شهدت منطقة الخليج العربي العديد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية خلال العقود الثلاثة المنصرمة وقد اثرت هذه التغيرات على نمط وأسلوب الحياة وكذلك العادات الغذائية مما ادى بدوره الى ظهور بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالمدن مثل السمنة وأمراض القلب التي اصبحت السبب الرئيسي للوفيات. وتعتبر السمنة أحد الاسباب الرئيسية للاصابة بهذه الامراض وهي عامل رئيسي للاصابة بارتفاع ضغط الدم والسكري، وقد أثبتت الاحصائيات والدراسات لهذا العام ان السمنة من اكثر امراض التغذية انتشارا، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا تعاني دول الخليج العربية من السمنة بهذه النسب المخيفة؟ تشير الدراسات نفسها الى ان السمنة في دولة الامارات العربية المتحدة بالذات ترجع الى عدة عوامل صحية وغذائية واجتماعية ونفسية وأن هذه العوامل مرتبطة ببعضها البعض. ومن هنا ظهرت الحاجة الملحة الى دراسة العوامل المؤثرة عليها ومدى انتشارها سواء عند الاطفال او الكبار، والمعروف ان الاطفال الذين يعانون من السمنة في مرحلة الطفولة يميلون للسمنة في مرحلة البلوغ لذا فإن الاهتمام بالسمنة في الطفولة يجب ان يلاقي اهتماما كافيا وتكاتفا في الجهود من قبل الأسرة والمؤسسة التعليمية والمجتمع. «البيان» سلطت الضوء على هذه الظاهرة المرضية وتلمست الاسباب وطرق الوقاية والعلاج. يقول الدكتور عبدالسلام هنداوي من الصحة المدرسية لاحظنا ان اكثر الامراض التي نكتشفها في الكشف الشامل على طلبة المدارس مرض السمنة حيث يأتي في المرتبة الثانية او الاولى في بعض المراحل السنية خاصة في نهاية المرحلتين الابتدائية والاعدادية واعتقد ان وراء ذلك عوامل كثيرة وغالبا ما تكون هذه العوامل معقدة ومتشعبة، وقد اظهرت الدراسات ان هناك عوامل وراثية وبيئية مرتبطة بالسمنة اضافة الى العادات الغذائية المكتسبة، فزيادة تناول الطفل للأغذية الدسمة التي تحتوي على السعرات الحرارية العالية مثل تناول الوجبات السريعة والاقلال من تناول الخضار والفاكهة يولدان فائضا من الطاقة يؤدي للسمنة، ومن جهة اخرى فإن قلة ممارسة النشاط البدني او بذل اي مجهود يعد عاملا من عوامل السمنة السريعة. اجمالا فإن النظام الحياتي وما ينطوي عليه من جوانب رفاهية قد اسهم بصورة مباشرة في ازدياد المصابين بالسمنة المفرطة. العلاج والوقاية يؤكد الدكتور عبدالسلام ان الهدف من علاج السمنة هو الحصول على الوزن والطول المناسبين للعمر والحفاظ على الوزن ضمن المعدل الطبيعي وفي الوقت نفسه مراعاة مباديء النمو عند الاطفال ولعلاج السمنة عند الاطفال يجب اتباع خطة يشارك فيها الاصل وأخصائي التغذية، كما يجب ممارسة الرياضة والاهتمام بالوجبات في المدرسة، خاصة لنوعية الغذاء الموجود في المقصف المدرسي والاهتمام بالعناصر الغذائية السليمة وقد اهتمت وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع وزارة الصحة والبلدية باختيار النوعيات المناسبة من الغذاء سواء من الناحية الغذائية او سلامة الاغذية. تكاتف الجهود وترى فاطمة الحمادي ممرضة في الصحة المدرسية بالشارقة ان اطفال المدارس والمراهقين احدى الفئات التي تشكل نسبة كبيرة من افراد المجتمع الاماراتي والتي تأثرت في تغير نمط الحياة والعادات الغذائية للمجتمع. وترد أسباب السمنة الى التغيرات الهرمونية والفسيولوجية في الجسم مثل اضطراب افرازات الغدة الدرقية او الغدة النخامية، والاسباب الوراثية اضافة الى الاكثار من تناول الاغذية الدسمة والتي تحتوي على سعرات حرارية عالية يقابلها عدم ممارسة للرياضة وقلة الحركة خاصة عند الفتيات. تعاون وتنسيق وتذكر حياة زين هاشم ممرضة في مدرسة صهيب التأسيسية للبنين ان التخلص من امراض سوء التغذية عند اطفال المدارس يتطلب التعاون والتنسيق بين العديد من الجهات ذات العلاقة في الدولة وذلك لوضع برامج وقائية وعلاجية سريعة وعلى رأسها توعية المجتمع بأهمية التغذية المتوازنة، والتخلص من العادات الغذائية السيئة التي تؤثر على الحالة الصحية للأسرة، ادخال برامج التغذية ضمن المناهج الدراسية مع التركيز على أهم المشاكل الغذائية في المجتمع إلى جانب توفير الاغذية ذات القيمة الغذائية العالية في المدارس وفرض رقابة على المقصف المدرسي وما يقدمه للطلبة. أما بالنسبة للعلاج الطبي فيجب اجراء كشف دوري على التلاميذ للتأكد من خلوهم من بعض الاضطرابات المرتبطة بالسمنة وتخصيص برنامج يومي للرياضة ويفضل المشي باعتباره رياضة المشي الاكثر فائدة للمصابين بالسمنة، تشجيع التلاميذ على تناول الفواكه والخضروات والابتعاد عن الاغذية الدسمة ذات السعرات الحرارية العالية كما تتم متابعة وزن التلميذ تحت اشراف اخصائي التغذية. مشاريع ناجحة ويذكر ان مدرسة صهيب التأسيسية قد نفذت السنة الماضية مشروع السمنة الزائدة واشرفت عليه مدرستي الرياضة ميسيون محمد حسن جبران وندى الزين بالتعاون مع الصحة المدرسية في الشارقة. وتقول ميسون محمد لقد حصرنا عدد التلاميذ الذين يعانون من السمنة وهي للأسف نسبة عالية تتجاوز الـ 15% ومن هنا برزت الحاجة الملحة لمثل هذا المشروع وبالفعل قطفنا ثماراً طيبة مع طلبة تعاونت أسرهم واستمرت بالبرنامج الذي اقترحناه. ويهدف المشروع إلى عمل جدول تمرينات رياضية لتحسين عناصر اللياقة البدنية لدى الطلبة أو تخفيض وزنهم في الوقت ذاته كما يشمل المشروع برنامج غذائي بسيط يعتبر حمية لهؤلاء التلاميذ، وتضيف للوقاية من السمنة في المدارس يجب تشجيع الممارسات الصحية والعادات الغذائية مثل مزاولة الرياضة وتكثيف حملات التوعية عند التلاميذ من خلال الاذاعة المدرسية والنشاطات الصيفية الأخرى، وتشجيع التلاميذ على تناول وجبة الافطار في المنزل. وتؤكد ندى الزين ان الاستبيان الذي أجرته المدرسة قبل البدء بالمشروع خلص بنتائج مفادها ان استخدام وسائل النقل بكثرة لتجنب حرارة الشمس والاعتماد الكامل على الخدم في الاعمال المنزلية والاعتماد على الاجهزة الحديثة «الالكترونيات» ساهمت في تقليل الحركة وزيادة الوزن، اضافة إلى عامل مهم أغفله الكثيرون وهو التلفزيون حيث نجد نسبة كبيرة من التلاميذ تتناول الاغذية السريعة والحلويات عند مشاهدة التلفزيون لمدة تزيد على الساعتين يومياً. وتتابع من هنا وبعد ان وضعنا أيدينا على موقع الخلل وضعنا برنامجاً غذائياً يشمل وجبة صحية وتمارين رياضية اضافة إلى مطالبة الأهالي بتعديل الانماط المعيشية والغذائية لأبنائهم، وقد طرأ تحسن ملحوظ على عدد من الطلبة وانخفضت أوزانهم بصورة ملحوظة لكن البعض لم يتبع التعليمات مشيرة إلى استمرار المشروع حتى نصبح مدرسة صهيب التأسيسية خالية من هذه الظاهرة المهنية. مشكلة خطيرة تقول فريال السركال اخصائية اجتماعية في مدرسة ميسلون الابتدائية بالشارقة ان السمنة عند أطفال المدارس مشكلة صحية خطيرة نتيجة لمضاعفاتها الخطرة خاصة أمراض الضغط والقلب إلى جانب شعور الطالب بالنقص أمام زملائه، وبالتالي فإن الحل يكمن في حمية غذائية تناسب المرحلة العمرية وعدم اشعار الطفل ان أسرته تحرمه من الاطعمة اضافة إلى تشجيع الاسرة لطفلها من خلال مشاركته رياضة المشي أو الجري لأن ذلك يشعره بالمتعة ويشجعه على التخلص من خجله. دراسات وأبحاث وقد قام فريق عمل مؤلف من أطباء الاطفال والممرضات وقسم التغذية والتثقيف الصحي، بمراكز الرعاية الصحية الأولية بدائرة الصحة والخدمات الطبية بدبي بدراسة ميدانية عن ظاهرة السمنة للتعرف على أسباب البدانة عند الاطفال، وقام فريق العمل باعداد استبيانين لهذا الغرض الأول اختص بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الشهر الأول وحتى الشهر الثاني عشر والاستبيان الثاني اختص الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 13 شهراً وحتى 12 سنة. ومن خلال هاتين الدراستين استنتج الباحثون تفضيل الاطفال للوجبات السريعة، بالاضافة إلى قائمة تنوع الوجبات وقلة تناول الخضروات والفاكهة وقد يعني ذلك ان السمنة عند هؤلاء الاطفال مرتبطة بممارسات غذائية خاطئة وقلة وعي من قبل الامهات وهذا يقودنا إلى الحاجة الماسة لبرنامج التوعية الصحية في مجال التوعية الغذائية والتشجيع على ممارسة النشاطات الرياضية والبدنية للوصول إلى مجتمع صحي سليم. الطالب هلال سعيد خضع إلى برنامج غذائي ونظام حياتي في مدرسة صهيب التأسيسية ويرى ان هذا المشروع ممتاز حيث ساعده على التخلص من الوزن الزائد ويرى ان الرشاقة تمنح الطالب مزيداً من القوة والنشاط للعمل والدراسة وممارسة الأنشطة المختلفة. ويوافقه عمر عباسي الذي اشترك في المشروع نفسه وظهرت النتيجة واضحة حيث استطاع خلال أشهر قليلة خسارة جزء من الوزن الزائد لديه وهو سعيد بهذه النتيجة ويسعى للوصول إلى الوزن المثالي الذي يتلاءم مع طوله. ويقول اسلام فتحي ان السمنة سيئة عند الاطفال إذ تحرمهم من اللعب والتحرك بسهولة وتجعلهم مثار سخرية وتهكم زملائهم وبالتالي فإن الرشاقة أمر حتمي والسمنة لا تجلب إلا التعاسة والمرض. ويوجه الطالب ابراهيم البريمي شكره لمدرسة صهيب التأسيسية على تنفيذها للمشاريع الهادفة التي تصب في خدمة الطالب ويعد بالالتزام ببرنامج «السمنة الزائدة» الهادف إلى تقليل نسبة الاطفال المصابين بالسمنة في المدرسة. تحقيق نورا الأمير: