الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 في محاضرة بمركز زايد للتنسيق والمتابعة تحت عنوان «الأدب العبري والصراع الطائفي في إسرائيل» أكد الدكتور محمد أبو غدير استاذ الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية بكلية الدراسات الإنسانية - جامعة الأزهر.. أن قضية الصراع الطائفي في إسرائيل، أو ما يسمى بالفجوة الطائفية بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين تحظى باهتمام كبير على المستوى الحكومي والشعبي، فعلى المستوى الحكومي، حيث السيطرة لليهود الغربيين، تبذل دائماً محاولات لإخفاء الأبعاد الحقيقية لتلك المشكلة مع الإدعاء بأن إسرائيل هي البوتقة التي تصهر فيها كل الطوائف اليهودية التي تهاجر إليها، وعلى المستوى الشعبي مازالت الفجوة الطائفية تشكل أحد محاور الصراع الرئيسية بين اليهود الغربيين الذين يسيطرون على الوظائف العليا في الجهازين المدني والعسكري واليهود الشرقيين الذين يحتلون قاع المجتمع الإسرائيلي، وأوضح المحاضر أن الدوافع الأساسية التي تقف وراء هذا الصراع الطائفي هي دوافع عرقية ؛ فغالبية الذين لا يمتلكون هم من اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل من دول الشرق الأوسط والبلاد الإسلامية والإفريقية، واستقروا في إسرائيل في أفقر المناطق سواء في المدن الكبرى أو في قرى أقل تطوراً يطلق عليها اسم «قرى التنمية». وقد فجر هذا الوضع صراعات علنية وخفية بين الطوائف اليهودية وعمق مشاعر الظلم والتفرقة لدى اليهود الشرقيين، كما فند هذا الواقع أيضاً المزاعم التي ادعت بأن قيام دولة لليهود في فلسطين هو تطبيق للوعد المسيحاني للخلاص، وهو الوعد الذي يجئ في إطار التصور اليهودي العام للخلاص من حياة التفرق والشتات في العالم وتجميع اليهود في مكان واحد، هو فلسطين. هكذا بعد أكثر من مائة عام على تأسيس الحركة الصهيونية، التي ادعت أنها تسعى إلى حل المشكلة اليهودية في العالم وبعد أكثر من نصف قرن على إنشاء إسرائيل، فإن المجتمع اليهودي في إسرائيل أصبح ينقسم على نفسه بين مجموعتين سكنيتين إحداهما تحتل قمة المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وهي مجموعة اليهود الغربيين والأخرى تواجه ظروفاً أسوأ وهي مجموعة اليهود الشرقيين. وقال الدكتور أبو غدير إن الصراع الطائفي يترك الآن آثاره على العلاقات المتبادلة بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين، حتى أنه وصل إلى درجة لا مثيل لها من قبل مما حدا بإحدى الشخصيات اليهودية التي تنتمي إلى يهود الشرق إلى القول «بأن الحكومة الإسرائيلية تفرض أعباء شتى على الطبقات اليهودية الضعيفة التي تنتمي أساساً إلى يهود الشرق». ثم انتقل المحاضر إلى صلب المحاضرة وهو «الأدب العبري والصراع الطائفي في إسرائيل» وقال: إن الحركة الصهيونية سعت منذ سنواتها الأولى إلى استغلال الأدب العبري كوسيلة لتحقيق أهدافها وذلك بتحويله إلى بوق لها من خلال الإدعاء بأن الأدب العبري هو وسيلة من وسائل تحديد هوية الإنسان اليهودي ومع تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين احتلت قضية الصراع الطائفي بين الطوائف اليهودية مكاناً بارزاً في الأدب العبري الحديث على اختلاف مراحله وأصبحت تلازمه من جيل لآخر. وأضاف المحاضر، أنه مع اتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين يهود الشرق ويهود الغرب في إسرائيل ظهر في الأدب العبري منذ الستينيات فصاعداً وبعد فتور الحماس الذي صاحب قيام إسرائيل، الفرد اليهودي الذي يعيش في عزلة بينه وبين مجتمعه وبينه وبين العالم المحيط به، وقد برزت قضية الصراع الطائفي في إسرائيل في العديد من الأعمال الأدبية ولكنها كانت لدى الأدباء الذين ينتمون إلى الطوائف الشرقية أقوى منها لدى الأدباء الذين ينتمون إلى الطوائف الغربية، وقد سارت الحركة النقدية التي يسيطر عليها يهود الغرب في طريق الأدباء الذين ينتمون إلى الطوائف الغربية حتى أنه من الصعب للغاية العثور بين مئات الكتب النقدية على دراسة تتناول بالنقد والتحليل أعمال الأدباء اليهود من أبناء الطوائف الشرقية، وقد أدى ذلك إلى تكرار الصرخات من جانب اليهود الشرقيين مثلما فعل أمنون شموس وهو أديب يهودي من أصل سوري في لقاء له مع إحدى الصحف الإسرائيلية حين قال موجهاً كلامه إلى المؤسسات الرسمية «أعطونا فرصة للمشاركة في العمل، نحن لا نريد صدقة من أحد فالصدقة لن تجعلنا نشعر بالانتماء والتعاون، كما ذكر أديب آخر ينتمي إلى الطوائف الشرقية، وهو سامي ميخائيل العراقي المولد»: نحن أبناء الطوائف الشرقية في انتظار ظهور أديب ينتمي إلى إسرائيل الثانية ليقوم بتحطيم رؤوس الجميع نحن في انتظار مقدم هذا الأديب إلى عالم الأدب الإسرائيلي ليخلصه من عالم الغربة التي يحياها، ويخلصه من الأدباء الذين عاشوا في صوبات، وتعرفوا على الواقع من خلال النظر عبر النوافذ فقط، إن أحداً لن يستطع وقف زحف الأدباء الشرقيين حتى لو استمر النقاد يتناولون بالدراسة فقط أولئك الأدباء الذين نشأوا في المعامل المعقمة. وهكذا فإن أدب أمنون شموش وسامي ميخائيل وغيرهما من أبناء الطوائف الشرقية يتسم بمشاعر الغربة والقطيعة مع المجتمع اليهودي وبخاصة مع الفئات الغربية المسيطرة، كما تحتل مشاكل عدم القدرة على التأقلم داخل المجتمع الإسرائيلي مكاناً رئيسياً في أعمالهم الأدبية. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: