اتخذت دولة الامارات العربية المتحدة سياسة التوطين نهجاً لها في المجالات المختلفة، وتلك لعمري حق من حقوقها، لأن اي دولة لابد وان ينهض بها ابناؤها، فهم كما قال المثل: «أهل مكة أدرى بشعابها». وربما كان توطين الامامة والخطابة والدعوة جزءاً من هذه المهمة الملقاة على عاتق الدولة، لكن بما ان عملية التوطين يجب ان تأخذ حقها من الدراسة والتخطيط فإن فكرة توطين الوظائف الدينية تأخرت عن توطين الوظائف والحرف والمهن الاخرى. على كل فإن وزارة التربية والتعليم والشباب تشكر على مبادرتها الرامية الى انشاء المعاهد الدينية في الامارات، استجابة لرغبات كامنة في نفوس ابناء هذه الدولة. ولا شك ان وزارة العدل والاوقاف والشئون الاسلامية تشكر ايضاً على مشاركتها وزارة التربية في الفكرة، وابدائها الاستعداد التام لاحتضان خريجي هذه المعاهد الدينية مستقبلاً. ان الوزارتين ولا ريب تنطلقان من خلال توجيهات سامية لدولتنا الحبيبة التي وفرت سبل التعليم بأنواعه لابنائها. فأبناء دولة الامارات من حقهم ان يحتلوا كل المراكز، ويمارسوا كل المهن، ويخدموا الدولة في كل الميادين والمجالات. انهم اليوم اطباء ومهندسون وربابنة الطائرات وضباط وألوية في الجيش والشرطة، ومعلمون واساتذة وقضاة ومحامون، وهم اليوم يشغلون مراكز قيادية وادارية هنا وهناك. فليس بصعب عليهم ان يكونوا خطباء وأئمة ودعاة. نعم.. هناك مشاهد تلفت انظارنا عندما ندخل المساجد فنرى الخطيب والامام والمؤذن من غير أهل البلد. وكأن هذه الوظائف أصعب من الوظائف الاخرى التي تحتاج الى خبرات فنية، أو انها تحتاج الى ان يكون المواطن قادراً على حمل الأثقال. في اعتقادي ان الذين يدعون بأنهم من اهل الجمع والجماعات، وانهم لا يفوتون على انفسهم فريضة في المساجد بإمكانهم ان يؤهلوا انفسهم لتسلم مثل هذه الوظائف التي هي نابعة من عملهم الذي يمارسونه في كل يوم وليلة خمس مرات. أليس هناك من يحفظ القرآن كله او اجزاء من القرآن، وهناك من يحفظ قدراً من الاحاديث النبوية، فلماذا لا يتقدم ليصلي بالناس اماماً، وربما غاب الخطيب وكان هو موجوداً في المسجد فما تجرأ ليصعد المنبر ويخطب لينقذ المصلين. يا ترى لماذا؟ لأنه لم يتدرب على الامامة ولا على الخطابة، أو انه لم يدرس دراسة اكاديمية، بل حفظ من تلقاء نفسه ما حفظ، فما تشرّب الجرأة، وقد قيل في الأمثال: العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم. من هنا فإن مهنة الخطابة والامامة والدعوة بقيت غير مرغوب فيها من قبل المواطنين، وظلت قاصرة على الوافدين الذين ندعو لهم نحن بالخير، ونشكرهم على ما قدموا لنا في سبيل الدعوة والارشاد والنصح. ا وإنني لا أقول بأن الميدان يخلو تماماً من أبناء البلد في هذا المجال، وانما أقول اذا كانت مهنة التدريس هي آخر ما يفكر فيها المواطن، فإن مهنة الامامة هي أندر مهنة في وسط المواطنين. هذه النظرة التشاؤمية لم تنبع من فراغ، بل لأن هذه الشريحة من الناس لم يحصلوا على اهتمام كاف برغباتهم، ومن ثم فإنهم اتجهوا الى مواطن اخرى في حين ان الدولة في هذه المواقع في حاجة إليهم. ومن هنا لم يكن امام الدولة بد سوى ان تستعين بالوافدين من ابناء الدول العربية والاسلامية. لكن لم يعالج ذلك القرار الموقف الوظيفي كما ينبغي، اذ انصرفت الاذهان عن المطلب الاصلي الى البحث عن الارخص والاكتفاء به، وكان ذلك على حساب الجودة، فرأينا أئمة مسلمين يشغلون وظائف الإمامة، لكنهم يلحنون في القراءة فلا تصح امامتهم. ورأينا مؤذنين مسلمين لكنهم يقولون خي على الصلاة «بالخاء» وخي على الفلاة «بالخاء» والفلاة «بالتاء» المربوطة بدلاً من «الحاء»، و«الله أكبار» بدلاً من «الله اكبر». نعم.. كان اولى بهذه المهنة ان تكون لأبناء البلد، وكان أولى بنا ان نتعهدهم بالدرس والتعليم والتدريب حسب الاصول لأن البلد بلدهم، وواجب عليهم ان يقوموا بهذه الوظائف مثل سائر الوظائف، وتكون رواتبهم متساوية ايضاً برواتب الآخرين، اذ ان التعيين يكون على المؤهل والخبرة، لا على مسميات الوزارات والمواقع. ما تقوم به وزارة التربية اليوم هو هذا الذي كنا نفتقده بالأمس، فهي الآن تعزم على انشاء المعاهد الدينية في كل امارات الدولة، وتود ان تدرس شريحة من ابناء البلد العلوم الدينية المتخصصة ابتداء من السادس وانتهاء بالصف الثاني عشر، وعندئذ يتخرج الطالب وهو يحمل ثانوية دينية تؤهله للعمل في وزارة الاوقاف والمحاكم وجهات اخرى مشابهة. وبإمكانه ان يواصل دراسته في جامعات داخل الدولة وخارجها في تخصصات معينة أسوة بسائر الخريجين. هذه البادرة من وزارة التربية التي باركتها وزارة الاوقاف ايضاً بادرة طيبة. وانني اقول: الكثيرون من الشباب لا يواصلون دراستهم لأن التخصص الديني غير متوافر لهم. والكثيرون منهم لا يلتحقون بالعمل في المجالات التي ذكرناها بحجة انهم غير مؤهلين، او ان رواتبهم أقل. في اعتقادي انهم بعد هذه الخطوة من الوزارة لا يعذرون، لأن التخصص سوف يكون متوافراً أمامهم، والوظيفة متوافرة ايضاً. لكن نجاح العملية مرتبط الآن بقناعة الآباء الذين من واجبهم ان يشجعوا الابناء على مواصلة الدراسة والحصول على المؤهل المطلوب. من واجب الوزارة ان تؤهلهم تأهيلاً عصرياً، وما ينبغي ان تنظر الى الدولة الفلانية، ولا الى المنهج الفلاني، لأن ما يناسب اولئك لا يناسبنا، وبيئتهم تختلف عن بيئتنا، وعلى سبيل المثال فإن الإمام في بلد ما يكفي ان يعرف قراءة الفاتحة والسورة عن ظهر قلب، ولكني اقول يجب على امامنا ونحن نعيش عصر المدينة الالكترونية ان يحفظ ويتعامل مع الحاسوب ايضاً. وفي بعض البلاد ربما نظروا الى ان تعلم الانجليزية يعد ضياعاً للوقت، وانا اقول إمامنا يجب ان يعرف الانجليزية لأن المأمومين وجماعة المساجد ثلاثة ارباعهم لا يتقنون العربية. ثم ان دعاة اليوم لا يقتصر دورهم على إلقاء خطب رنانة في المساجد بين قوم على الصراط المستقيم اصلاً. وانما دورهم ان يدخلوا في وسط الناس في دور السينما والاسواق والمقاهي ليبينوا لهم مضار الشيء الفلاني بالأسلوب الذي يفهمونه لا بأسلوب الانذار والتخويف الذي ينفرهم. اذن ليس بعيب ان يكون الداعية «مدرنا»، وان يكون مرتبا في هندامه، فالله جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة. وليس بعيب ان ننشر ديننا بلغة عالمية حسب مفهوم العصر، ولكن العيب ان يصلي الأبكم بجماعة بكم، الهم إلا اذا اخذنا بالقاعدة التي اخذ بها الفقهاء وهي ان شهادة الاعمى تصح في مجتمع كلهم عميان أليس كذلك؟