الجمعة 20 رجب 1423 هـ الموافق 27 سبتمبر 2002 أرجأت محكمة ابوظبي المدنية النظر في مطالبة 14 شركة تأمين بثلاثة ملايين درهم للحكم في 20 اكتوبر المقبل وتعتبر هذه القضية من اغرب قضايا التأمين على الحياة، في سابقة هي الاولى من نوعها في الامارات، وربما في العالم، اقامها مهندس مدني عربي الجنسية في العقد الرابع يعمل لدى احدى شركات القطاع الخاص ضد اربعة عشر شركة تأمين في أبوظبي ودبي يطالب فيها بدفع تعويض قدره 3 ملايين درهم عن نسبة العجز التي اصابته نتيجة حادث سيارة قدرت بـ 20% وكذلك تعويضا عن اصابته بالعجز الجنسي او فقدان القدرة الجنسية. وبمطالعة ملف القضية بسجلات محكمة أبوظبي المدنية تعود وقائع القضية الى مطلع عام 2000 حيث قام المهندس بتوقيع مجموعة من عقود التأمين عن الحوادث الشخصية والعجز الجزئي والكلي لدى اربع عشرة شركة تأمين خلال عام واحد وقبل مرور سنة وبالتحديد في 7 ديسمبر عام 2000 وقع له حادث مروري نتيجة انفجار اطار السيارة التي كان يقودها في طريق العين، دبي ادى الى انحراف السيارة وارتطامها بشدة بالحاجز الحديدي مما تسبب في ارتطام رأسه بشدة وحدوث حالة اغماء نقل على اثرها بواسطة المارة الى مستشفي الجيمي في العين ثم الى قسم جراحة المخ والأعصاب بمستشفى المفرق ثم الى مستشفى المركزي. وحين عرضه على اللجنة الطبية العليا في وزارة الصحة قدرت اللجنة نسبة عجز كلي قدرها 20% واجازات مرضية قدرها 70 يوما شاملا مدة العلاج الطبيعي، وذكر قرار اللجنة أن المريض كان يعالج في اقسام الباطنة العصبية والأمراض البولية وجراحة المخ والأعصاب وايضا قسم الأمراض النفسية في مستشفى المركزي حيث تعرض لحادث مروري ادى لرضوض شديدة على الرأس والرقبة وعولج على اثرها في مستشفى العين وراجع المريض مستشفى المفرق للاستشارة محالا من مستشفى الجزيرة بتاريخ 8، 9 مايو و 30 يونيو و 10 يوليو 2001 وثبت وجود اذيات وهي خدر ونحل ونقص الحس في الشق الجسمي الايسر وضعف عضلي بسيط في اليد والساق وضعف جنسي ونسيان وضعف القدرة على الحفظ ودوار والم بالرقبة، كما اظهر تصوير الدماغ بالكمبيوتر عدم وجود اذيات دماغية في لحمة الدماغ وذكر التقرير الطبي في توصياته انه بمراجعة ملف المريض واعادة فحصة سريرياً ومراجعة الفحوص الاشعاعية وفحوص التصوير الطبي المحوري للدماغ وكون المريض يعالج في مستشفى الامراض النفسية بعد الحادث وثبوت وجود بعض الضعف الجنسي المعاذ للمريض النفسي او الاذية الدماغية نرى أن نسبة العجز الكلي الدائم الواقعة على المريض نتيجة الحادث تقدر بنسبة 20% وقام المهندس بمراجعة شركات التأمين ومطالبتهم بالتعويض المنصوص عليه في بوالص التأمين في كل شركة على حدة رفضت شركات التأمين دفع قيمة البوالص، واعتبروا عقود التأمين التي ابرمها المهندس معهم لاغية وباطلة بسبب تعدد عقود التأمين التي اخفاها المهندس عند التعاقد مع كل منها حتى لا تظهر المغالاة التدليسية في العقد الواحد مما يبطلها جميعا وفق احكام القانون. ويؤكد المهندس المدني من خلال دفاعه أن الحادث الذي نتج عنه فقدانه القدرة على العمل بأن جميع العقود والوثائق التي ابرمها مع شركات التأمين تخلو من اي شرط صريح يمنعه من التعاقد مع اكثر من شركة او يوصي ببطلان العقد او الوثيقة في حالة حدوث ذلك، وبناء عليه فلا يحق لشركات التأمين أن تتنصل من التزاماتها العقدية التي اوجبها القانون، كما يؤكد دفاعه بالعقد شريعة المتعاقدين وأن ركن التراضي بين طرفي العقد حال انعقاده والتوقيع عليه لم تشوبه شائبة حيث توافر الايجاب والقبول. وحيث أن شركات التأمين كانت الطرف الاقوى في العقود المبرمة مع المهندس وكان يحق لها وضع شرط عدم تعدد التأمين مع اكثر من شركة ضمن بنود العقد ولكنها لم تفعل ذلك. من ناحية اخرى تتمسك شركات التأمين بأن المهندس اخفى عنها سبق تعرضه لحادث مروري عام 1999 نتج عنه نسبة عجز قدرها 10% حسب المستندات وذلك في معرض اجابته عن سؤال ورد ضمن طلب التأمين حيث اجاب بالنفي بما يبطل وثائق التأمين. غير أن المهندس يؤكد في دفاعه بطلان هذا نظرا لانه اجاب عن هذا التساؤل في طلب التأمين وليس في عقد التأمين وكان يجب على الشركة تمحيص هذا الطلب ولو انها ارتأت أن هناك بيانات مهمة وجوهرية اخفاها عنهم لما اقدمت على ابرام الوثائق معه، كما كان يفترض أن تقوم شركات التأمين بتوقيع الكشف الطبي على المؤمن عليه حتى تتمكن من كشف الامراض والاصابات التي يعاني منها او اصيب بها، ومن ثم رفض التوقيع معه وانهاء الموضوع، وهذا القصور من جانب شركات التأمين يعد اهمالا ولا يمكن أن تحاسب عليه العملاء. وتؤكد شركات التأمين أن مجموع مبالغ التأمين في العقود المتعددة التي ابرمها المهندس تزيد على قيمة الشيء المؤمن عليه، بقصد أن يتقاضى هذه المبالغ عند تحقق الخطر ويجني بذلك فائدة تزيد على الضرر الذي لحق به، ولما كان هذا غشا وتدليساً من جانب المؤمن له، فإن عقود التأمين التي يبرمها بهذا العقد تعطي جوازا للمؤمن «شركات التأمين» بالطلب بابطالها، كما هو الحال في التأمين التدليسي المغالى فيه، ذلك أن هذه العقود المتعددة تعتبر في مجموعها عقداً تأمينياً مغالياً فيه وتبطل جميعها حتى لو ثبت أن العقود السابقة لم يكن مغالياً فيها ولم تتحقق المغالاة الا بعد ابرام العقود اللاحقة. الا أن المهندس يؤكد أن الشيء المؤمن عليه هو اسمى واطهر الاشياء وهو جسم الانسان الذي كرمه الله والذي عنى المشروع المدني الجنائي بالحفاظ عليه وصيانته، ولذلك فمن حقه أن يهتم بجسمه وسلامته ويؤمن عليه بالغالي والنفيس طالما أن ذلك لا يخالف قانوناً او يتعارض مع الشرائع السماوية، خاصة وأنه تعرض لاضرار جسيمة من جراء الحادث افقدته وظيفته لعدم قدرته على العمل كمهندس مدني مما حرمه من مصدر الرزق الى اخر العمر الى جانب اصابته بفقدان القدرة الجنسية مما سبب له آلاماً نفسية واجتماعية يصعب تداركها ومع عدم قناعة شركات التأمين بأحقية المهندس في قيمة بوالص التأمين طلبت من احد المكاتب الاستشارية الفنية في دبي باعداد تقرير مفصل عن المهندس والحادث الذي تعرض له ومعرفة مدى احقية المهندس في صرف قيمة بوالص التأمين. وبالفعل اعد المكتب تقريرا مفصلا عن المهندس وحياته العائلية وظروف الحادث وملابساته المرورية والعلاجية.. ولكن المهندس من خلال دفاعه يرفض التقرير الذي يتعرض لحياته العائلية والشخصية ويصفه بأوصاف غير لائقة فضلا عن تدخله في امور طبية ووثائق رسمية مشككا في نزاهتها. وبمراجعة المسئولين في وزارة الصحة اعضاء اللجنة الطبية اكدوا أن اللجنة الطبية العليا عندما تنظر في احد الملفات الطبية المقدمة اليها تحيل المريض الى لجنة متخصصة من الاستشاريين والاخصائيين لاثبات مدى الضرر الواقع على المريض، وفي حالة عدم اقتناع اللجنة بتقرير اللجنة المتخصصة تقوم باحالته الى لجنة اخرى الى أن تتيقن مئة في المئة بأن الضرر الواقع على المريض يطابق نسبة العجز المثبتة في التقرير او تعادل قيمة الاجازة الممنوحة للمريض. ويؤكد الدكتور عبد الغفار عبد الغفور وكيل وزارة الصحة لشئون العلاج ورئيس اللجنة بأن اللجنة العليا تتشدد اكثر واكثر اذا كان الامر يتعلق بتقدير نسبة العجز وتحيل المريض الى اللجان المتخصصة الى أن تتأكد من احقية المريض الكاملة في نسبة العجز المقدرة. مشيرا الى أنه لا يجوز لأي جهة كانت التشكيك في تقارير اللجنة الطبية العليا. ويطالب دفاع شركات التأمين ببطلان عقود التأمين لتوافر الغش والتدليس بسبب تعدد عقود التأمين عن ذات الضرر المدعي به ورفض الدعوى جملة وتفصيلاً، بينما يطالب دفاع المدعى بالزام شركات التأمين بدفع المبالغ المتفق عليها في عقود ووثائق التأمين ومن المؤكد أن حكم المحكمة هو القرار الاول والاخير. أبوظبي ـ مصطفى خليفة: