لؤلؤة الخليج حلقة وصل للحضارات قبل آلاف السنوات، راشد بعقليته الراجحة ونظرته الثاقبة جعل الامارة نقطة جذب عالمية

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 أصدر مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة بالتعاون مع ميبا للإعلان وتنظيم المعارض بدبي كتاباً توثيقياً عن «آل مكتوم.. مسيرة العطاء» بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لرحيل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حيث تناول فيه سرداً تاريخياً عن مراحل دبي والسيرة الذاتية لآل مكتوم وحكم دبي، بالاضافة الى تجارة اللؤلؤ وتفاصيل خاصة عن تطور امارة دبي.. فقد تولى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حكم دبي في فترة ذات طبيعة خاصة فيما يتعلق بموقعها بين سابقتها ولاحقتها من فترات تاريخية في حياة الامارة، حيث تسلم الرجل الحكم (على الصعيد الفعلي وليس الرسمي) في ظروف عصيبة لا يحسد عليها أي حاكم، كان الكساد التجاري فيها سيد الموقف بعد انهيار تجارة اللؤلؤ، ثم حلت الحرب العالمية الثانية بما جلبته من وبال على التجارة والتجار، فضلاً عن قلاقل ومؤثرات داخلية عكرت صفو الامارة الهادئة، فإذا أضفنا الى ذلك ان الرجل كان يتحرك ويحكم في ظل أطماع استعمارية تقليدية قيدت حركة كافة حكام الساحل، لأدركنا كم كان من الصعوبة ان يتم تحقيق أية انجازات تذكر، والحقيقة انه كان لأحد ان يلومه لو لم يحقق أي انجاز. دبي قديما لعله من المفيد ان نطلع القاريء على خلفية تاريخية عن مدينة دبي حتى يتمكن من متابعة نشأة تلك المدينة الطموحة، وليطلع على أحوال الناس فيها قبل قرون عديدة خلت. يقول المؤرخون ان الشواهد تدل على ان خور دبي تم استيطانه منذ أكثر من الف عام تقريباً. وكانت دبي فيما مضى قرية صغيرة تعتمد في عيشها على صيد الاسماك واللؤلؤ وظلت ضئيلة الاهمية لعدة قرون، حتى ان الاسكندر الاكبر بعد ان قام بارسال عدد من كبار ضباطه الى المنطقة لمسحها وعمل خرائط لها خلال القرن الرابع قبل الميلاد، لم يجد في المنطقة ما يثير اهتمامه فآثر استبعادها عن مخططاته. بينما يؤكد بعض المؤرخين والباحثين ان دبي شهدت كثافة سكانية منذ بداية الألف السابق على الميلاد، وتثبت شواهد التاريخ ان دبي لعبت منذ نحو ما يزيد على الخمسة آلاف عام دورها التقليدي كحلقة وصل بين الحضارات التي عرفتها المنطقة والمعروفة بحضارات: سومر وأكد وبابل وعيلام في رأس الخليج. كما لعبت دبي الدور المهم نفسه بالنسبة لتلك الحضارات التي ظهرت على شواطيء الخليج كحضارات دلمون في البحرين وأم النار في الامارات والتي ربطت بلاد الرافدين بحضارة مجان في عمان ووادي السند في بلاد الهند. تعتبر منطقة القصيص من أكبر وأهم التجمعات البشرية على شاطيء الخليج والتي كانت مأهولة خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد (1800 ـ 400 ق.م) وتم الكشف عن آثار تاريخها من 1900 ـ 1600 قبل الميلاد وذلك بمنطقة المدافن الصغيرة على جانبي الشارع المعبد المتفرع من الطريق الرئيسي بين منطقتي القصيص ومدينة بدر. وكانت القصيص منطقة سكنية قديمة ملحقاً بها مكان للعبادة والطقوس الدينية ومقبرة كاملة، وتضم مجموعة الآثار المعروضة حالياً في متحف دبي مقتنيات من الذهب والفخار والحديد والصخور والمرمر والقدور والأصداف والعظام الآدمية والحلي تم اكتشافها في القصيص، وهي تعكس نماذج مختلفة لما كان يستعمله سكان المنطقة في تلك الفترة حيث توجد مجموعة جيدة من الحلي والاحجار الكريمة ورؤوس السهام والبلط والخناجر وأقداح الشاي المصنوعة من الفخار، ويدل وجود الادوات الشخصية والادوات المستخدمة في الحياة اليومية الى جوار المتوفى داخل قبره على ايمان هؤلاء الناس بالحياة بعد الموت. كما ان اشتراك الزوجين في مدفن واحد يشير الى ان الحضارة التي تنسب لها هذه الآثار كانت تقدس الحياة الزوجية والعائلية. كما تدل آثار الاسلحة على قيم البطولة والفروسية السائدة في تلك الفترة وتقديسها للقوة والرجولة، كما يدل أسلوب الدفن والهياكل العظمية المقطعة والمربوطة بعظام القفص الصدري وغرس الرماح في بعضها على وضع سياسي قلق والى الحروب أو الغزوات التي شهدتها المنطقة. وتشير كثرة الادوات البرونزية الى مدى توفر مادة النحاس بخاماته الاصيلة في المنطقة والى الاهتمام بتصنيعه. إن المكتشفات الاثرية في دبي بصفة عامة لتدل بشكل قاطع على ان الحضارة التي قامت في هذه المنطقة كانت على مستوى كاف من التطور والتقدم. كما أظهرت انه كان القدامى في هذه المناطق على علاقة وتفاعل مع الحضارات المجاورة وانهم اعتمدوا في حياتهم اليومية والاقتصادية على ممارسة الصيد البري والبحر واستخراج اللؤلؤ بدلالة العثور على الاصداف وعدد من حبات اللؤلؤ وسنانير صيد الاسماك داخل القبور. فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية لسكان دبي القدماء لوحظ ان للرجال زيهم الخاص اضافة الى اهتمامهم بتعليق الخناجر في وسط الجسم كدليل على الفروسية والاقدام ولايزال هذا التقليد سائداً حتى الآن عند البدو.. كما كان للنساء زيهن الخاص وكن يبدين اهتماماً بالحلي والمصنوعات المحلاة بالأحجار المختلفة. والمعروف ان اسم دبي ورد في بعض المراجع التاريخية بوصفها محطة مهمة للقوافل بين البصرة وعمان قبل ألفي سنة. في مجلس راشد كان الشيخ راشد منذ سن مبكرة يواظب على حضور مجلس الحكم الى جانب أبيه مستمعاً للمناقشات والمطالبات والسجال الذي كان يدور في تلك الأماكن، ولم يكن يشعر بالملل أو التأفف من هذا الأمر على الرغم من صغر سنه. تلك العادة طعمت شخصية الصبي بالكثير من الثقافة والدراية بأمور الحكم، وساعده على ذلك انه كان كثيراً ما يطرح الاسئلة على والده ويستمع في شغف الى الاجابات، وكانت ذاكرته قوية الى حد بعيد، الأمر الذي ساعده على استقاء الكثير من المعلومات والخبرات وحفظها عن ظهر قلب. تلقى الشيخ راشد تعليمه في مدرسة الاحمدية التي تأسست عام 1912 بدبي بمنطقة ديرة، وكانت تلك المدرسة في الآونة هي المركز التعليمي الأول في منطقة الامارات الشمالية، وكانت الدراسة تشمل اللغة العربية والدراسات الاسلامية والرياضيات. وكان مؤسس تلك المدرسة هو احمد بن دلموك، تاجر اللؤلؤ ورجل الخير الذي جلب اليها المعلمين من العراق وايران. وقد تأسست فيها بعد ثلاث مدارس اخرى في العشرينيات هي: الفلاح، السعادة والسالمية. وكان الصيد من أهم هوايات الشيخ راشد منذ صغره، ولكونه كان من التلامذة النجباء، فقد كانت دراسته تشكل احياناً عائقاً يحول دونه والاستمتاع بهوايته المحببة التي جمعت بينه وبين أبيه الشيخ سعيد وقربت بينهما كثيراً. ففي شهر اكتوبر كان الشيخ راشد واصدقاؤه يستيقظون مبكرين ويخرجون الى الصحراء خارج المدينة ليدربوا الطيور ويعدوها لموسم رحلات القنص الذي كان يحل مع مقدم الشتاء، حيث كانوا يسافرون على متن سفن البوم الى ايران، ثم تحولت وجهتهم الى باكستان حيث وجدواً فيها طبيعة مناسبة لهواية القنص. بحلول عام 1924 كان الشيخ راشد قد بلغ الثانية عشرة من عمره، وكان قد أصبح شخصية دائمة الحلول في مجلس أبيه الشيخ سعيد، كما كان حاضراً باستمرار في الأوساط السياسية. ومن خلال حضوره الدائم في مجلس أبيه، عايش الشيخ راشد الأزمات التي حلت بالامارة في أعقاب ازدياد الطلب العالمي على اللؤلؤ المستزرع والضرر الذي لحق بالبلاد نتيجة الكساد الذي أعقب انهيار صيد وتجارة اللؤلؤ الطبيعي، تلك الحالة حيرت الشيخ سعيد ومعاونيه، وكان الشيخ راشد يتابع عن كثب تطورات تلك الأمور وتعلم كيف يتعامل معها بعقلية السياسي والتاجر في آن واحد مما أكسب قراراته فيما بعد قوة نبعت من معايشتها لواقع الامارة التي يحكمها والتي تعتمد على التجارة في المقام الأول، وبمرور الوقت تنامت شخصية الصبي اللامع، واتسعت مداركه، واصبح له مجلس خاص يجمع اصدقاءه من شبان المدينة، كما حاز على دعم وحب السكان في دبي وأصبح يتمتع بشعبية رغم صغر سنه، وكان الشيخ راشد يقف جنباً الى جنب مع والده الشيخ سعيد ويدعم ويناصر كافة تحركاته. يوم في حياة راشد كان الشيخ راشد معتاداً على ان يصحو من نومه مبكراً في حوالي الخامسة صباحاً ليمتطي صهوة جواده أو يركب جمله، أو السيارة فيما بعد، ويجوب بها أرجاء المدينة والناس نيام ليطلع على أحوال المشاريع والأشغال العامة، ويسير في تلك الجولات دون حرس أو أتباع، ثم يعود في تمام الثامنة إلى بيته ليتناول فطوراً خفيفاً، ثم يذهب إلى عمله في مركز الجمارك، في التاسعة صباحاً، وكان المكتب هناك متواضعاً بشكل ملحوظ، ولكن الشيخ راشد كان يشعر بالراحة فيه، وهناك كان يستقبل كافة الناس حيث كان يجد صعوبة أحياناً في انجاز أعماله المكتبية بسبب توافد الناس عليه، وبالرغم من ذلك كان يترك أوراقه ويتفرغ للاستماع إلى محدثيه، ونادراً ما كنت أرى أو أسمع انه فقد أعصابه في تعامله مع أي شخص، وكان في بعض الأحيان يشعل غليونه، وهو يستمع بانتباه، وكان يفكر ملياً قبل ان يجيب، بل وكان يتوقف عند نهاية كل جملة ليختار كلماته بحذر، وكانت اجاباته دائماً موزونة، ولم تكن ردوده متسرعة. في تمام الواحدة بعد الظهر كان الشيخ راشد يعود إلى منزله لتناول غدائه الذي كان عادة ما يتألف من السمك، ثم يأخذ قيلولة قصيرة ويستيقظ في الرابعة ليغادر المنزل مرة أخرى ويتابع أعماله. كان الشيخ راشد مولعاً بالخيل وكان يحب ركوبها خاصة في فترة ما بعد الظهر، وكان حصانه «الصقلاوي» مرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً، وفي عام 1932م اشترى الشيخ راشد سيارته الأولى، إلا انه لم يستخدمها كثيراً، بل كان يعتمد على حصانه «الصقلاوي» وبعدما مات «الصقلاوي» بدأ يستخدم سيارته كثيراً في التنقل وإن كان لم يتخل عن ركوب الخيل، وفي المساء وبعد عودته إلى المنزل كان الشيخ راشد يتابع العمل من خلال لقاءات المجلس، فيستمع إلى شكاوى الناس ومطالبهم في صبر واحتمال وهناك بعض الأشخاص كانوا لا يشعرون بأي حرج في عرض شكاواهم يومياً على الشيخ راشد وكان هو يجلس ويستمع إليه بصبر، وفي احدى الأمسيات دخل شخص مثير للمشاكل اعتاد على المجيء إلى المجلس لعرض الشكاوى، وأخذ هذا الرجل في التحدث بحدة إلى الشيخ راشد في حضور عدد من أتباعه. وبعد التاسعة مساءً وعقب مزاولة الأعمال الرسمية في المجلس كان المجلس يتحول إلى حلقة للنقاش والتحاور والتشاور في شتى أمور الامارة وكان الشيخ راشد اعتاد فتح باب النقاش في المجلس، فإذا ما كان لديه فكرة أو مشروع ما كان يطلب من الحاضرين ومن الأشخاص الذين يثق بهم ان يعبروا عن وجهات نظرهم حول المشروع، وكان الشيخ راشد يجلس يستمع بانتباه ويراقب أسلوب تبادل الحديث بين الحضور، وغالباً ما كان يطرح أحدهم حجة ما ويدور حولها النقاش للتوصل إلى ما هو مفيد للصالح العام، وكان الشيخ راشد يدلي برأيه دون ان يؤدي ذلك إلى ايقاف النقاش، أو منع أحد من التعبير عن أي رأي مخالف، وهكذا امتاز المجلس حقاً بالحيوية). ذلك الأسلوب اليومي، كان ناجحاً وفعالاً إلى حد كبير وآتى ثماره بوضوح، فقد عمد الشيخ راشد إلى احاطة نفسه بعدد من الرجال الأذكياء وأصحاب الجدارة، وكانوا من ذوي الحرص الشديد على مصلحة البلد، وكان هو يدرك ذلك الأمر جيداً، فكانت اكثر الافكار تخرج من المجلس، وكان يعهد بالمهام المتعلقة بالتخطيط والتنفيذ إلى عدد من أولئك المقربين ليقوموا بانجاز المشروعات الطموحة التي عرفتها البلاد. وعندما يطرح مشروع للمناقشة كان الشيخ راشد يجلس دون ان يقول شيئاً بينما يراقب الآخرين وهم يحللون المفاهيم ويتعمقون في الأمور ويبلورون الافكار، وفي بعض الأحيان كانت المناقشات الجادة تدور طوال عدة أيام حتى يتوصل المجلس إلى خلاصة الرأي ولكن هذا كان الطريق الصحيح بدون شك، وكان الشيخ راشد يستمع ثم يتوصل إلى رأي خاص به مبني على النقاش، ولم يحدث ان خاب هذا الأسلوب ولو لمرة واحدة، وما علينا إلا ان ننظر إلى الانجازات التي تحققت لكي ندرك ذلك. وبعد وقت طويل من المشاورات وبعد التوصل إلى رأي أو حين يشعر الشيخ راشد بالاجهاد بعد انتهاء يوم طويل من العمل الجاد كان الشيخ راشد يتناول عشاءه في قصر زعبيل، ثم ينام بعد منتصف الليل بقليل لينهي يوماً كاملاً من العمل والمتابعة والمناقشات والاستماع والتحاور والمقابلات، وليحظى بقليل من النوم قبل شروق شمس اليوم التالي. التجارة ثم التجارة وكان اهتمام الشيخ راشد منصباً على توفير مناخ ملائم للتجارة بهدف العمل على جذب التجار والشركات والمؤسسات العالمية، فقد كان اهتمام الشيخ راشد منصباً على توفير مناخ ملائم للتجارة بهدف العمل على جذب التجار والشركات والمؤسسات العالمية إلى دبي لانشاء مقار لها، وكان الشيخ راشد يعلم جيداً ان الطريق لتحقيق مثل هذا الأمر لم يكن سهلاً، ولكنه أيضاً ليس بالمستحيل مع العمل الجاد الدؤوب، فقد كانت الفترة التي واكبت الحرب العالمية الثانية والتي تلتها فترة عصيبة على المنطقة والعالم بأسره، فكيف يمكن الخروج بالبلاد من تلك الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، ثم كيف يكون العمل على تحقيق الهدف بجذب رؤوس الأموال والتجار إلى دبي؟ أسئلة لا يسهل الاجابة عليها، وخاصة إذا ما علمنا ان الامكانات المتاحة وقتها لم تكن كبيرة مقارنة مع مناطق أخرى كسنغافورة وهونغ كونغ وإيران وغيرها، ولكن على ما يبدو ان الشيخ راشد كان يحمل في نفسه الاجابة على تلك الأسئلة. أدى الحظر الاقتصادي الذي فرض أثناء الحرب العالمية الثانية إلى الاضرار بمشاريع التنمية في الخليج، وكان من الصعب تحقيق قدر من التنمية في ظل تلك الظروف المشددة، وكان الشيخ راشد يعلم تماماً ان وجود نظام مصرفي متطور يعد عاملاً مساعداً وفعالاً في دعم الأوضاع التجارية في دبي، فبذل محاولات عديدة أثمرت في عام 1954م عن موافقة «امبريال بنك اوف ايران» الذي عرف فيما بعد باسم «البنك البريطاني للشرق الأوسط» على انشاء مقر له في دبي، وقد اشترط البنك في البدء ان يحصل على امتياز احتكار العمل المصرفي لمدة خمسة وعشرين عاماً، وكانت تجربة البحرين في هذا الصدد ماثلة في ذهن الشيخ راشد، فنجح في تخفيض الاتفاق إلى عشرين عاماً، على ان يقوم البنك بتشغيل موظفين وكتبة من أبناء دبي ما أمكنه ذلك. عرفت أسواق دبي الازدهار مرة أخرى اثر رفع الحظر الاقتصادي، فإذا ما أضفنا إلى ذلك مزايا أخرى كانخفاض الرسوم الجمركية وغياب الاجراءات البيروقراطية فضلاً عن الاستقرار السياسي الذي يعم دبي لأدركنا ان دبي بدأت تتحول إلى جنة التجار، وبالفعل بدأ توافد المؤسسات التجارية والمالية على دبي باعداد كبيرة. مشكلة خور دبي في الخمسينيات بدأت تظهر مشكلة في الخور هددت بالقضاء على مكانته بين الصيادين ففضلا عن قلة عدد الأرصفة المخصصة لرسو المراكب ظهرت مشكلة أكثر خطورة، فقد بدأ الرمل يسد أجزاء من الخور بعد ان قلل من عمق بعض هذه الأجزاء إلى ما يقارب القدمين فقط، فبدأت سفن الصيد تغرز في الرمل، الذي كان يحاصر السفينة ليجد طاقمها أنفسهم وقد توقفوا تماماً عن السير، وكان لابد لعلاج الأمر من سحب السفينة إلى البر، وتزايد المطالب والالتماسات بايجاد حل جذري لتلك المشكلة التي تهدد الخور. وللاطلاع على حجم المشكلة يجب ان نلقي نظرة على أعمال الصيد وما يعنيه تلك المهنة لدبي على الصعيد التجاري والاجتماعي، فدبي كانت تعتمد في وجودها منذ حوالي العام 1700م على أسطولها لصيد الأسماك، حيث كانت المياه القادمة من المحيط الهندي تعمل على اثراء مياه الخور بالاحياء المائية المتنوعة مما جعل الخور من المصايد الغنية بالاسماك، كما كانت تلك المياه توفر مصدراً غذائياً لاسراب الاسماك المحلية، حيث تجر معها أسراباً ضخمة من أسماك التونا والأنشوجة والماكريل، وكان هذا مصدراً غذائياً مهماً للمنطقة، فضلاً عن هذا كانت المناطق الداخلية الصحراوية وكذلك الساحلية تعتمد على الأسماك المجففة كمصدر للبروتين، وكانت الاسماك أحد أهم البضائع التي تصدر من المنطقة فكانت تدر دخلاً كبيراً لأبناء الامارة العاملين في هذا القطاع، وكان الشيخ راشد على علاقة طيبة مع كبار تجار الاسماك وأصحاب السفن. الان، وقد أدركنا حجم التأثير الذي يمكن ان تحدثه تلك المشكلة على اقتصاد دبي، بات من المتعين علينا ان نعرف كيف تعامل الشيخ راشد مع تلك المشكلة. بدأ الشيخ راشد يزور الخور يومياً للاطلاع على آثار تلك المشكلة وكان يستوقف قادة السفن وأصحابها والصيادين ليستفسر منهم عن الوضع أولاً بأول، إذن فقد أدرك الرجل حجم المأساة بنفسه وشاهدها بأم عينيه. وقد كلف الشيخ راشد المستشارين سير ويليام هالكرو وشركاه بعمل مسح للخور ودارسة الموقف، ثم تقديم الخطط الكفيلة بحل المشكلة على وجه السرعة، بغرض فتح مياه الخور بشكل دائم، وقدمت الشركة خطة كبيرة لاعادة تطوير الخور وكانت تكلفة تلك الخطة حوالي مليون جنيه استرليني، وهو مبلغ ضخم لا تستطيع الحكومة تحمله في ذلك، وحين عرض الأمر على المجلس انتاب اليأس أعضاءه لضخامة المبلغ، ولكن الشيخ راشد كان مصمما على تنفيذ المشروع، فقد كان يدرك مدى خطورة ترك الأمر دون معالجة، ولكن المبلغ المطلوب كان يوازي اجمالي الناتج القومي لدبي لثلاث سنوات كاملة، ولكن هذا لم يكن ليعيقه عن تنفيذ المشروع، ولكن كيف يتم توفير التمويل المطلوب؟ قرر الشيخ راشد انه لابد من فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة سعياً لايجاد أموال تسهم في عملية التنفيذ، وقبل الموعد المقترح لتنفيذ المشروع في عام 1958م قام الشيخ راشد باجراءات تهدف إلى رفع مستوى كفاءة جهاز التحصيل الجمركي المتمثل في دائرة الجمارك، فعمد إلى البدء في عملية احلال وتجديد للعاملين به، وبدأ بأن طلب إلى حكومة البحرين اعارته واحداً من أكفأ الأشخاص لديهم في هذا المجال وهو مهدي التاجر، وأسند إليه رئاسة جمارك دبي، وتم تعيين الرجل الثاني من أبناء دبي وهو أحمد بن سليم، وتم تحديد التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة بنسبة 4% وتم تخصيص معظم العائد لتمويل مشروع الخور، وبدأت الادارة الجديدة للجمارك في عملها فأزالت الكثير من أوجه القصور ورفعت من كفاءة أجهزة التحصيل، الأمر الذي عمل على ارتفاع العوائد بشكل ملحوظ. بعد ذلك قام الشيخ راشد بطرح ما أسماه (سندات الخور) وهي سندات تجارية عملت على اشراك كبار التجار في عملية تطوير الخور عبر استثمار أموالهم بشكل مباشر في ذلك المشروع الضخم، وكان لهذه الطريقة ميزتان: الأولى توفير العائد المالي المطلوب لتنفيذ المشروع، والثانية توفير عائد مادي استثماري لمن يساهم في ذلك المشروع، وهي لغة يفهمها التجار ويحبونها، وارتفعت العائدات بشكل ملحوظ الأمر الذي عكس حرص كبار التجار على انجازه، وأخيراً قام الشيخ راشد بتدبير قرض من أمير الكويت بقيمة 400 ألف دينار لاستكمال تمويل مشروع التطوير. كان الشيخ راشد يحب ان يفهم كل صغيرة وكبيرة متعلقة بالمشاريع التي يعتزم القيام بها، فكان ينبغي على القائمين بالتنفيذ من المختصين ان يشرحوا له كل شيء مهما كان معقداً. مع مطلع عام 1959م كانت الجرافات والآليات المتطورة ومعدات الحفر الثقيلة قد بدأت العمل في مشروع تطوير وتوسعة الخور، وتم تنفيذ فكرة مربحة تقضي باستخدام المستخرج من الحفر من طمي وصخور في عملية ردم بعض المناطق ذات المستوى المنخفض على طول الخور وخاصة في مواجهة بر ديرة، وأسفرت تلك العملية عن خلق مساحة جديدة من الأراضي في موقع متميز للغاية تم تقسيمها وطرحها للبيع لكبار التجار وإلى كل من استطاع الشراء والبناء في تلك المنطقة، الأمر الذي أدر دخلاً جيداً على خزينة الحكومة مما عوض جزءاً من كلفة المشروع. وانتهى التطوير في عام 1960 وأصبح الخور قادراً بعد تعميقه وتوسيعه على استقبال سفن يصل عمق غاطسها إلى ثمانية أقدام، وبالتالي كانت هناك زيادة متوقعة في حركة السفن استعدت لها حكومة دبي بعمل توسيع لرصيف مركز الجمارك، وتم أيضاً في نفس الاطار انشاء عدة مراكز اضافية لرسو السفن. وهكذا برزت الحاجة إلى اقامة مستودعات وانشاء مرافق جديدة لتلبية احتياجات السفن، فقد قررت عدة شركات عاملة في مجال الشحن البحري ان تتخذ من دبي محطة رئيسية لسفنها في الخليج، وقد استخدمنا عوائد الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع المستوردة من أجل انشاء تلك المرافق. جسر المكتوم بين بر دبي وديرة كانت عملية الانتقال فيما بين ديرة وبر دبي تتم عبر احد طريقين: الاول باستخدام العبارة، وهي مركب صغير يستخدم كوسيلة نقل بالاجرة، والثاني بواسطة السيارة التي كانت تقطع المسافة في وقت يقارب الساعة نظرا لانها كانت تضطر الى الاتجاه الى رأس الخور لتسير لمسافة ستة اميال ما بين ديرة وبر دبي وكان هناك جسر للمشاة فقط يعمل على وصل بر دبي بالشندغة. في عام 1961م قرر الشيخ راشد تنفيذ مشروع جسر يصل ما بين ديرة وبر دبي وسمي جسر المكتوم وهو جسر ذو اتجاهين وقد قدمت حكومة قطر قرضا قيمته 190 ألف جنيه استرليني لدبي للمساهمة في تمويل المشروع وتم تنفيذ المشروع وافتتح في عام 1962م لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في حياة دبي التجارية وليصبح جسر المكتوم هو نقطة الوصل بين سكان ديرة وبر دبي الذي طالما عانوا مشقة الانتقال بين المنطقتين. في عام 1954م كان لابد من ايجاد هيئة تتولى عملية التخطيط المدني وصيانة المرافق ومتابعة كافة الاعمال والاشغال المدنية في دبي، وبالطبع كانت تلك مهمة هيئة البلدية التي امر الشيخ راشد بانشائها في ذلك العام وكانت مهمة تلك البلدية هي وضع النظم الاساسية وتطوير خطة للمدينة اليافعة. في ذلك الوقت كانت دبي تشهد تحولات اقتصادية جوهرية افرزها الازدهار الاقتصادي والاجتماعي الذي كانت بوادره قد بدأت تلوح في أفق المدينة، وكانت اسعار الاراضي آخذة في الارتفاع بسرعة كبيرة، كما كانت هناك اراض غير محدد المعالم من حيث الملكية القانونية والحقوق المتعلقة بها، ومن ثم واجهت البلدية الناشئة مشكلة التنسيق بين كل تلك الامور، والعمل على وضع خطة للمدينة تأخذ في الاعتبار ضرورة تسوية الاوضاع القانونية لكافة الاراضي والعمل على التنسيق بين المشاريع والاعمال العامة التي تدور في انحاء المدينة، وتحديد المشروعات المستقبلية الضرورية في ضوء المسح الشامل للمدينة واحتياجاتها. قد شهدت البلدية عدة محاولات منذ انشائها وحتى عام 1956م حيث تم اعداد خطة متكاملة للمدينة افضل من الخطط السابقة، وعدلت بعض جوانب الخطة في عام 1971م استجابة لدواعي النمو المتسارع الذي كانت تشهده المدينة، وهي خطة اعدت بمعرفة مسئولين محليين بالتعاون مع شركة دوكسييدز اسوشييتس البريطانية وبالتنسيق مع مجموعة من خبراء برنامج الامم المتحدة الانمائي. اما على الصعيد الامني لم تكن هناك قوة شرطة نظامية رسمية على طول الساحل، وبالطبع لم تكن هناك قوات مسلحة نظامية بالمعنى المعروف، ولكن كان هناك اتباع مسلحون. كان هذا الامر يعكس ثغرة امنية في مدن الساحل المتصالح حيث كانت معرضة لاخطار كثيرة نتيجة غياب تلك الهيئات وبصفة خاصة في وقت تزامن فيه ارتفاع احتمالية اكتشاف النفط في دبي مع ارتفاع اسعار الاراضي فيها مما حول المنطقة الى منطقة جذب هامة على الصعيد الاقتصادي. في بداية الخمسينيات قام البريطانيون بتمويل قوات المجندين للساحل المتصالح، وكانوا يشكلون حامية صغيرة متمركزة في المدن والاماكن الرئيسية على طول الساحل وكانت مؤلفة من عدد من الضباط العرب وما يقرب من خمسين رجلا من الضباط غير المقلدين والرتب الاخرى يعملون جميعا تحت امرة ضابط بريطاني من الجيش الاردني وكانت تلك القوة في باديء الامر متمركزة في الشارقة ولكنها استعدت فيما بعد لتنتشر في الامارات السبع على طول الساحل وتم افتتاح اول معسكر لقوات المجندين في دبي عام 1952م على ارض تبرع بها الحاكم. وفي عام 1956م، ونتيجة لضغط من الشيخ راشد تأسست شرطة دبي بقيادة احد الضباط الغربيين وقد تم توفير التمويل اللازم لتأسيس شرطة دبي عبر زيادة ضريبة الاستيراد بمعدل وحدتي «آنة» وهي وحدة نقدية هندية قديمة تعادل واحدا على خمسين من الروبية. التعمير في عام 1958م، وفي شهر اكتوبر بعد وفاة ابيه الشيخ سعيد اعلن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكما رسميا لدبي، وكان هو الحاكم الفعلي لها منذ اكثر من عقدين من الزمان، وقد تم انتقال السلطة الى الشيخ راشد بسلاسة وهدوء لما كان هناك من اجماع على احقية الشيخ راشد في خلافة ابيه، ثم بدأ الشيخ راشد على الفور في خطوات جدية وفاصلة للعمل على تطوير دبي، حيث قام بعد اشهر من تسلمه الحكم باصدار مرسوم بتأسيس شركة كهرباء دبي كما اصدر اوامره للبدء في العمل في انشاء مطار دبي، وكانت مشكلة التمويل هي المشكلة الرئيسية التي قابلت الشيخ راشد، ولكنه نجح في اقناع مكتب الامم المتحدة للمساعدات الفنية بتمويل وادارة عملية مسح شاملة لمصادر المياه فقد كان عدد سكان دبي في تلك الآونة عام 1959م، قد بلغ حوالي ثلاثين الف نسمة معظمهم من الوافدين ولم تكن مصادر المياه العذبة النظيفة متوفرة وامر الشيخ راشد بالقضاء على تلك المشكلة في غضون خمس سنوات. وقد كانت الحياة البدائية التي مازالت منتشرة في دبي تقلق الشيخ راشد فقد كان المصدر الاساسي للمياه هو بركة كانت تتكون في فترة الشتاء في منطقة الكرامة، وتجف في الصيف، وكانت هناك آبار اخرى للمياه العذبة في دبي كبئر قريب من حصن الفهيدي وآخر في ديرة فضلا عن بئر بالقرب من مستشفى دبي الحالي وآبار اخرى في الجميرا وكان السكان يقفون صفوفا طويلة ولساعات للحصول على نصيب من المياه العذبة، وكانت الكوليرا والامراض المتعلقة بالتلوث تظهر في بعض شهور السنة، وفي عام 1959م تم التوصل الى اتفاق مع حكومة قطر على ان تقوم بالتمويل وبتزويد حكومة دبي بعدد من الخبراء للاشراف على مشروع كبير للحفر حيث كان من المعلومات ان هناك آباراً للمياه العذبة في دبي تحتاج الى من يكشف عنها وعلى سبيل المثال فقد كانت هناك بئر في منطقة العوير وبدأت عملية المسح الجيولوجي لدى وصول كبير المهندسين اريك تلوك حيث تم فحص مياه بئر العوير عن طريق ارسال العينات الى قطر والبحرين لفحصها والتأكد من صلاحيتها ونتيجة لذلك مرت ثمانية عشر شهرا من الانتظار جاءت بعدها النتائج لتؤكد ان البئر يكفي مدينة دبي باكملها وان مياهه تحتوي على الكثير من المعادن المفيدة للحسم، وتلا ذلك اكتشاف بئرين في مناطق البدو بالوحوش والهباب. فكرة انشاء مطار دبي كان الشيخ راشد في منتصف الخمسينيات يعتبر ان هناك فرصة ضاعت على دبي حينما استجاب والده الشيخ سعيد قبل عشرين سنة الى آراء من عارضوا بناء مطار دولي في دبي التي كانت حتى ذلك الحين تعتمد على الطائرات البرمائية منذ الثلاثينيات وكان يسعى الى تعويض تلك الفرصة وكان الشيخ سعيد قد استطاع اقناع شركة امبريال ايرويز التي عرفت فيما بعد بالخطوط الجوية البريطانية بجدوى توقف طائراتها في دبي خلال رحلتها الى بومباي وتعهد بان يملأ بعض المقاعد من دبي ولو اضطر الى دفع الاجرة من جيبه الخاص، وكانت بريطانيا في بداية الثلاثينيات قد عرضت على عدد من مدن الساحل المتصالح انشاء مطار بها لتستخدمها القوات الجوية الملكية، وكان الشيخ سعيد ونجله الشيخ راشد مرحبين بالامر ولكنهما لقيا معارضة رافضة للفكرة وانتهز الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة الفرصة واقام المطار في مشيخته سعيا لانعاش الشارقة التي كانت تعاني من الركود الاقتصادي وبناء على ذلك استطاع الشيخ سلطان اقناع البريطانيين بتحويل خط سير السفينة التي كانت تقل البريد والتي تصل ساحل دبي مرة كل اسبوعين الى الشارقة بدلا من دبي. وفي عام 1937 وافق الشيخ سعيد على قيام شركة امبريال ايرويز لدبي كقاعدة تتوقف فيها طائراته البرمائية في رحلتها من بغداد الى بومباي. وكان هذا محاولة للحاق بالفرصة الضائعة التي اغتنمتها الشارقة، يقول محيي الدين بن هندي مدير عام دائرة الطيران المدني بدبي سابقاً: (كانت فكرة انشاء مطار في دبي تراود الشيخ راشد لمدة طويلة، فقد كان يرى ان المطار سيسهم في جعل دبي مركزاً اقليمياً، خاصة وانه اصبح من الواضح منذ منتصف الخمسينيات ان التجارة كانت آخذة في استخدام النقل الجوي اكثر فأكثر، وكان الشيخ راشد على اطلاع وكان يدرك تأثير المطار على دبي، كما كان يعرف ان سياسة السماء المفتوحة ستجعل من دبي مركزا اقليميا لحركة الطيران). كان عدم وجود مطار في دبي يشكل حرجاً لحكومة دبي فضلاً عما كانت تخسره دبي على الصعيد التجاري جراء ذلك، فقد كانت هناك حصص من المقاعد المحدودة المخصصة لركاب دبي على متن رحلات طيران الخليج التي كانت تشغل رحلاتها من مطار البحرين وتمر بمطار الشارقة، وفي الخمسينيات ازداد عدد الركاب، ووصل الامر الى حد ان الشيخ راشد استبقى ضيوفا بريطانيين في دبي بعد انتهاء زيارتهم لعدم وجود مقاعد على الطائرة، وفي مساء احد الايام وبعد توليه الحكم عام 1958 اعلن الشيخ راشد في مجلسه عن رغبته في بناء مطار دبي، وتم الاختيار بين قطعتي ارض احداهما في القصيص والأخرى في جبل علي، ووقع الاختيار على القصيص لقربها من دبي، وخاصة بعدما وجدت تربتها مناسبة لبناء المطار، وبدأ العمل خلال شهور، من اجل بناء المدرج البالغ طوله ستة آلاف قدم كمرحلة اولى للتشييد. وأنجز المدرج في التاسع عشر من مايو عام 1959 وتمت تجربة المدرج باستخدام احدى طائرات شركة طيران الشرق الاوسط من طراز دوفز، وأجريت التجربة عدة مرات، وشارك في احداها الشيخ راشد، وأعلن عن صلاحية المدرج للاستخدام، وعن بدء تسيير خط جوي للشركة الى دبي فور افتتاح المطار بشكل رسمي. التعمير وأثره على التجارة لم يكن عصر النفط قد حل بعد في اوائل الستينيات ومع ذلك فقد عرفت دبي طريق الازدهار والتعمير، بعد ان غيرت تلك المشروعات من وجه المدينة التي بدأت تخطو نحو التحديث، وأمام الاقبال المتزايد من المستثمرين بدأت دبي تشهد المزيد من مشروعات التعمير. وارتفعت اسعار الاراضي ما بين 4 الى 10 جنيهات للقدم المربع عام 1962، ومع بداية الستينيات ونتيجة لحركة التعمير المزدهرة وبعد انشاء المطار، بدأت الاسواق تشهد تنوعاً واضحاً في نوعية السلع التي لم تعد مقتصرة على المواد الاستهلاكية، وانما اصبحت تشمل المواد الغذائية المختلفة والمنسوجات والبضائع التي تباع بالجملة والتجزئة، كما ان ازدياد حركة البناء ادت الى توفير الاسمنت والأخشاب ومواد البناء المختلفة وبدأت السيارات تشهد اقبالاً واضحاً وان كان ذلك بالطبع يسير بوتيرة بطيئة تختلف من امارة لأخرى الا ان الانتعاش الواضح كان في دبي باعتبارها السوق الرئيسية لجميع الامارات وساعد على ازدياد وتيرة النمو في دبي انشاء المطار المدني وانجاز تحسينات الميناء وتعيين مستشار بريطاني للاشراف على الجمارك وإدارة الميناء عام 1960، وانعكس التباين الكبير بين ميناء دبي الذي بات يشهد المزيد من عمليات التوسعة وميناء الشارقة الذي كان يزداد تدهوراً فيما يتعلق بالواردات وزيارات السفن، ففي الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط من عام 1960 وصلت الى ميناء دبي 79 سفينة في حين لم تصل الى الشارقة خلال الفترة نفسها أية سفينة وكانت البضائع المرسلة الى الشارقة تصل عبر ميناء دبي. الاتحاد بعد انسحاب البريطانيين من الهند عام 1947، كانوا لا يزالون يسيطرون على عدد من البلدان في الشرق الأوسط، وكان المد التحرري قد بدأ يجتاح العديد من المناطق العربية، وفي مصر قاد الزعيم جمال عبدالناصر حركة القومية العربية التي لم تكن دبي وإمارات الخليج بمنأى عنها، حتى ان الشيخ راشد في اعقاب حرب السويس ترك المظاهرات الغاضبة تخرج في الشوارع تعبيراً عن رفض أهل دبي والخليج للعدوان الثلاثي على مصر، وقد نقل الشيخ راشد اعتراضه بكل قوة الى المفاوض السياسي البريطاني على هذا الاعتداء المتعجرف من قبل البريطانيين، وكذلك فعل باقي حكام الساحل المتصالح. لقد تأثر حكام الساحل المتصالح شأنهم شأن سائر الحكام العرب برياح القومية العربية التي اجتاحت المنطقة وأذكت في النفوس روح التحرر من الاستعمار، وكان الشيخ راشد رجلاً يؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويدرك انه حان الوقت ان تنال دبي حق تقرير مصيرها دون تدخلات من بريطانيا، وكان حكام الساحل المتصالح قبل ذلك بسنوات، وفي اطار ادراكهم لكل تلك الحقائق، قد اجتمعوا وأصدروا اعلان حقوق، وهو يشكل اول خطوة مشتركة يقوم بها حكام الساحل المتصالح في وقت السلم، وقد جاء معبراً عن ادراكهم القوي لمتطلبات المرحلة المهمة في تاريخ المنطقة و العالم الذي كان يموج بالنزعات التحررية من شرقه الى غربه، وخلال الفترة من عام 1961 بدأت الاجتماعات التشاورية بين حكام الساحل المتصالح، وشهدت تلك الفترة رحلات مكوكية للشيخ راشد من اجل اقناع باقي الحكام بالفكر وخلق الأرضية المناسبة لها، وفي عام 1964 قام الشيخ أحمد والشيخ عيسى والشيخ شخبوط بزيارة دبي لإجراء مباحثات مع الشيخ راشد حيث كانت افكاره قد نالت اهتماماً كبيراً من جامعة الدول العربية، فقد كان سيد نوفل امين عام الجامعة يؤيد النموذج الذي يقترحه الشيخ راشد للاتحاد، وقامت الجامعة في تلك السنة بدعم خطة تم تقديمها لتوحيد مشيخات الساحل المتصالح ضمن ما سُمي بـ (الصندوق العربي) الذي يعد احدى محاولات التوحيد التي شهدها العالم العربي. وقد حرص الشيخ راشد على التأكيد على ضرورة اقتناع كل حاكم من حكام مشيخات الساحل المتصالح بفكرة الاتحاد اقتناعاً تاماً قبل انضمامه اليه، وأكد على ضرورة ان يدرك كل منهم ان فكرة الاتحاد تحمل في طياتها وبالتبعية تنازلاً من كل منهم عن قدر من سيادة وسلطة مشيخته لصالح المجموع، وهو أمر ليس باليسير ولكنه كان ضرورياً لوضع المنطقة على بداية الطريق السليم سياسياً. لقد كانت مشيخات الساحل المتصالح في عام 1964، وبعد مرور 12 عاماً على تأسيس مجلس مشيخات الساحل المتصالح، لا تزال تعاني قدراً كبيراً من انعدام التنسيق، وضعف التعاون فيما بينها، كما كانت الآراء مختلفة حول عديد من القضايا، مما ادى الى تشتيت الجهود وذهابها سدى. وكانت مسألة الاتفاق حول جوازات السفر وتأشيرات الدخول مسألة شائكة بعض الشيء، وبخاصة بعد ان صارت كل من أبوظبي ودبي منطقتا جذب للعمالة الوافدة. وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة لم تتوقف محاولات تحقيق الاتحاد بين الامارات السبع، وقد تم الاتفاق على انشاء قسم مشترك لتأشيرات الدخول يكون مقره دبي التي كانت تتمتع في تلك الفترة بجهاز إداري حكومي متطور على استعداد للقيام بتلك المهمة بكفاءة عالية. في تلك الفترة كانت الجامعة العربية تدعم بكل قوتها فكرة قيام الاتحاد وتحاول التأثير من اجل اتمامها، كما بدأت المنافسة التقليدية بين كل من دبي والشارقة تخف حدتها لتفسح مجالاً أمام قدر أكبر من الود والألفة بين الامارتين، وهو الأمر الذي مهد فيما بعد الطريق امام قيام الاتحاد. وفي الفترة نفسها كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية، وكان معروفاً بذكائه السياسي وانفتاحه، كما كان يحظى باحترام كل من تعامل معه، ويملك خلفية سياسية متينة، وكان الشيخ زايد يؤيد فكرة الاتحاد التي لم يكن يحبذها الشيخ شخبوط حاكم أبوظبي، حيث كان يؤيد بقاء الوضع على ما كان عليه، ومن ثم عقدت الآمال على ان يقوم الشيخ زايد بإقناع أخيه حاكم أبوظبي بفكرة الاتحاد. هنا قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بإطلاق الدعوة الى الاتحاد، وأرسل خريطة أبوظبي الى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي وطلب إليه ان يرسم بيديه الحدود التي يراها لأبوظبي في اشارة واضحة الى عدم اعترافه بالحدود المصطنعة التي افتعلتها القوى الاستعمارية في المنطقة وإلى الرغبة في الاتحاد تتخطى تلك الحدود، وفي 22 يناير عام 1968 تم اعلان الاتحاد بين كل من أبوظبي ودبي بعد ان لبى الشيخ راشد دعوة أخيه الشيخ زايد وزار أبوظبي واستعرض الحاكمان كافة السبل اللازمة لدعم التعاون والتنسيق بينهما على كافة الصُعد. كما تم الإعلان عن تعبيد الطرق بين الامارتين عملاً على اتمام عملية الربط بينهما، وتم التوقيع على وثيقة الوحدة في فبراير عام 1968، ونصت الوثيقة على اشتراك الامارتين في ادارة الشئون الخارجية والدفاع والأمن والخدمات الاجتماعية وشئون الهجرة والجوازات، وكان التوقيع في منطقة بالقرب من غنتوت بين أبوظبي ودبي، ومن هناك وجهت الدعوة الى حكام باقي الامارات وحاكمي قطر والبحرين الى الانضمام للاتحاد، وفي فبراير عام 1968 عقد حكام الامارات المتصالحة وحاكما قطر والبحرين مؤتمر قمة في دبي اسفر عن اصدار بيان مفاده قيام اتحاد بين حكام الامارات التسع باسم (اتحاد الامارات العربية) إعداد: فهمي عبدالعزيز

طباعة Email
تعليقات

تعليقات