الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 أكد الدكتور عبد الله رمزى استاذ الادب العبرى بكلية الاداب جامعة عين شمس ان وثائق اليهود في مصر المسماة (الجنيزاه) كفيلة بالرد على كل الادعاءات التى تزعم ان اليهود الذين عاشوا في كنف الحضارة الاسلامية والعربية عاشوا على هامش المجتمع الاسلامى موضحا ان تلك الوثائق تمثل شهادة على سماحة الاسلام. وقد بين عبد الله رمزى في محاضرة بمركز زايد للتنسيق والمتابعة ان اللقاء العربى ـ اليهودى في العصور الوسطى يثير جدلا مستمرا بين الدارسين وفي الرأى العام هناك اجماع بين مختلف الباحثين على ان هذا اللقاء يعد تجسيدا لحالة حضارية ازدهرت فيها احوال اليهود بحيث انتجوا ثقافة ثرية في ظل الحكم الاسلامى المتسامح وذلك في وقت عانى فيه اخوانهم في اوروبا المسيحية من الاضطهاد المتواصل. وأكد ان الحقيقة التاريخية الثابتة هى ان الموقف المتسامح من اهل الذمة ظل ثابتا ومستمرا على الدوام رغم ترامى اطراف العالم الاسلامى واختلاف الحكام مبرزا ان حياة موسى بن ميمون الطبيب اليهودى والفيلسوف الشهير وكبير فقهاء اليهود في العصور الوسطى خير مثال على هذا التسامح وقبول الاخر والتواصل معه في ظل الحضارة الاسلامية. وتحدث المحاضر عن تحسن احوال اليهود المعنوية والروحية والمادية في هذه الفترة حتى انهم عربوا اسماءهم ولغتهم ورؤيتهم وتأثرت آراؤهم الدنيوية والدينية بالتراث العربى الاسلامى وبلغوا مكانة رفيعة فعملوا في الوظائف الادارية والمالية. وقال المحاضر ان بعض اليهود وصلوا اعلى المراتب الحكومية كما هو حال حسداى بن شفروط الذى كان يعمل طبيبا ودبلوماسيا في بلاط عبدالرحمن الثالث 912-961 والحكم الثانى 961-972 موضحا ان الاندلس تحولت الى اهم مراكز اليهود في العالم فاندمجت النخبة اليهودية في محيطها العربى تماما واستوعبت اعدادا كبيرة منها الفلسفات العقلانية والدنيوية التى كانت سائدة انذاك. واشار الى ان ذلك اكسب اليهودية باعتبارها نسقا دينيا ابعادا حضارية اسلامية كما هو واضح في فلسفة موسى بن ميمون اهم المفكرين الدينيين اليهود على الاطلاق والذى كان لفكره العربي ـ الاسلامى ـ اليهودى اعمق الاثر في الفكر اليهودى في كل انحاء العالم. وأضاف المحاضر «لقد ولد هذا الفقيه اليهودى والفيلسوف في عام 1135م في قرطبة بالاندلس في اطار هذه الحالة الحضارية الفريدة من التواصل والتفاعل الاسلامى واليهودى وكان والده قاضيا وعالما في كل من الفلك والرياضيات وقد ادى طموح الوالد لتحسين احوال عائلته المالية والاجتماعية لان ينتقل بها الى المغرب حيث اقام بها فترة قصيرة ثم استقر مع عائلته فيما بعد في الفسطاط بمصر حيث سطع نجم ابن ميمون اذ غدا زعيما للطائفة اليهودية المزدهرة في القاهرة وطبيب البلاط الايوبي». ورأى المحاضر ان هناك نواحى كثيرة من تاريخ اليهود في العالم الاسلامى بما في ذلك مصر الاسلامية ظلت طي الخفاء حتى اواخر القرن التاسع عشر حين انفتحت نافذة بالغة الاهمية على دراسة حياتهم المادية والروحية وذلك باكتشاف مخطوطات (الجنيزاه) القاهرية في احد كنس الفسطاط القديمة وقد ضمت هذه المخطوطات فضلا عن الاوراق التى استخرجت من المقبرة اليهودية في القاهرة مئات الالاف من الرسائل والصكوك القانونية والوثائق ذات القيمة التاريخية التى تلقى ضوءا قويا على علاقات اليهود بالسلطات الاسلامية وعلى نشاطاتهم الاقتصادية ومبناهم الطائفي وحياتهم العائلية وعلى نواح اخرى كثيرة من حياتهم اليومية كما تحمل هذه الوثائق معلومات وافية عن مدى اندماجهم مع محيطهم. وأكد الدكتور رمزى ان مخطوطات (الجنيزاه) القاهرية بهذا الوصف تمثل شهادة ودليلا خط بأيدى اليهود انفسهم على ما لاقوه من سماحة وتسامح وقبول في اطار الحضارة العربية الاسلامية. ونوه بأن هذه المخطوطات سجلت الحضور المتميز للشخصيات اليهودية التى تشهد مكانتها السابقة على ما حظى به اليهود من تقدير واحترام ولعل من ابرز الامثلة على ذلك الفيلسوف اسحق ابن السمول الاسرائيلى . الذى عمل طبيبا في بلاط حكام المغرب من الفاطميين وسعديا بن يوسف الفيومى الذى كان من اشهر رؤساء معاهد العراق. وأضاف ان من بين الشخصيات التى ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحكم الفاطمى لمصر كان هناك يعقوب بن كلس وبلطيال بن شفطيا وكان يعقوب بن كلس تاجرا يهوديا بغداديا تركت اسرته العراق في بداية القرن العاشر لتستقر في مصر حوالى سنة 96م حيث اخذ يزود الحكام الاخشيديين بالسلع التجارية ثم اصبح مستشارا لكافور الاخشيدى في شئون المال والدولة وكان اطلاعه الواسع على شئون مصر سببا في تقربه من المعز لدين الله الفاطمى الذى وجد فيه ذخرا وعونا وبعد نجاحه في تنظيم ادارة الدولة الفاطمية ولا سيما في احوالها الاقتصادية قلده العزيز ابن المعز ووريثه الوزارة سنة 977م. أما بلطيال بن شفطيا فأنه من اسرة حاخمية من جنوب ايطاليا وقد وقع في اسر الفاطميين في غزوة لشواطى ايطاليا شنوها من قاعدتهم في القيروان فحملوه الى صقلية حيث عمل في خدمة المعز لدين الله الفاطمى الذى دخل مصر فاتحا فيما بعد ويرى بعضهم ان بلطيال بن شفطيا هو موسى بن العازر ذاته طبيب المعز المذكور في عدة مصادر عربية ذلك ان احد هذه المصادر يذكر ان الفاطميين كانوا قد اسروا هذا الطبيب في جنوب ايطاليا. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |