشمالية بشكل خاص هي في ازدياد مضطرد وهذا ما نلحظه من اعداد المصابين المسجلة لدينا. وارجع الدكتور المدني اسباب هذه الزيادة الى ارتفاع متوسط العمل المتوقع وأزدياد تأثير العوامل البيئية الضارة كالتلوث الناتج عن الاستعمال للمبيدات والاسمدة والتدخين وكذلك نتيجة لتغير الانماط الغذائية كالإكثار من استهلاك اللحوم والدهون والوجبات السريعة والاعتماد على المواد الغذائية المجمدة التي تحتوي على مواد حافظة.. وأضاف أن قسم الأمراض السرطانية الذي تم افتتاحه في مستشفى دبي في بداية الثمانينيات يملك قدرة على التعامل مع معظم الحالات السرطانية مشيرا بهذا الصدد الى ان نسبة المرضى الذين يتم ارسالهم للخارج الآن اصبحت محدودة جدا مقارنة مع ما كان عليه الحال في السابق الأمر الذي وفر على الدائرة والحكومة وكذلك المرضى انفسهم مبالغ كبيرة يتم استغلالها واستثمارها في شراء اجهزة جديدة متطورة أو في اعمال التوسعة. وقال الدكتور المدني بأن هناك خطة لدى مجلس ادارة دائرة الصحة والخدمات الطبية لافتتاح مركز متطور في دبي لعلاج الأمراض السرطانية مشيرا الى ان هناك دراسة مازالت قيد البحث لانشاء هذا المركز، موضحاً بأن الأمر الآن يتوقف على النتائج والتوصيات التي ستنتج عن هذه الدراسة، اضافة الى ان هناك خططا مستقبلية. واشار الدكتور المدني إلى ان قسم الأمراض السرطانية اصبح يعاني الآن من ضغط شديد وذلك لكونه الوحيد في دبي والامارات الشمالية الذي يوفر العلاج لمعظم الامراض السرطانية والتي ازدادت نسبتها بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية مقارنة بما كان عليه الحال قبل عدة سنوات. ويقول الدكتور محمد عباس العلي رئيس قسم امراض الأورام بمستشفى راشد ان الامراض السرطانية سواء كان ذلك على مستوى المواطنين ام المقيمين هي في تزايد مضطرد بالفعل، والارقام المتوفرة لدينا مقلقة لا بل ومقلقة للغاية. للأسف بعض المرضى المواطنين من الامارات الشمالية يذهبون لتلقي العلاج في ابوظبي والعين وبعد فترة يأتي للتسجيل عندنا باعتبارنا اقرب بالنسبة له، وبهذه الحالة يغير الطبيب ويتوقف عن العلاج لفترة لان احضار التقرير عن حالته والجرعات الدوائية وما الى غير ذلك من المستشفى يستغرق بعض الوقت لذلك لا بد من تنظيم مثل هذه الأمور حتى يكون بامكاني علاج المريض بطريقة صحيحة. نحن كمستشفى لا يمكن ان نرفض ولا نرفض اي حالة ولكن ما ننصح به المرضى هو ضرورة مواصلة العلاج بنفس المكان الذي بدأ به العلاج من البداية لان التوقف عن العلاج وتغيير الطبيب المعالج قد يكون احيانا في غير صالح المريض. ويضيف علاوة على ذلك فإن بعض المرضى يترددون للعلاج على المستشفيات الخاصة وهذه المستشفيات لحظة اكتشافها ان المريض اصبح غير قادر على دفع فاتورة العلاج تقوم بالاتصال بنا لكي نرسل سيارة الاسعاف لتقل المريض للمستشفى!!. ويقول الادهى والأمر ان بعض المرضى يذهبون لتلقي العلاج في مراكز غير معروفة ويعطونهم ادوية ما انزل الله بها من سلطان ويأتون الى المستشفى ويصرون على اعطائهم نفس الادوية علما بأنها غير صحيحة لذلك نحن نطالب بل ونناشد المواطنين قبل الذهاب للخارج للعلاج الاستفسار من دائرة الصحة او من وزارة الصحة عن المراكز الجيدة بدلا من الذهاب بطرق عشوائية. وحول عدد الاسرة الموجودة في قسم الاورام يقول الدكتور محمد عباس الهلي لدينا حوالي 15 سريرا للرجال و12 للاطفال والنساء ويوميا لدينا ستة مرضى في قسم النساء وأربعة الى خمسة في قسم الرجال. بعض الحالات تأخذ جرعات الادوية وتخرج بنفس اليوم ولكن هناك حالات قد تبقى في القسم لفترة وفي حالة مبيت عدد كبير من المرضى تصبح امكانية اعطاء الآخرين الجرعات الكيماوية معدومة. وحول اعداد المرضى المسجلين بالمستشفى يقول «لدينا بالتأكيد احصائيات كاملة ولكنها قد لا تحضرني الآن، ولكن ما اود ان اقوله هو ان نسبة الاصابة بالمرض في الدولة تعتبر بالنسبة لي مقلقة لا بل ومقلقة جدا مقارنة بتعداد السكان، نحن كدولة حديثة يجب ان يكون لدينا نظام متكامل للاكتشاف المبكر لامراض السرطان من خلال برنامج قومي لفحص المواطنين ومعرفة التاريخ العائلي وكذلك الاماكن التي تزداد فيها نسبة الاصابة، وقد سبق وطالبنا منذ عدة سنوات بضرورة القيام بمسح شامل لهذه الامراض في كافة مناطق الدولة. ربما ينظر البعض الى ان الموضوع يحتاج الى ميزانية خاصة وأطباء وسكرتارية وهذه بطبيعة الحال مكلفة، ولكن لا يمكن لنا السيطرة على المرض اذا لم يكن لدينا احصائيات وبيانات كاملة عن تاريخ العائلة والاماكن التي تكثر فيها نسبة الاصابة والوقوف على مسببات المرض. وقال ان اجراء هذا المسح يتطلب التعاون والتنسيق بين وزارة الصحة ودائرة الصحة والخدمات الطبية بحيث يتم توزيع المناطق بين الطرفين ولكن شريطة ان يكون هناك برنامج موحد. نسبة الشفاء وحول اكثر الامراض السرطانية المسجلة بالمستشفى قال بالنسبة للكبار سرطان الثدي والمبايض والقولون والرئة والمعدة، اما بالنسبة للاطفال فهو اللوكيميا. اما بالنسبة للشفاء فيعتمد طبعا على الحالة فالبنسية للحالات غير المتقدمة نسبة كبيرة جدا خاصة في الصدر وأمراض اللوكيميا عند الاطفال اذا كان الطفل صغيرا، وحتى سرطان البنكرياس والمعدة اذا تم اكتشافه في مرحلة غير متقدمة وهذا يعتمد على علم الانسجة. وطالب الدكتور محمد عباس العلي بضرورة اعادة النظر بنظام البطاقة الصحية وتطبيق نظام التأمين الصحي على الوافدين لان المواطن يعالج سواء كان لديه بطاقة صحية ام لا، وهذا حق كفله له دستور الدولة. وقال انه من غير المعقول ان يكون قيمة البطاقة الصحية في السنة ثلاثمئة درهم في حين ان الحقنة الواحدة التي يتناولها المريض في القسم اربعة آلاف درهم ومنها ما يصل الى سبعة آلاف درهم ناهيك عن الادوية الاخرى والتحاليل وصور الاشعة والعلاجات المكملة مثل الكيماوي وغيره. وأوضح ان جميع الادوية التي يتم اعطاؤها للمرضى داخل المستشفى هي مجانية اما الادوية التي تكتب للمريض فيقوم بشرائها بنفسه من الصيدليات وهذا مكلف جدا ومن هنا نحن نقول بأنه لابد من تطبيق نظام التأمين الصحي للوافدين لانه سيكون افضل بالنسبة لهم وأفضل للدولة بنفس الوقت. وقال انه في حالة تطبيق التأمين الصحي يمكن عندها ان تترك المستشفيات الحكومية للمواطنين ويترك القطاع الخاص للوافدين. وقال ان مسئولية التأمين على الموظفين والعمال تقع على اصحاب الشركات والجهات التي يعملون بها، وهذا متعارف عليه في كل دول العالم، وهذا النظام في حالة تطبيقه سيخفف عن الدولة اعباء مادية كبيرة وسيقلل من العمالة الموجودة بلا مبررات، لان من لا يملك التأمين لا يعالج ومن ليس لديه القدرة على تأمين افراد الاسرة سيترك. تحقيق: عماد عبدالحميد
يعانون من طول المسافة لأبوظبي وقوائم الانتظار بمستشفى دبي، مرضى السرطان بالامارات الشمالية يبحثون عن حل
