السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 شاركت جامعة زايد في المؤتمر الثقافي الخامس لقضايا التراث العربي الذي نظمته مؤخراً بالقاهرة الهيئة العامة المشتركة لخدمة التراث بمعهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية وجاء تحت عنوان «تراث العرب وآفاقه المستقبلية». وقال الدكتور عادل جمال سليمان، رئيس مركز اللغة العربية، بجامعة زايد والذي شارك بالمؤتمر تلبية لدعوة المعهد ان فعاليات المؤتمر استمرت لمدة يومين وشهد حضوراً كبيراً من أساتذة الفكر وكبار المثقفين العرب إلى جانب الباحثين والمهتمين والمعنيين بشئون التراث الإسلامي والعربي والقضايا الثقافية وتناولت عدة محاور من بينها: صورة التراث العربي المخطوط في البلدان العربية وجهود خدمته في بعض الجامعات والمؤسسات المعنية به، قضية نشر التراث بين التحقيق العلمي المنضبط، والتفريط الذي يسيء إلى هذا التراث، ويشوهه، بالإضافة إلى زاوية أخرى، هي التوزع بين الوعاء التقليدي (النشر الورقي) والوعاء المستقبلي (النشر الإلكتروني) والعلاقة التي ستكون بين هذه الأوعية، التعاون بين مراكز التراث الرسمية والخاصة: الواقع الحالي والآفاق المأمولة لخدمة التراث وتكامل الجهود وتعاضدها، وضع مخطط لتأسيس علم مخطوطات عربي، من خلال تلمس الإشارات التراثية في المصادر القديمة، والإفادة من التجربة الغربية في هذا الصدد، والتعرف على نظرة الآخر لتراثنا العلمي، وتوضيح النقاط الباهتة أو الغامضة، ومساعدة هذا الآخر في الاحتفاء والاحتفال بهذا التراث. وتم مناقشة هذه المحاور في تسع جلسات شارك فيها علماء من دولة الإمارات (دبي)، الكويت والسعودية، والمغرب، ومصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان وموريتانيا والسودان، ومؤسسة الفرقان في لندن. وقام الدكتور عادل سليمان جمال بالتعقيب على بحث الدكتور ناصر بن حمد الدخيل وعنوانه نشر التراث بين التحقيق والتجارة، وراجعه في قول شائع وخاطئ، وهو أن المستشرقين كانوا أول من حققوا كتب تراثنا بمنهج علمي دقيق أخذناه نحن العرب عنهم بعدُ. فقد أوضح الدكتور جمال أن أسلافنا قد عرفوا فن التحقيق بما في ذلك من جمع نسخ الكتاب (المخطوط) الواحد ومقابلتها ومعارضتها وتوثيقها، حتى ليقول الأخنش إذا نسخ الكتاب ولم يقابل، ثم نسخ ولم يقابل، خرج أعجميا، وقد قعّد العلماء العرب القدامى لهذا الفن، ويكفي أن ننظر في الحدث الفاضل للرامهرمزي (توفي 360ه)، ومقدمة ابن الصلاح أو في كتب الخطيب البغدادي الثلاثة: تقييد العِلْم، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الكفاية في علم الرواية لنرى مصداق ذلك. وتعتبر مقدمة عبد القادر البغدادي لكتابه خزانة الأدب نموذجا للتحقيق العلمي الدقيق، وفرق كبير أن نقول إن المستشرقين كانوا أول من بدؤا بتحقيق كتب تراثنا في العصر الحديث على أسس علمية، وبين أن نقول أنهم أول من ابتدعوا مناهج التحقيق. وعقب رئيس مركز اللغة العربي على بحث الدكتور عباس صالح طاشقندي بعنوان واقع النشر التراثي. ورأى أن القسم الأول من البحث ـ الذي يعالج واقع نشر التراث حتى منتصف العقد الثامن من القرن الماضي واعتمد فيه الدكتور طاشقندي على كتاب الدكتور الطناحي رحمه الله ـ فيه نقص كان يجب على الدكتور طاشقندي أن يستدركه على الدكتور الطناحي في موضعين، أما أولهما فقد أهمل الدكتور الطناحي في كلامه عن أكابر الناشرين بعض المطابع التي كان لها أثر واسع في نشر كتب التراث، مثل مطبعة الجوائب ومطبعة دائرة المعارف العثمانية، كما أن الدكتور الطناحي اعتبر الشيخ محيي الدين عبد الحميد رحمه الله في الناشرين، وليس بناشر. وأما ثانيهما فعدم الإشارة إلى أعلام المحققين العرب كالأستاذ محمد كرد علي، والدكتور سامي الرهان، والدكتور شكري فيصل، ومحمد بن تاويت الطنجي، والأستاذ حسن حسني عبد الوهاب ومصطفى جواد، والدكتور نور القيسي، والدكتور حاتم صالح الضامن وغيرهم. وأشار إلى أن القسم الثاني من بحث الدكتور طاشقندي يعالج واقع نشر التراث من منتصف القرن الماضي إلى الآن. وقد لاحظ الدكتور عادل جمال أن في البحث تناقضا، فبينما يفتتح هذا القسم بقوله إن واقع نشر التراث واقع أليم ويعاني من إخفاقات كثيرة وكبيرة، يعود فيقرر: لعلنا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن حركة النشر التراثي قد تراجعت من حيث الكم أو الوسائل الوعائية، ويضرب مثلا بما قامت بنشره المملكة العربية السعودية مما يدل على ازدهار حركة تحقيق التراث ونشره. وحتى في هذا الجانب المضيء. يذكر أن الهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي عقد اجتماعاً على هامش المؤتمر ناقشت فيه العمل على تحقيق مجموعة من الأهداف لخدمة التراث منها: رصد الجهود التي تقوم لخدمته فيها، للتعريف بها، وتحقيق التكامل العربي في هذا المجال، استعراض مشكلات نشر التراث، سواء من الناحية العلمية البحتة، أو من ناحية وجود أوعية جديدة (غير الورق) للنشر، وبيان أبعاد العلاقة المتوقعة بين الأوعية التقليدية والحديثة، التعرف بصورة أوسع وأدق على أوضاع التراث العربي المخطوط في فلسطين، وعن فلسطين، وذلك بهدف تركيز الجهود لإعداد خطة شاملة لإنقاذ هذا التراث، والتعريف به وتوظيفه لخدمة قضية الأرض والناس، وضع الخطط اللازمة لتوثيق الصلات وتوطيدها وضبطها بين مراكز التراث الوطنية (الرسمية) والخاصة، والوصول بهذه الصلات إلى أبعد مدى، ومواصلة الجهود في مجال التعريف بتراثنا العلمي ومساعدة الآخر في الاحتفال به وتقديره والاعتراف بدوره في مسيرة العلم الإنساني.
