الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 كان ميلاد المدارس الاهلية الخيرية عام 1983 في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حيث قصرت توجيهات مجلس الوزراء في ذلك الحين قبول الطلاب في المدارس الحكومية على ابناء العاملين في الحكومة الاتحادية والدوائر المحلية في امارات الدولة، وهو ما اخذت به وزارة التربية والتعليم وطبقته من خلال لائحة القيد والقبول التي صدرت في ذلك الوقت. وادراكا من الخيرين في هذا البلد المعطاء بأهمية تيسير الحصول على التعليم في الدولة، قام مجلس آباء منطقة دبي التعليمية برئاسة جمعة الماجد بافتتاح المدارس الاهلية الخيرية لمساعدة الفئات محدودة الدخل التي تعمل في القطاع الخاص ولا تتحمل تكاليف الدراسة في المدارس الخاصة وفي ذلك الوقت تم استخدام مباني مدرستين من مدارس وزارة التربية والتعليم في دبي، وكانتا نواة ميلاد المدارس الاهلية منذ ديسمبر عام 1983 وانتدب للتدريس في بداية تأسيس هذه المدارس مدرسون بمكافآت مالية فقط ومع تطور المدارس الاهلية الخيرية واهمية خدمتها للمجتمع بفئاته المختلفة ومع الدعم المعنوي والمادي لمؤسس هذه المدارس جمعة الماجد فقد تبلورت فلسفة المدارس في ثلاثة مفاهيم كلية تتحكم في سيرة المدارس هي التوسع والتنوع والشمولية وبالفعل استطاعت المدارس الاهلية الخيرية فرض اسمها بقوة في ساحة التعليم، لاسيما انها استطاعت من خلال نظامها الدراسي الصباحي والمسائي توفير فرصة التعليم لمن تدفعهم الحاجة والعوز الى حرمان ابنائهم من استكمال دراستهم والحصول على حقهم الطبيعي في حياة كريمة مستقرة. هذا التحقيق يسلط الضوء على نظام التدريس المسائي وفرص التعليم التي توفرها المدارس الخيرية لشريحة كبيرة من ذوي الدخل المحدود. حاجة ملحة يقول حسام الخطيب مدير المدرسة الاهلية الخيرية فرع عجمان: جاء افتتاح الفرع الثاني لهذه المدارس في امارة عجمان بعد دبي نتيجة للضغط الشديد الذي تعانيه المدرسة في الفرع الرئيسي، ولرؤية المسئولين واصحاب القرار الحاجة الملحة لوجود فرع آخر تم اختياره منذ تسع سنوات ليكون في امارة عجمان. وتمتد خدمة المدارس على من هم في سن التعليم من الصف الاول الابتدائي الى الصف الثالث الثانوي بفرعيه العلمي والادبي لاعطاء جميع الفئات حقها الطبيعي في التعلم وفق متطلبات وزارة التربية والتعليم ووفقاً لبيانات دخل الاسرة وعدد أولادها، ودرجات الطالب، وتعطى الاولوية لمن هم اكثر حاجة واقل دخلاً. واضاف الخطيب يؤلمنا عدم قبول جميع المتقدمين وبقاء ما يزيد على 85 طالباً وطالبة على لائحة الانتظار خلال العام الدراسي الحالي، الامر الذي دفعنا الى السعي والعمل لتوسيع فرع المدرسة هنا ليشمل المرحلة الثانوية وبالتالي فرصة قبول عدد اكبر من الطلبة. وحول اقساط المدرسة اشار الخطيب الى ان المدرسة تهدف بشكل اساسي الى اعداد المواطن لصالح وتحقيق النمو الشامل دينيا وعقلياً وجسدياً ووجدانياً فلا غرو ان تكون اقساط الدراسة شبه مجانية ففي الوقت الذي يدفع فيه طلبة المراحل الابتدائية الدنيا 1100 درهم سنويا، والمرحلة الابتدائية العليا 1300 درهم يدفع طلبة المرحلة الاعدادية 1600 درهم، موضحاً ان هذه الاقساط قلما يتم تحصيلها من اولياء امور الطلبة حيث يتم اعفاء الكثيرين منهم ويدرسون بشكل مجاني تماماً. كوادر مؤهلة وأوضح الخطيب ان المدرسة مؤلفة من 28 شعبة للطلاب والطالبات حيث يبدأ اليوم الدراسي الساعة الرابعة عصراً ويستمر حتى التاسعة والنصف مساءً بواقع 40 دقيقة للحصة، ويسمح للطلبة بأخذ قسط من الراحة مدته خمس عشرة دقيقة. وعن الهيئة التدريسية اكد الخطيب ان مدرسي الفترة الصباحية هم ذاتهم الذين يقومون بتدريس طلبة المسائي نظير راتب مقطوع ومن خلال تنسيق البرنامج الدراسي. ومن جانبه يشير خالد عوض الله مدرس لغة عربية الى تأقلم طلبة الفترة المسائية واستيعابهم للظروف التي دفعت اسرهم لالحاقهم بهذه المدارس مضيفاً ان احساس الطلبة ومعنوياتهم رائعة لاسيما ان التعليم واحد ولا يختلف في مضمونه واهدافه، وبالعكس فإن البعض من طلبتنا يفضلون هذا النظام ويرفضون العودة الى الفترة الصباحية لو سنحت لهم الفرصة. فكرة عبقرية ويشيد عوض الله بهذا النظام الذي يمنح كل فرد حقه في التعلم.. وأخذ فرصته كاملة في الحياة، ففي الوقت الذي تتسارع فيه التطورات العلمية والتكنولوجية يصعب على البعض العيش والتأقلم دون دراسة واعتقد ان المدارس المسائية بلسم شاف وفكرة عبقرية وفرت على المجتمع عناء تحمل شريحته من غير المتعلمين. ويقول منذر عبدالكريم مدرس لغة انجليزية: نحاول من وقت لآخر شحذ عزيمة الطلبة وتشجيعهم على المضي قدماً فالفرصة التي بين ايديهم لم يتمكن من الحصول عليها الكثيرون الذين حرموا من استكمال دراستهم وقد يكون فيهم المبدع والمتفوق لكنه ـ لسوء الطالع ـ لم يجد من يأخذ بيده. ويتابع: نحن نحاول من خلال فترة الدوام التي لا تتجاوز أربع ساعات شرح أكبر قسط من المنهاج بطريقة سلسة تمكنهم من الفهم والاستيعاب السليمين وبالنسبة لنا كمدرسين نعمل خلال الفترتين قد نشعر بالارهاق الا ان ما نراه من الطلبة وتميزهم يملأ قلوبنا بالفرح ويدفعنا للعمل يداً بيد مع هؤلاء الذين شيدوا الصروح العلمية وفتحوا ابوابها لطالبي العلم ولا يسعنا سوى تثمين هذه الخطوة ومباركتها لما لها من اثر كبير على المجتمع ككل. وتمنى عبدالكريم مزيداً من الاهتمام والمتابعة من قبل ذويهم اذ لاحظنا ان اهتمام الاسر بطلبة الفترة المسائية ليس بالمستوى المطلوب، والمتابعة الحثيثة مهمة للغاية في حياة الطالب ونفسيته. ويشيد ناصر شنيكات مدرس لغة عربية بالمدرسة الأهلية الخيرية التي تسعى من خلال مبانيها الى تخريج جيل واع مثقف لا يبخل في العطاء لهذه الارض المعطاءة ولمواكبة العلم وتقنياته بما يخدم الوطن ويرفع من شأنه. تقنيات متطورة ويوضح شنيكات ان الطالب هو محور العملية التربوية وما يمر به من مواقف تعليمية يساعد على بناء شخصيته وتنمية قدراته ومهاراته الأساسية فقد حرصت المدرسة لدينا على استخدام الوسائل والأساليب التربوية الملائمة والكفيلة بتحقيق الأهداف المرجوة من كل موقف تعليمي واستثمار زمن الحصة الصفية الى اقصى حد ممكن واغناء مواقف التعليم والتعلم بالخبرات العملية الحية وبالطرق الحديثة وباستخدام التقنيات المتطورة. وعلى الرغم من افتقار الطلبة للعلاقات الاجتماعية الوطيدة في هذه المدارس الا أنهم يشيدون بها وبإتاحتها الفرصة لذوي الدخل المحدود لاستكمال دراستهم والولوج في ميدان العمل بقوة وثقة. ويرى الطالب نادر ماهر في الصف الثاني الاعدادي وهو من اوائل المدرسة ان وقت الدراسة ليس هو المهم، بل المهم هو تحقيق الهدف والتعلم وانا على استعداد ان اتواجد في المدرسة بأي وقت كان، المهم ان اصبح عضواً فاعلاً في مجتمعي واعتقد ان الطلبة شأنهم شأني اعتادوا الدراسة مع حلول الليل واذا عادوا الى الدراسة الصباحية قد يواجهون مشكلة في التأقلم مرة اخرى. صداقات مفقودة ومن جانبه يقول الطالب احمد ناهض: التحقت بالمدارس الأصلية الخيرية منذ خمس سنوات لمست خلالها تميزاً في طرق التدريس والتعامل ولا أجد فرقاً بيننا وبين المدارس الاخرى سوى بالتوقيت وافتقارنا للصداقات الكثيرة. احمد طارق الاول على صفه ويسعى لأن يحرز معدلاً عالياً في الثانوية العامة ليحظى بمنحة شاملة تخوله للدراسة في احدى الجامعات في الدولة ويشيد احمد طارق بالمدرسة والفرصة التي منحتها للطلبة المعوزين. وتعتقد ريم خالد في الصف الثاني الاعدادي ان الدراسة المسائية افضل اذ تتيح للطالب القيام بواجباته البيتية من خلال الفترة الصباحية مشيرة الى رفضها العودة الى النظام الصباحي بعد ان ادركت مزايا الدراسة المسائية. نظرة قاسية وتلفت صبا خالد الانتباه الى نظرة طلبة الفترة الصباحية الى من هم في المدارس المسائية باعتبارهم من ابناء الفقراء والمحتاجين وتشير الى ان هذه الجزئية هي الاكثر ايلاماً في المسألة برمتها. وتشيد صفاء ثائر ام لطفلين يتيمين بنظام الدراسة المسائية مشيرة الى ان وضعها المادي لا يسمح بإلحاق طفليها بالمدارس الخاصة اذ تفوق تكلفتها الراتب الذي تتقاضاه نظير عملها لساعات طوال. ومن جانبه يؤكد احمد ابراهيم حسان ان حادثاً مرورياً اقعده عن العمل وجعل دخله ضعيفاً الامر الذي دفعه لنقل ابنه الى مدرسة مسائية ويقول لولا وجود الأهلية الخيرية لمت حسرة وانا ارى مستقبل ابني يضيع امامي وانا بلا حول ولا قوة. وتؤكد الاخصائية النفسية عائشة حمد ان الحالة الاقتصادية بشكل عام هي حالة من العجز المادي تحول بين الفرد وتكيفه وفي العلاقات بين افراد الاسرة نجد ان الحالة الاقتصادية قد تمزق اواصر المحبة بينهم وتجد القرآن الكريم يسجل حقيقة تاريخية مأساوية هي ان بعض الآباء قتلوا اولادهم وفلذات اكبادهم تحت وطأة الحالة الاقتصادية او خشية العجز المتوقع فلا عجب ان انكرها القرآن اشد الانكار، فالاسلام بهذا يعترف بأثر العوامل الاقتصادية في السلوك البشري وبالتالي تبرز هنا أهمية الرعاية النفسية والاجتماعية في محاولة لاشباع حاجات الطلبة من ذوي الحالات الاقتصادية المتدنية. وعلى مستوى الطالب فإذا كان المستوى المادي اقل من اقرانه كان لذلك اكبر الأثر على الجانب النفسي والفكري له وكما يروى عن الامام ابي حنيفة انه قال: «لا تستشر من ليس في بيته دقيق» علينا التعامل مع هذه الفئة الطلبة بصورة خاصة حتى نكسبهم ويكونوا جنوداً مخلصين للوطن والأمة الاسلامية. وثمن محمد محمود الكوهجي من دائرة أوقاف دبي المشاريع الخيرة التي تستهدف صلاح ورفعة شأن الأمة مؤكداً ان كل شخص يخصص وقفاً معيناً ينفق من خلاله على الطلاب او غيرهم من المحتاجين فإنها تدخل شرعاً في نطاق الصدقة الجارية وافتتاح المؤسسات التعليمية الخيرية مثل كلية الدراسات الاسلامية وتبقى اجراً يحتسب لصاحب الهبة حتى بعد وفاته. تحقيق: نورا الامير