الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 الفن كما ألفناه يشكل مظهراً من مظاهر حضارة الأمة ونمطاً من انماط ثقافتها وفكرها ولا غرو ان التربية الفنية بأدواتها لاتشكل اساساً لكل تربية وثقافة عامة فحسب بل ليس في الامكان لأي موضوع اخر ان يسد مسد الدور العظيم الذي يلعبه الفن في توجيه المشاعر والارتقاء بها. والفن بذلك يعد وسيلة مهمة وهادفة نحو خلق مفهوم التذوق الفني والتقدير الجمالي الذي اصبح الاحساس به من اهم الغايات التي تضعها المجتمعات في حساباتها ولعل التاريخ والفلسفة شاهدين على ذلك على مر العصور. ولكن وعلى الرغم مما يؤديه الفن من دور بالغ والتربية الفنية وما قضي لها من مكانة الا ان ـ وزارة التربية ـ لها رأي اخر حيث قلصت المساحة الزمنية للمادة الى حصة واحدة لاسيما في المرحلتين الابتدائية العليا والاعدادية وغيبتها في المرحلة الثانوية. واذا كنا ننادي بضرورة اعادة النظر فيمايتعلق من تقليص وتهميش لها بعيداً عن الرؤى التي تم طرحها ولم تجد الا اننا نؤمن بأن حصة واحدة لا تكفي ـ ومعها يجب استكمال دراسة المادة في المرحلة الثانوية الى جانب تخصيص نواد فنية تتوافر فيها المواد والادوات اللازمة لانجاحها. فهل من وقفة نعيد فيها النظر لصالح مواهبنا الواعدة من طلابنا وطالباتنا بمختلف مراحل مدارسنا؟ في رأى عبدالرحيم سالم رئيس قسم الانشطة الفنية بوزارة التربية والتعليم ان تقليص حصتي مادة التربية الفنية يرجع الى رؤية الوزارة لافتاً الى ان وكيل التربية المساعد للأنشطة والرعاية الطلابية دعا الى اعادةالنظر في نصابها مشيراً الى ان دعوته لم تكن من فراغ ولكن نتيجة طبيعية لمكانة المادة، فحصة واحدة لا تكفي لتنفيذ نشاط فني داخل الفصل الدراسي علاوة على ما يتطلبه المنهاج والنشاط اللاصفي والمسابقات الخاصة بها. وأوضح سالم ان اشكالية الحصة الواحدة تساعد في تسرب الطلاب وبالتالي ينصرفون عن الاهتمام بالمادة منوهاً بافتتاح كليات متخصصة بالدولة لدراسة الفنون ومطالباً بضرورة ان يكون هناك اتصال بين ما يقدم في مدارسنا وما يدرس في هذه الكليات مؤكداً ان حصة واحدة للتربية الفنية في الاسبوع لاتكفي لاستمرارية الجانب المعرفي لدى الطلبة واشباع رغباتهم الفنية. وتساءل: هل وزارة التربية لديها قناعة بأن التربية الفنية ـ كمادة لها دور فاعل في الارتقاء بأداء الطالب؟ لافتاً الى ان هناك حلقة مفقودة بين المناهج والنشاط الفني مطالباً باعادة النظر والالتفات بعين الاعتبار للتربية الفنية وحصتها الوحيدة. ويؤكد سالم ان وزارة التربية والتعليم شكلت لجنة لاعادة النظر في مناهج التربية الفنية معتبراً ذلك امراً جيداً من شأنه ان ينعكس ايجابا على المادة بشكل عام. وحول تفعيل التربية الفنية في ضوء ذلك اشار رئيس قسم الانشطة الفنية الى ان الانشطة والرعاية الطلابية بصدد تشكيل اندية متخصصة في كل منطقة تعليمية يكمن دورها في استقطاب كوادر فنية وتدريبها وصقلها بشكل مستمر الى جانب تفعيل النشاط الفردي على مستوى المناطق اضافة الى ابتعاث مجموعة فنية متميزة من المعلمين والمعلمات المواطنين خارج الدولة للالتحاق بدورات تدريبية ذات تكنيك عال للاستفادة منها في الميدان التربوي. اشكالية خطيرة وفي السياق نفسه يؤكد الفنان التشكيلي ياسر دويك ان تقليص حصتي التربية الفنية الى حصة واحدة سبب اشكالية خطيرة للمعلم والادارة على حد سواء وفي الوقت نفسه مثلت الانشطة اللاصفية عبئاً على كاهل معلم التربية الفنية وبالتالي انعكست تلك الاشكالية على الطالب والمادة حيث اصبح المعلم يتجه الى تلبية رغبات ادارة مدرسته ومنطقته لتغطية الانشطة المطلوبة منه. والى جانب ذلك فالمساحة الزمنية التي اعطيت لتلاميذ المرحلة الابتدائية العليا وطلاب المرحلة الاعدادية لا تكفي مطلقاً للانجاز الفني واطلاق عملية التذوق لديهم لافتاً الى ان التربية الفنية كمادة نسبتها العملية كممارسة عالية جداً منهجياً وبالتالي تتطلب وقتاً لتحقيق اهدافها وتطلعاتها. واستطرد دويك قائلاً: ان التربية مع الاسف لم تطرح بديلاً مطلقاً لتعويض هذا التقليص داعياً الى تخصيص نواد فنية تتوافر فيها الموارد والادوات اللازمة لانجاحها والاهتمام بالمبدعين من الطلبة وتلبية احتياجاتهم الفنية ورغباتهم مطالباً باعادة النظر في تقليص الحصة الواحدة. مركز للابداع وعن الحصة التي غابت وكانت ملازمة للتي لا تكفي يؤكد صالح سيد محمد موجه التربية الفنية بتعليمية دبي ان الطموح كان ولايزال ان تعود تلك الحصة ادراجها مرة اخرى لتعم الاستفادة من الخبرات والمهارات الفنية المقصودة لاكساب المتعلمين خبرات كاملة دون نقصان لافتاً الى اهمية تدريس التربية الفنية كمادة تعنى بتنمية الذوق الفني والحس الجمالي للطالب والتربية المقصودة عن طريق الفن لتشير بالبنان الى اصحاب المواهب الواعدة وذوي القدرات الابداعية متمثلة في عدد منهم التقطتها عين الفنان الفاحصة الكامنة في اسرة تدريس المادة التي تضع على كاهلها اهمية توفير المناخ المناسب لتنمية تلك المواهب الواعدة ووضعها على الطريق الصحيح ومن هنا جاءت اهمية ان تتواصل سيرة العطاء من خلال اتاحة الفرص لاستكمال دراسة التربية الفنية في المرحلة الثانوية امتداداً مناسباً وجسراً تعبر من خلاله تلك الانامل الواعدة الى كليات الفنون المتخصصة تنمية لتلك المواهب وتقديم فنانين تشكيليين تفخر بهم دولتهم والذين يعدون اضافة لفنانيها في هذا الجانب الذي انشئت من خلاله جمعية الامارات للفنون التشكيلية لترعى الحركة الفنية في البلاد وتنبش في تلك الارض الطيبة عن اصل الفنان العاشق لذلك التراب والذي تأتي اعماله لتجسد تلك المعاني. وفي سياق ذي صلة اشار صالح سيد الى ان الزمن المتاح لحصة التربية الفنية الواحدة والذي لا يتجاوز الدقائق الخمس والاربعين يضيع جزء منه ليس قليلاً بين الاعداد والتهيئة ليتبقى منه ما لايكفي لممارسات المتعلمين الفنية انتظاراً لاستكمال الخطوات في مقابلات لاحقة مشيراً الى ان المقابلة الواحدة كانت تجمع الحصتين معاً لتوفر من الوقت ما يمكن المعلم من اكساب المتعلمين خبرات متكاملة فيما يطرح من مجالات المادة الفنية لافتاً الى انه كانت هناك بعض الرؤى كمحاولة للتغلب على تلك المشكلة بتوفير يوم من ايام الاسبوع خاص بالنشاط المدرسي ولكن ذلك لم يعوض ايضاً الحصة الضائعة مؤكداً ان تصور تعليمية دبي في هذا الصدد جاءت من خلال توفيرمركز ابداع توفرت فيه من السبل ما يدعم ويوفر المناخ المناسب للموهوبين وممن لديهم الرغبة لممارسات فنية مختلفة لاستكمال خطى قد بدأوها في دراستهم وذلك كملتقى فني مناسب لافتاً الى ان ذلك كان احد الحلول ولكن.. الامل ما زال باقياً في عودة الحصة لتجتمع مع مثيلتها وطموحنا ان تستمر حصة التربية الفنية الى المرحلةالثانوية كامتداد مؤثر وفعال لامداد كليات الفنون باصحاب المواهب الواعدة. قلة نتاجات التعلم وعن الصعوبات التي تواجهها التربية الفنية من جراء الحصة الواحدة تشير سهام الهاجري موجهة التربية الفنية بتعليمية دبي الى انهاتتمثل في قصر مدة الحصة حيث يتبقى للجانب العملي منهاعشرون دقيقة لا اكثر لافتة الى انه وقت قصير جداً لو قورن بالوقت الذي لايحتاجه الطلاب للتفكير بالعمل المطلوب ثم البدء به اضافة الى عدم اكتراث كثير من الطلبة بالحصة لأنهم يعلمون انه لانتاج منها طالما انهاواحدة لافتة الى ان طلاب الصف الرابع حتى التاسع يطلب منهم موضوع فني يحتاج الى اربع حصص مما يسبب مللاً لديهم نتيجة لتتابع الموضوع فيفضلون نتيجة لذلك ان يقضوا وقت الحصة في المرح واللعب واللامبالاة في الحصة ويأتون بالموضوع جاهزاً في اخر مقابلة مكتملاً بالمنزل ويسلمونه لمعلمهم وكذلك صارت المادة مشتتة حيث ان الخبرة التي يأخذها الطالب في المقابلة الأولى يكون قد نسيها في المقابلة التالية ويضطر المعلم الى اعادة الخبرة مرة اخرى وهكذا، وايضاً قد لا يتعرف معلم المادة على طلابه الموهوبين خلال حصة واحدة مع صعوبة القيام بالمجالات الفنية الاخرى كالطباعة والتشكيل والتركيب والنسيج خلال نفس الحصة مشيرة الى ان ذلك ينعكس على قلة نتاجات التعلم خلال السنة حيث يقوم الطالب باخراج اربعة الى خمسة اعمال فنية فقط طوال العام الدراسي عكس ما كانت حصتين مقررتين. ودعت الهاجري الى ضرورة ان يكون هناك حصة نشاط اسبوعياً لرعاية الموهوبين من الطلبة حال بقاء الحصة الواحدة على حالها. ويتساءل محمد احمد عبدالكريم مدرس تربية فنية مستهلاً حديثه: هل استفاد الطلاب من حصة التربية الفنية الاخرى التي تحولت الى حصة مهارات؟ مجيباً بالنفي لافتاً الى ان وزارة التربية قامت بتكليف المدارس بتوزيع حصة المهارات على مدرسي العلوم وامناء المختبرات والمكتبات واللغة العربية لتدريسها وبالطبع لم تكن تدرس بل كانت كما يعطى للمدرس دون ان تعود على الطالب بالفائدة مستفسراً: هل استطاع الطالب الاستفادة والاستمتاع بحصة التربية الفنية الواحدة؟ مؤكداً ان الحصة اصبحت توزع بين احضار الطلاب وتوزيع الكراسات والخامات والادوات وشرح الدرس ثم القيام بالعمل لمدة خمس عشرة دقيقة ثم العودة لتجميع الادوات والكراسات وتجميع النتائج اذا كانت موجودة لأن الزمن لا يكفي موضحاً الى جانب ذلك ان المادة مطالبة بكثير من النشاط اللاصفي والمسابقات المتعددة ومطلوب من كل مدرس ان يشترك وباستمرار في كل المسابقات علماً بأن المتاح له حصة واحدة اسبوعياً والمفروض ان المسابقات تحتاج الى توجيه ورعاية الطلبة المتميزين فنياً. وتابع عبدالكريم متسائلاً: كيف لطالب يدرس مواضيع فنية الى نهاية المرحلة الاعدادية ثم ينقطع عن دراستها في المرحلة الثانوية ثم يتجه للدراسة باحدى كليات الفنون.. اين الاستعداد واين الموهبة التي توقفت واين معهما الحافز الذي يجعله يتجه لتلك الدراسة لافتاً الى انه اذا كانت وزارة التربية والتعليم مسئولة عن تخريج الاجيال من علماء وادباء وفنانين ومسئولة ايضاً عن وضع المناهج اللازمة لكل مادة، فهل رأت ان منهاج التربية الفنية وماتتطلبه من مسابقات وانشطة تكفيها كمادة وتشبع طلابها؟ ويؤكد خالد فيروز مدرس تربية فنية ان تخصيص حصة واحدة للتربية الفنية لا يخلق جواً فنياً او تهيئة للطلبة مشيراً الى ان البديل يتمثل في استرجاع الحصة الاخرى التي غابت على الاقل الى جانب الحصة الحالية حتى يتمكن المعلمون من اعداد الطلبة وتهيئتهم بالشكل المناسب للحصة. واوضح فيروز ان قسم النشاط والتوجيه الفني بمنطقة دبي التعليمية يحاولان تفعيل المادة من خلال مركز اطلق عليه «الابداع الفني» الى جانب تنظيم دورات متخصصة في مجالات فنية مختلفة مؤكداً ان تلك الفعاليات تعطي المادة زخماً للارتقاء بها ومحاولة لاعطاء الاهمية الاكبر لها وتغطية جانب من نشاطها. تحقيق: يحيى عطية